الدراسات

معاهدة أرض روم الأولى ١٨٢٣، و دورها في تأكيد السيادة الأحوازية في القانون الدولي العام

مقدمة

 

ظلت العلاقات بين الدولة الفارسية والدولة العثمانية تمر في حالة من التوتر، الذي شهد الكثير من الحروب، إلى أن عُقدت اتفاقية أرض روم الأولى في يوليو/ تموز ١٨٢٣، بعد انتصار القاجاريين على العثمانيين في معركة أرض روم ١٨٢٣، التي مهدت لمرحلة جديدة من العلاقات بين الدولتين، قامت على حل مشاكلهما عن طريق التفاوض، ووضع حد للحروب الكبيرة بينهما، التي دامت ما يقارب الثلاث قرون، دون أن يعني ذلك انتهاء الخلافات بين الدولتين، تبدى على شكل هجمات عسكرية متفرقة، سببها التنازع على بعض المناطق، ومشكلات تتعلق بترسيم الحدود، أكثر مما تتعلق بالطموحات الإمبراطورية بين الدولتين، ما دفعهما إلى الكثير من التفاهمات، خصوصاً بعد الخسائر التي مُني بها العثمانيون أمام جيوش محمد علي باشا والي مصر، وكذلك الخلافات والمشاكل التي طرأت بين العثمانيين و القاجاريين، وكان من أهمها شكوى الفرس من قيام والي بغداد داوود  باشا (١٨١٦- ١٨٣١) بفرض رسوم جديدة على الزائرين الإيرانيين للعتبات المقدسة في العراق، وفرض رسوم على دفن الموتى، الذين يُؤتى بهم من إيران لدفنهم في العتبات المقدسة. وزاد من هذه الخلافات تخوف القاجاريين من توغل العثمانيين إلى تخومهم، لاسيما بعد استلام علي رضا باشا اللاظ والياً لبغداد في الفترة مابين ١٨٣١- ١٨٤٢، الذي كان ينادي باستعادة مدينة المحمرة، معتبراً إياها للعائدية العثمانية (١)، في الوقت الذي كانت فيه مدينة المحمرة تحت سيادة الدولة الأحوازية ، بقيادة الشيخ جابر الكعبي (٢) الذي حكمها بين أعوام  ١٨١٩- ١٨٨١، الأمر الذي دفع الدولتان العثمانية والفارسية إلى إجراء مفاوضات بينهما وبوساطة بريطانية- روسية.

من هذه النقطة بالذات، بدأت التدخلات الدولية في الإقليم، مع عقد معاهدة أَرض روم الأولى ١٨٢٣، التي أصبحت بين أربعة أطراف هم بريطانيا، والدولة القاجارية، والدولة العثمانيين، والدولة الكعبية في الأحواز.

وأمام هذه التجاذبات والمصالح بين الدولتين الفارسية والعثمانية، تمخضت المعاهدة على إعطاء الدولة الفارسية مدينة المحمرة وميناءها، وجزيرة خضر والمرسى والأراضي الواقعة على الضفة الشرقية من شط العرب.

 

أولاً- اتفاقية أرض روم الأولى ١٨٢٣ والاعتراف بالسيادة الأحوازية، وأثره في القانون الدولي

مع دخول بريطانيا على خط التفاوض بين الدولتين الفارسية والعثمانية، دخلت القوات الإنجليزية الأحواز ، بعد أن اتفقت مع الدولة الكعبية على ضمان استقلالها، وهو ما حدث بالفعل – لاحقاً- حين انسحب البريطانيون في العام ١٨٥٧، في رسالة واضحة من البريطانيين للدولة الفارسية باستقلالية الأحواز، والاعتراف بحدودها الجغرافية، وحقها المتأصل في السيادة والاستقلال، بالرغم من التجاذبات الحادة بين القوتين المتصارعتين على الإقليم وقتذاك، وهو ما دفع بريطانيا للاعتراف بالحقوق التاريخية المتأصلة للدولة الكعبية، التي أصبحت طرفاً في اتفاقية أرض روم الأولى ١٨٢٣.

 

أ: المصالح البريطانية والاعتراف بالسيادة الأحوازية

تأكدت العلاقات المتينة بين البريطانيين والدولة الكعبية. فقد كشفت الوثائق التاريخية، تبادل المصالح بين بريطانيا والدولة الكعبية، حيث اشتغلت بريطانيا أبان تلك المرحلة على تأكيد الاعتراف بحكم الأمير جابر الكعبي ( ١٨١٩- ١٨٨١) في المنطقة، في محاولة لإعادة تموضعها في المنطقة بالاستفادة من الخلاف العثماني الفارسي.

 وعلى هذا الأساس، أعطت بريطانيا الوعود والعهود بحماية حكم الأمير جابر الكعبي، ودعمه والوقوف بجانبه ضد أي تدخل أجنبي، أو انتهاك لسيادة دولته، والدفاع عنه في حال تعرضه لأي هجوم خارجي، وهذا ما تحدثت عنه الوثائق التاريخية للمؤرخين، والقادة الإنكليز من عسكريين و سياسيين، حيث استمر هذا الدعم البريطاني حتى بعد نهاية حكم الأمير جابر الكعبي، حتى وقت متأخر من حكم ابنه الأمير خزعل بن جابر الكعبي، قبل الانقلاب عليه والتخلي عن دولته لإيران سنة ١٩٢٥.  ولعل ما يؤكد ذلك، ما نشرته السكرتيرة الشرقية لدار الانتداب البريطانية في العراق جيرترود بيل Miss Geretrude Bell في كتابها الذي حمل عنوان ” فصول من تاريخ العراق القريب”، الذي قالت فيه: ” إنّ المقيم السياسي البريطاني في الخليج أعطى سنة ١٩١٤ للشيخ خزعل الوعد الآتي: ” لقد أمرتني حكومة صاحب الجلالة أن أقدم لسعادتكم وعداً، بأننا إذا ما نجحنا وسننجح بإذن الله، فإننا لن نعيد البصرة للدولة العثمانية ولن نسلمها لهم أبداً، وأؤكد لكم بصورة شخصية في هذا العهد، بأن حكومة صاحب الجلالة – مهما طرأ من التبدل على شكل الحكومة الفارسية، سواء كانت ملكية مستبدة أو دستورية- مستعدة لأن تمدكم بالمساعدات اللازمة للحصول على حل يرضيكم ويرضينا معاً. و إذا تجاوزت الحكومة الفارسية على حدود إمارتكم، وحقوقكم المعترف بها، فإن حكومتنا ستبذل أقصى جهدها في الدفاع عنكم، تجاه أي اعتداء أو تجاوز يأتي إليكم من دولة أجنبية على دائرة اختصاصكم وحقوقكم المعترف بها” (٣).

 

ب: معاهدة أرض روم الأولى وفكرة العناصر المكونة للدولة الأحوازية في القانون الدولي:

تُعرف السيادة بأنها حكم مجموعة من الناس على منطقة معينة بحكم القانون المتفق عليه في تلك المنطقة (٤). وهي وصف جوهري يلحق بسلطة الدولة، فالدولة ذات السلطة السيادية، وهي التي تحتكر السيطرة السياسية على إقليم معين، كما تحتكر وسائل هذه السيطرة. وهي تعني الصلاحيات التي يحق للدولة ممارستها في النطاق الإقليمي لها، كحماية الحدود، الحفاظ على الأمن (٥)، وغير ذلك. ويعتبر مبدأ سيادة الدول من المصطلحات المهمة في القانون الدولي العام، وفي علم السياسة. وتشكل السيادة العناصر المكوّنة للدولة التي تتألف من العناصر الأساسية التالية:

 

العنصر البشري

 ويشكل العنصر الأساسي في الدولة، الذي يستقر فيها ، ويرتبط بها بروابط ثقافية ولغوية وتاريخية مشتركة. ومنذ الفتح الإسلامي لبلاد فارس أطلق العرب على الإقليم كله لفظة “الأحواز”، وأطلقوا على العاصمة ” سوق الأحواز”  للتفريق بينهما. وفي العهد الصفوي سماه الفرس “عربستان” أي القطر العربي. أما “خوزستان” فهو الاسم الذي أطلقه الفرس على شمال الإقليم، وهو يعني بلاد القلاع والحصون التي بناها العرب المسلمون بعد معركة القادسية (٦)، وسمي به الإقليم مرة أخرى بعد الاحتلال الفارسي بأمر من رضا شاه سنة ١٩٢٥.

 

العنصر الطبيعي

 ويقصد به كامل مساحة الأرض محددة المعالم، التي تتبع الدولة ويقيم على معظمها، أو على بعضها المواطنون، وتشمل المسطحات المائيّة، والمجال الجوي. وهنا تجدر الملاحظة  أن معاهدة أرض روم  ١٨٢٣، قد ركزت على المسائل المتعلقة بالعنصر الطبيعي ودوره بترسيم الحدود، حيث نصت المعاهدة  على اقتصار حدود إيران بـ ” الجبال والمرتفعات وما وراءها شرقاً، وعدم تبعية السهول للدولة الفارسية”.  الأمر الذي يؤكد عدم وجود أي حق تاريخي لإيران بحدودها الهندسية الحالية، بأي شبر بالأحواز، التي تعتبر امتداداً لسهول بلاد الرافدين. لاسيما وأنّ التاريخ الجيولوجي لأراضي كل من الأحواز والسهل الرسوبي من العراق متشابه، حيث تكون الاثنان من ترسبات نهري دجلة والفرات ونهر كارون وتفرعاته. وهو ما أدى إلى ظهور الأراضي على جانبي شط العرب، فكونت بذلك مع سهول بلاد العراق وحدة قائمة بذاتها لها تضاريس وخواص مناخية متشابهة. ويؤكد ذلك أنّ العلاقات المكانية الطبيعية التي تربط بين الأحواز وإيران تكاد تكون معدومة؛ إذ ليست هناك أي علاقة في التكوين الطبيعي بين سهل الأحواز وهضبة إيران الجبلية. كما يمتد إقليم الأحواز ما بين جبال زغروس ذات الممرات الجبلية الضيقة التي  تفصل الأحواز عن بلاد الفرس والخليج العربي، أما الساحل الشمالي الشرقي الذي يكوّن الآن ” الساحل الإيراني” ، فيمتد على طوله نحو ألفي كيلومتر سلسلة عالية من الجبال الصعبة المنافذ إلى الداخل، مما عزل سكان الفرس والسلطة المركزية فيها عن حياة البحر، ولقد عُرف عن الفرس منذ غابر الزمن خوفهم من حياة البحار (٧). الأمر الذي يؤكد عدم وجود أية صلة بين الأحواز والساحل الشرقي للخليج العربي وإيران، بما في ذلك التكوين البشري، الأمر الذي ينسف أية فرضية لوجود إيران على ضفتي الخليج العربي.

 

السلطة ( السيادة والاستقلال)

 وهو العنصر المسؤول عن تنظيم مجتمع الدولة، والإشراف على الإقليم، وتسيير أمور الشعب، وتكتسب الحكومة شرعيّتها من مساهمتها بصنع القرار، أو ممارسة السيادة (٨)، وتسعى الحكومة إلى تحقيق نظام سياسي، واقتصادي، واجتماعي، وحقوقي في الدولة. ولعل تاريخية امتلاك السلطة للأحوازيين أنفسهم، تؤكد تحقق هذا الشرط في الحالة الأحوازية، حيث تشير اتفاقية أرض روم الأولى نفسها بالسيادة الأحوازية، بدءً من كون الدولة الكعبية طرفاً في المعاهدة، وانتهاءً بالاعتراف البريطاني بحكومة وسلطة الشيخ جابر الكعبي وابنه خزعل، أي الفترة الممتدة بين أعوام ١٨١٩ حتى ١٩٢٥، حيث دفعت الظروف الدولية بريطانيا نحو تأكيد السيادة الاحوازية، والدفاع عنها في مواجهة ما يتهددها من أطماع، بما في ذلك حقوقها المالية، بسبب الأوضاع الجمركية المشتركة. ما يشكل وثيقة تاريخية لكيان الدولة الأحوازية، المستقلة بشكلٍ مطلق، بعيداً عن أيّ تدخل خارجي، وعدم خضوعها بشكل مباشر لإدارة أجنبيّة، أو اتباعها لأيّة جهة.

وبالعودة إلى وقائع التاريخ، تبدو الدولة الكعبية دولة ذات قوة ومنعة وسيادة، فقد خاضت حروباً مع الفرس والعثمانيين والبريطانيين ١٧٥٧ – ١٧٦٨م . فاستطاعت الصمود عندما رفضت دفع الضرائب لشاه إيران. واحتلت البصرة في عام ١٨٣٦ م، أي بعد ١٣ عاماً من توقيع معاهدة اتفاقية أرض روم الأولى ١٨٢٣، وبالتالي ليس سيادتها المطلقة وحسب، إنما قوتها ومنعتها كطرف دولي وازن بين القوى المتصارعة على الإقليم. وهو ما يفسر أيضاً محاولات الدولة العثمانية نفسها إلى الحد من سطوتها. لذلك تعقبتها و فرضت الحصار على المحمرة، التي لم يُفع عنها، إلا بعد أن دفعت الدولة الكعبية فدية مالية إلى قائد الحملة العثماني. وبالرغم من ذلك فقد ظلت الدولة العثمانية ترى في الدولة الكعبية (الأحواز) خطراً عليها، لذلك هاجمت المحمرة فجأة عام ١٨٦٧م واحتلتها، و بسطت سيطرتها على كافة نواحي الأحواز، وفرضت حاكمًا عليها. وقد استطاع جابر بن مرادو زعيم قبيلة كعب السيطرة على الأمور في الإقليم من جديد (٩). ولعل حالة التوازن بين القوى الإقليمية، بما فيها قوة ومنعة الدولة الكعبية، هو الذي أدى إلى عقد معاهدة أَرض روم الأولى، بحيث كانت الدولة الكعبية طرفاً فيها إلى جانب بريطانيا، والدولة الفارسية، والدولة العثمانية.

إلا أنّ واقع الحال اليوم، مازال يعمل بتداخل المصالح بين الدول، وترابطها والاعتماد المتبادل فيما بينها لتنفيذ المصالح. وبالتالي أصبح الاعتراف الدولي بكيان الدول المحتلة، مجرد حالة واقعية، تحتاج إلى الكثير من الجهود للاعتراف بها أمام الهيئات الدولية، والدفاع عنها بوسائل القانون الدولي العام.  فالأحواز ولفترات طويلة من عمر التاريخ ظلت تتألف من مواطنين عرب، وإقليم عربي، وحكومة واستقلال عربيين. الأمر الذي يتوجب معه الاعتراف والإقرار بوجودها، والتعامل معها كدولة، والسماح لها بممارسة سيادتها في المحافل الدولية. فإذا تعذر اعتبارها عضواً في المجتمع الدولي، فقد يكون الاعتراف فرديّاً، صادراً من دول بعينها، وهو الواجب الملقى على عاتق الدول العربية، وذلك بالدفع نحو عقد مؤتمرات دولية، تتضمن الوثائق والمعاهدات التي تمهد للاعتراف جماعيّاً في المجتمع الدولي، والأمم المتحدة.

منذ توقيع معاهدة أرض روم الأولى، ظهر الاعتراف البريطاني بالعناصر المكونة للدولة الأحوازية ، بما يتفق وقيام الدولة في فقه القانون الدولي، فالدعم البريطاني للدولة الكعبية، التي أصبحت طرفاً في مفاوضات أرض روم ١٨٢٣، ظهر من خلال الرسالة القوية التي وجهتها بريطانيا للدولة الفارسية ( القاجارية) بعدم المساس بسيادة الدولة الأحوازية، الأمر الذي دفع الدولة الفارسية (القاجارية) بالتفاهم مع الدولة الكعبية على أمور أهمها عدم التدخل في شؤونها، وأن يكون لها كيانها المستقل، بشرط أن تكون الجمارك تحت إدارة الدولة القاجارية، إلا إنّ الإنكليز عادوا مرة أخرى، بحماية الحقوق الحقوق المالية الموجودة في إيران للدولة الكعبية، وهو ما تثبته الوثيقة التي تنص على رسالة المقيم السياسي البريطاني في الخليج سنة ١٩١٩ الموجهة للشيخ خزعل، التي قال فيها ” إن الحكومة البريطانية أقصى جهدها في الدفاع عن سلامة أموالكم الموجودة في إيران”(١٠). الأمر الذي يثبت السيادة الأحوازية الكاملة على حدودها، شعباً وإقليماً وحكومة ومقدرات اقتصادية، وهي المحددات التي تندرج في إطار مفهوم السيادة للدول، الذي حدده القانون الدولي العام.

 

ثانياً- العلاقات العثمانية القاجارية بعد اتفاقية أرض روم الأولى ١٨٢٣، وأثرها على الأوضاع القانونية للسيادة الأحوازية

 أدى التوتر بين الدولتين القاجارية والعثمانية نتيجة لإيواء الدولة العثمانية رجال القبائل المتمردة من أذربيجان المحتلة من قبل الدولة القاجارية، في الوقت الذي كانت فيه القيصرية الروسية تخطط سراً لإشعال حرب لتضغط على الإمبراطورية العثمانية، التي كانت في حالة حرب مع اليونانيين، الذين كانوا يتلقون السلاح و الدعم من روسيا. وفي خضم هذه الأحداث، وبسبب تفشي وباء الكوليرا بين صفوف الجيش الفارسي، ماجعلهم يشعرون بالعجز في استمرار الصراع مع العثمانيين، قابل ذلك رغبة الدولة العثمانية، بعقد معاهدة مع القاجاريين، لانشغالهم بمشاكل الحدود مع أوروبا، وانشغالهم بالقضاء على الثورات في اليونان (١١). وبناء عليه تمخض عن اتفاقية أرض روم الأولى النتائج التالية:

 

أ: على الصعيد السياسي (١٢)

– عدم تدخل الدولة الفارسية في الشؤون الداخلية لولاية بغداد، التي أعيد تأكيد تبعيتها للدولة العثمانية.

–  إعطاء الدولة القاجارية الحق في الحج إلى مكة والمدينة، وحرية العبور إلى المقدسات الشيعية في العراق.

– نظمت الأمور المتعلقة بالفارين من دولة إلى أخرى، والعشائر المتنقلة بين الدولة العثمانية و الإمبراطورية الفارسية وعدم قبولهم أو حمايتهم.

–  تبادل التمثيل الدبلوماسي بين الدولتين والعفو عن رعاياهم الذين هربوا قبل الحرب.

 

ب: على الصعيد الثقافي والاجتماعي (١٣)

– احترمت معاهدة أرض روم الأولى وحدة العشيرة، بحيث أصبحت العشيرة الواحة تتبع لدولة واحدة.

– تأكيد المسائل المتعلقة بترسيم الحدود، حيث نصت معاهدة أرض روم الأولى، على أن الجبال والمرتفعات وما وراءها شرقاً، تدخل ضمن حدود الدولة الفارسية، من أقصى الشمال حتى بحيرة وان، و حتى أقصى الجنوب في درنة، وليست هناك سهول تتبع الدولة الفارسية مطلقاً.

– عدم تدخل الدولة الفارسية في ولاية البصرة، وولاية بغداد التابعتين للدولة العثمانية.

 

ج: على صعيد الوضع القانوني للأحواز

صحيح أنّ معاهدة أرض روم الأولى ١٨٢٣ تركت الآثار الواضحة على العلاقات بين الدولة العثمانية والدولة القاجارية، فأوقفت الزحف الفارسي، إلا أنّ المعاهدة تعتبر أساساً قانونياً راسخاً للاعتراف بالدولة الأحوازية، إذ تشكل المعاهدة أحد الثوابت المتأصلة في تأكيد مبدأ الترسيخ القانوني لحق الملكية في القانون الدولي العام، خصوصاً وأن المعاهدة تم بموجبها تعيين الحدود بين الدولة الصفوية والعثمانية، كما وُضعت الدولة الكعبية كطرف في المعاهدة، وفي مصاف سيادات القوى الدولية خلال تلك المرحلة (بريطانيا، الدولة العثمانية، الدولة الكعبية، الدولة القاجارية). الأمر الذي يشكل وثيقة تاريخية لسيادة الدولة الأحوازية في حدودها التاريخية. كما كان لها الأثر الأكبر في تأكيد سيادة الدولة الأحوازية، من خلال الاعتراف البريطاني بهذه السيادة، والدفاع عنها. فعندما أعطت المعاهدة الدولة القاجارية مدينة المحمرة وميناءها، وجزيرة خضر، والمرسى، والأراضي الواقعة على الضفة الشرقية من شط العرب، تدخلت بريطانيا  في المحمرة و الأحواز، وعقدت اتفاقاتها مع الدولة الكعبية، معربةً عن ضمان استقلالها. وهو ما دفع الدولة القاجارية للاعتراف أيضاً بالسيادة الأحوازية، حين اتفقت مع الدولة الكعبية على أمور أهمها عدم التدخل في شؤونها، وأن يكون لها كيانها المستقل.

لقد شكلت معاهدة أرض روم الأولى، امتداداً لاتفاقية وستفاليا ١٦٤٨ التي رسمت حدود الدول الأوروبية بعد حرب الثلاثين عاماً الدينية. وبالتالي لم يتم السلام واعتراف كل طرف بالآخر، إلا بعد توقيع معاهدة أرض روم الأولى، ومن بينها الاعتراف بسيادة وحدود الدولة الأحوازية، حيث أكدت الاتفاقية على الاعتراف بالحدود بدون أي تغيرات إقليمية، وهو ما ينسحب على الحالة الأحوازية.

 

خاتمة

المتتبع لطبيعة الصراع الدائر بين الدولتين العثمانية و القاجارية أبان تلك المرحلة، يلاحظ أنه صراع ذو طابع مذهبي، فبالرغم من الدوافع الاقتصادية والسياسية لتلك الحروب، إلا أنّ الدافع الأهم هو الصراع المذهبي، الذي كان يسخره كلا الطرفين باستعمال المشاعر الدينية، ومحاولة أن يسود مذهب كل منهما على الآخر. الأمر الذي يجعل ما تمخضت عنه اتفاقية أرض روم الأولى، متعارضاً مع الأساس القانوني لقيام الدولة المعاصرة، التي ولدت بعد ” معاهدة وستفاليا ١٦٤٨”، والتي جاءت لتنهي فكرة التوسع الديني والحروب المذهبية لصالح مفهوم الدولة الوطنية المعاصرة، التي تقوم على إرادة العيش المشترك، والتاريخ المشترك، والثقافة المشتركة، التي أصبحت من أهم مقومات الاعتراف بالسيادة الوطنية للدول.

صحيحٌ أنّ اتفاقية أرض روم الأولى، رسخت بشكل مبدئي اعترافها الراسخ بالسيادة الأحوازية، إلا أنها وضعت الدولة الأحوازية أيضاً في أتون صراع بين القوى الدولية المتصارعة، خصوصاً بعد أن أثبتت الدولة الكعبية قوتها ومنعتها في مواجهة أعظم قوتين في الإقليم ( الدولة العثمانية والدولة الفارسية)، اللتين اشتغلتا مع بريطانيا على تجاوز العناصر المكونة تاريخياً للسيادة الأحوازية، بل وأدخلتها في أتون التجاذبات والحسابات المستقبلية، التي انتهت في نهاية المطاف إلى تحويل السيادة الأحوازية إلى ورقة ضغط بريطانية، أدت في نهاية المطاف إلى انقلاب بريطانيا على الأسس التاريخية التي اعترفت بها بنفسها، خلال معاهدة أرض روم الأولى، لتتخلى عنها في إطار المصلحة ذاتها سنة ١٩٢٥، ومن خلال متغيرات دولية بدأت ملامحها مع معاهدة أرض روم الثانية ١٨٤٧( كما سنرى لاحقاً).

 

 

 

الهوامش

  1. للاستفاضة انظر: رنا عبد الجبار حسين الزهيري، ” حملة والي بغداد علي رضا على المحمرة، إيالة بغداد في عهد الوالي علي رضا اللاظ 1831- 1842″، رسالة ماجستير، كلية الآداب، جامعة بغداد، 2005، ص 71- 72.

2.https://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84%D8%A9_%D8%A7%D9%84%D9%83%D8%B9%D8%A8%D9%8A%D8%A9

  1. للاستفاضة انظر: المس جيرترود بيل،” فصول من تاريخ العراق القريب”، ترجمة” جعفر الخياط”، طباعة وزارة التربية والتعليم، العراق، 1971، ص 20.
  2. https://www.globalpolicy.org/nations-a-states/what-is-a-state.html
  3. Beatrice Heuser:”Sovereignty, self-determination and security: new world orders in the 20th century”, in Sohail Hashmi (ed.): State Sovereignty: Change and Persistence in International Relations (Philadelphia: Pennsylvania University Press, 1997, pp 22- 36.
  4. https://www.marefa.org/%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%AD%D9%88%D8%A7%D8%B2
  5. حسين فوزي، حديث السندباد القديم، دار الكتاب المصري، ودار الكتاب اللبناني، ص 20 وما بعدها.
  6. د. محمد طلعت الغنيمي: الأحكام العامة لقانون الأمم المتحدة، دراسة في كل من الفكر المعاصر والفكر الإسلامي، منشأة المعارف الإسكندرية 1971م، ص 29- 30.
  7. سعد شاكر شبلي، ” الأشكال القانونية لحق تقرير مصير إقليم الأحواز”، دار زهران للنشر، عمان، 2014، ص65.
  8. المس جيرترود بيل،” فصول من تاريخ العراق القريب”، مرجع السابق.
  9. محمد علاء الدين منصور، ” تاريخ إيران بعد الإسلام من بداية الدولة الطاهرية حتى نهاية الدول القاجارية”، دار الثقافة للنشر والتوزيع، القاهرة، 1989، ص675.
  10. مشتاق عبد مناف الحلو، الصفوية التاريخ والصراع والرواسب، مركز المسبار للدراسات والبحوث، دبي، الإمارات العربية المتحدة, ط3 ص 15.
  11. بديع جمعة، أحمد الخولي، ” تاريخ الصفويين وحضارتهم”، دار الرائد العربي، القاهرة,197، ص3.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى