الدراسات

النضال المستمر من أجل استقلال الأحواز وتحديات الحراك

مقدمة

“الأحوازيون” أو “الأحواز” هم السكان الأصليون في إقليم الأحواز. هذا الإقليم يقع في جنوب وجنوب غربي جغرافيا إيران السياسية، مقسمًا حاليا بين المحافظات خوزستان وبوشهر وهرمزغان وأجزاء من محافظة ايلام ، وعلى الرغم من أن المنطقة تضم أكثر من ٨٥٪ من احتياطيات النفط والغاز الإيرانية، فإن معظم الأحواز يعيشون في فقر مدقع، ويعانون من التمييز المنهجي بسبب عِرقهم. حيث الأغلبية محرومة من معظم الحقوق الأساسية ولا تحصل على الخدمات الأساسية كالرعاية الصحية والتعليم والتوظيف.

يخوض المواطن في الأحواز الصراع مع النظام الإيراني منذ العهدين البهلوي ولعقود من الزمن بشأن رغبتهم في إعادة السيادة وإقامة دولة مستقلة تتمتع بالحكم الذاتي وذات سلطات داخل حدود إيران (إلينغ، ٢٠٠٨) ورغبتهم في تحكم أكبر في الموارد الطبيعية على أراضيهم والعائدات من هذه الموارد.

ومثل الشعوب والأقليات العِرقية الأخرى في إيران، كالأكراد والأذريين الأتراك والبلوش، انخرط الأحواز في احتجاجات سلمية وأحيانًا نضال مسلح ضد الحكومة الإيرانية لاستعادة حقوقهم ورغبتهم في الحكم الذاتي.

على الرغم من مرور سنوات عديدة على هذه الجهود، فإنه لم يتحقق تقدم يذكر في مسيرة الاستقلال أو حتى في مسيرة استعادة حقوقهم الأساسية التي تتوافر للإنسان الطبيعي.

ويمكن أن يُعزى ذلك إلى عدة عوامل، يأتي في مقدمتها: الاختلاف الداخلي بين الأحوازيين، وعناد الحكومة الإيرانية والجغرافيا السياسية الإقليمية والعالمية.

تتبع حركات تحرير الأحواز من عام ١٩٢٥ إلى وقتنا الحالي، مسيرة الصراع بهدف تحرير الأرض من الاحتلال، وتوجد أسباب محددة وراء السعي الأحوازي للاستقلال، ورغم أن هناك الكثير من العقبات التي قوضت حركة التحرير فإن هناك الكثير من الحلول التي يمكن أن يستخدمها النشطاء في الأحواز لتحقيق تقدم ملموس في النضال من أجل الاستقلال.

 

أصول وتاريخ نضال الأحوازيين من أجل الاستقلال

 

كانت إمارات العربية في الأحواز تحكم مستقلة قبل فترة طويلة من ظهور حكم سلالة بهلوي في إيران الذي بدأ في عام ١٩٢٠، وتظهر أدلة وفيرة أن هذه الامارات كانت لقرون كيانًا مستقلاً، وتتمتع بالاستقلال وتارة بالحكم الذاتي متميزًا ثقافيًا وسياسيًا عن جيرانه الفرس شرقًا والعثمانيين الذين استولوا على العالم العربي غربا.

مع صعود سلالة بهلوي إلى السلطة في إيران في عام ١٩٢٠، بدأت تزداد حدة التوترات بين الحكومة الفارسية والدول والامارات المحيطة كالأحواز والشعوب ذات الحكم الذاتي مثل كردستان وأذربيجان، فسعت الحكومة الإيرانية إلى القضاء على دور حاكم الأحواز الأخير الشيخ خزعل بن جابر، وإخضاع الأحوازيين عن طريق ضم الأراضي، وأدت جهود شاه بهلوي إلى انتفاضات ضد التدخلات الإيرانية الاستعمارية في الأحواز، والتي ينظر إليها على نطاق واسع على أنها ولادة حركة الاستقلال الأحوازية الحديثة، فحدث أول تمرد رئيسي في نوفمبر/ تشرين ثان ١٩٢٤ عندما قتلت القوات الإيرانية مئات المواطنين الأحوازيين.

وحدثت الموجة الثانية من الانتفاضات بين عشرينيات وأربعينيات القرن العشرين، خلال هذه الفترة، كانت هناك عدة أعمال مسلحة واندلع قتال بين قوات المقاومة الأحوازية والجيش الفارسي.

بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، أسَّس الأحوازيون حزبًا سياسيًا، استخدموه فيما بعد كنقطة تجمع للمطالبة باستقلال كامل عن الحكومة المركزية ذات الأغلبية الفارسية، أدت الانتفاضات إلى العديد من المذابح التي ارتكبتها الحكومة (كما وثقتها منظمة العفو في أستراليا عام ٢٠١٤). وشهدت هذه الفترة أيضًا تشكيل عدة منظمات سياسية أخرى ذات أهداف مماثلة، بما في ذلك جبهة تحرير الأحواز، والجبهة الوطنية لتحرير عربستان، وجبهة تحرير عربستان (١٩٥٦) التي تشكلت في عام ١٩٦٠.

في أعقاب الثورة الإيرانية عام ١٩٧٩، شهدت الأحواز انتفاضة كبرى أخرى، حيث قام الأحواز المدعومون برياح التغيير الثورية باحتجاجات ضخمة، وانطلقوا مطالبين بحقوقهم وحكمهم الذاتي، بيد أن وعد التغيير الإيجابي الذي أعلنته الثورة الإيرانية لم يدم طويلاً، حيث سارعت القيادة الجديدة في طهران إلى إرسال قوات لقمع الانتفاضة في الأحواز بوحشية، مما أسفر عن مقتل مئات الأبرياء.

تميزت الفترة بين عامي ٢٠٠٥ و ٢٠١٥ بثلاث حلقات رئيسية من الاضطرابات في الأحواز، وفي ٢٠٠٥ بلغت الاحتجاجات السلمية ذروتها – التي بدأت في ١٥ أبريل/ نيسان وكانت تطالب بإصلاحات وحقوق الإنسان – واجهتها الحكومة الإيرانية بحملة قمع شرسة خلفت ٣٠ قتيلاً على الأقل ومئات المصابين.

 اندلعت الاحتجاجات مرة أخرى في أبريل/ نيسان ٢٠١١، وكان يسمى بـ”يوم الغضب الأحوازي” في أعقاب حركة الربيع العربي الإقليمية، تطورت الاحتجاجات فيما بعد إلى ما يشبه الصراع المسلح بين مقاتلي المقاومة الأحوازيين وقوات النظام الإيراني.  لم يكتفِ النظام الإيراني بسحق الانتفاضة في الأحواز بلا رحمة، ولكنه ورد باعتقالات جماعية للمحتجين وقتل العديد من الأفراد المشتبه في تورطهم في قيادة الاحتجاجات، وأيضا في عام ٢٠١٥ اندلعت المزيد من الاحتجاجات واستقبلها النظام مرة أخرى بقمع وحشي ضد كل المعارضة واعتقل العشرات.

منذ عام ٢٠١٥ وحتى اليوم، اندلعت الاحتجاجات على نطاق واسع في منطقة الأحواز، وصاحبها عصيان مدني في بعض الأحيان، وفي أحيان أخرى كان يتم استهداف قوات الدولة وإنفاذ القانون وقوات الأمن، ويدور قتال بين مواطني الأحواز ومليشيات النظام التي يتم استدعاؤها من سكان الفرس المستوطنين والذين ينظر إليهم الأحوازيون بأنهم متطفلون غير شرعيين قدِموا إلى المنطقة خصيصًا للمساعدة في قمع الشعب الأحوازي، وسرعان ما انتشرت الاحتجاجات التي اندلعت في أبريل/ نيسان ٢٠١٨ إلى أجزاء أخرى في المنطقة، حيث شعر العديد من الأحوازيين بأن نضالهم المستمر منذ عقود من أجل الحرية والاستقلال والذي كلف الكثير من أرواح الأبرياء اقترب أكثر من جني الثمار مما كان عليه في الماضي.

رد الحكومة الإيرانية على الحركة الانفصالية

أفضل طريقة لوصف رد فعل النظام الإيراني على الاحتجاجات السلمية، في الأحواز وأماكن أخرى في إيران، هي “أنه بلا رحمة” (كرونين، ٢٠١٧). الاضطرابات المستمرة في الأحواز التي اندلعت في الأشهر الأخيرة استهدفتها بوحشية الشرطة، التي تتكون من السكان ذوي الغالبية الفارسية، فضلاً عن المليشيات من العرقية الفارسية (الباسيج والحرس الثوري الإيراني)، وتضمن رد الفعل الوحشي للنظام مذابح ضد المحتجين العزل والاعتقالات الجماعية وعمليات الإعدام، حيث قتل عدد كبير من الأحوازيين.

على الرغم من تغيير الأنظمة السياسية الحاكمة منذ عشرينيات القرن الماضي، فإن موقف القيادة في طهران من الأحواز لم يتغير منذ الدعوات الأولى للشعب الأحوازي للمطالبة بالاستقلال والعدالة منذ قرن تقريبًا، وبدلا من إظهار أي حل يُرضي الأطراف، فإن الدولة الإيرانية أكدت سلطتها من خلال زيادة وجود الشرطة والأمن في المنطقة وتنفيذ سلسلة من البرامج التي تهدف إلى مزيد من تقويض الشعب الأحوازي المضطهد سياسيًا واقتصاديًا.

لم تحصر الحكومة الإيرانية هذا الجهد لتقويض الشعب الأحوازي على الساحة الداخلية، بل تعمل أيضًا بلا كلل على إقصائه وتدميره دوليًا.

أدى الجمع بين هذه الاستراتيجيات التي استخدمها القادة في طهران إلى انتهاكات هائلة وقاسية وواسعة النطاق لحقوق الإنسان باعتبارها سياسة موحدة؛ فهناك حالات موثقة لا حصر لها لعمليات التعذيب والاعتقال غير القانوني والقتل خارج نطاق القضاء للأفراد المشتبه في ضلوعهم في أنشطة مؤيدة للاستقلال (لي، ٢٠١٦). وأدى هذا إلى زيادة الخوف والقلق بين الأحوازيين الذين يسعون إلى الاستقلال في الداخل، حيث إن معظمهم خائفون بشدة من الانخراط في النشاط السياسي وغيره من الأنشطة، خوفًا من التعرض للاضطهاد والاعتقال والسجن. ونتيجة لكل هذه العوامل، سحق النظام الإيراني نضال الشعب من أجل الحقوق والحرية لسنوات عديدة، مع عدم قدرة الأجيال المتعاقبة على تكريس الجهود والقوة اللازمة لإحراز أي تقدم (ويس، ٢٠١٧).

وبالنتيجة، يوضح مؤشر ارتفاع عدد الضحايا بين عامي ١٩٢٢ و٢٠١٨ في صفوف الأحوازيين مدى القوة المفرطة التي تستخدمها الحكومة المركزية في قمع الحركة السلمية (هيومن رايتس ووتش، ٢٠١٤).

 

مطالبات الاستقلال: الدوافع والاستراتيجيات

تتنوع الدوافع الفردية لمطالب الأحواز بالحكم الذاتي والاستقلال عن إيران مثل الاستراتيجيات التي استخدموها لتحقيق هذا الهدف، إلا أنه يمكن تصنيفها على نطاق واسع تحت هدفين رئيسيين، الهدف الأول: هو إنهاء ما يعتبره الشعب احتلالاً استعماريًا عدائيًا وغير شرعي لأراضيه من قِبَل الأنظمة الإيرانية المتعاقبة الذي استمر قرابة قرن حتى الآن.

قامت الحكومة الإيرانية على نحو منهجي بتجريد الشعب الأحوازي من أراضيه وممتلكاته منذ أن ضمت اخر الإمارة أحوازية  والتي كانت تتمتع تارة بالاستقلال وتارة بالحكم الذاتي في عشرينيات القرن الماضي.

أثار هذا الظلم التاريخي غضب أجيال من الأحوازيين الذين حُرموا من حقوقهم الأساسية وأية سلطة في اتخاذ القرارات أو السيادة على أراضي أجدادهم، والتي استغلها واستعمرها الإيرانيون من العرقية الفارسية الذين يعاملون الأحوازيين كمواطنين من الدرجة الثانية في أراضيهم، ويبنون مستوطنات “للمهاجرين فقط” بهدف تغيير التركيبة السكانية، حيث يحظر على الأحوازيين العيش فيها، وهذه المستوطنات تتوافر فيها وسائل الراحة التي يُحرم منها الشعب الأحوازي.

في غضون العقد الماضي سارع النظام الإيراني في بناء المستوطنات، وقدم حوافز لتشجيع الإيرانيين الفرس من أجزاء أخرى من البلاد لشراء الأراضي والاستيطان في المناطق التي تنتمي تاريخيًا إلى الأحواز. طرد العديد من العرب من ديارهم ومزارعهم، واستولت سلطات الدولة الإيرانية على أراضيهم وممتلكاتهم دون سابق إنذار أو تعويض وبدون أي أمل في اتخاذ أي إجراء قانوني لاستردادها؛ أولئك الذين يناقشون عمليات الاستيلاء على الأراضي هذه سيتم احتجازهم وربما حبسهم بتهم ملفقة، يتم تحويل من انتُزعت ملكياتهم إلى واضعي يد بلا أراضٍ في بلدهم، إما ينتقلون إلى مناطق أخرى غير عربية في إيران أو يتحولون إلى منفيين في الخارج.

هناك دافِع آخر للأحواز المعارضين لاحتلال إيران وهو الحرمان والمعاناة الاقتصادية التي يتعرض لها الشعب تحت القيادة الإيرانية، الأحوازيون هم من أفقر الشعوب في إيران وحتى في العالم، على الرغم من كون أراضيهم مصدر ٨٥٪ من الثروة النفطية والغازية و٦٥٪ من الزراعة التي تطالب بها الدولة. ويتعرض السكان الأحواز، الذين يتراوح عددهم بين ٨ الى ١٠ ملايين نسمة، للتمييز والتحيز بسبب عرقيتهم العربية ويحرمون من أبسط حقوقهم، مما يترك لهم آفاقًا تعليمية ومهنية منخفضة للغاية، محاصرين في حلقة من الفقر. يعيش معظم الأحواز حاليًا في تجمعات في البلدان الكبرى، حيث يواجهون تمييزًا منهجيًا وإساءات عنصرية من الأغلبية الفارسية العرقية، والتي تعززها العنصرية المعادية للعرب في الإعلام الإيراني الذي تسيطر عليه الدولة (البوابة، ٢٠١٦)، هذه العنصرية والتمييز ضد الأحوازيين دافع رئيسي آخر للنشطاء الذين يسعون إلى الاستقلال أو الحكم الذاتي.

بعد عقود من العقاب بوحشية ردًا على أي احتجاجات تطالب بحقوق الإنسان الأساسية والعدالة والمساواة والاحترام من الحكام الإيرانيين المتعاقبين، ومن التعرض بشكل دوري للاعتقال والسجن والتعذيب والإعدام من أجل الرغبة في المساواة الأساسية والحقوق التي يضمنها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لجميع الشعوب، خلص الأحوازيون إلى أن الاستقلال أو حكم الذاتي مع الاعتراف بحق تقرير المصير هو السبيل الوحيد الذي يمكن أن يعيشوا فيه في النهاية بشكل طبيعي دون خوف من الاضطهاد.

 الهدف الثاني الرئيسي، والمرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأول، في السعي إلى الاستقلال الذاتي هو السعي إلى اعتراف كلٍ من إيران والمجتمع الدولي بشرعية مطالب الأحوازيين بالسيادة والاستقلال في أراضيهم التاريخية.

الأحوازیون الذين يشعرون بالإحباط بسبب ما يرون أنه طبيعة قمعية وغير ديمقراطية وتراجعية لهيكل الدولة الإيرانية يسعون إلى بناء دولة تقدمية ذاتية الحكم تحكمها مؤسسات ديمقراطية وسيادة القانون المطبق بعدالة (إروين، ٢٠٠٦). بالنظر إلى وفرة الموارد الطبيعية وشباب يتطلعون للحرية، تشعر الغالبية العظمى من الأحواز بأن الاستقلال هو السبيل الوحيد للقدرة على استخدام مواردهم بشكل إيجابي لبناء دولة قومية حديثة مزدهرة لكل شعبها وأخيرًا هربًا من الانعزالية القمعية التي ظلوا يرزحون تحتها لعقود من الزمان.

الأحوازيون الذين يتشاركون إحساسًا قويًا بالارتباط مع إخوانهم العرب في المنطقة، ومع الأقليات الأخرى في إيران، يريدون أيضًا أن يقوموا بدور نشط وإيجابي في الجغرافيا السياسية الإقليمية.

يسعى الأحواز أيضًا للوصول إلى وسائل رسمية أخرى للاعتراف بالأحواز داخل الجامعة العربية، وكذلك السعي للحصول على الدعم من الهيئات العالمية مثل الأمم المتحدة.

تنطوي استراتيجيتهم على محورين الأول: داخل إيران من خلال تحرك سياسي شعبي (أروستيغوي، ٢٠١٣)، على الرغم من أن هذا الأمر يحبطه حظر القيادة الإيرانية للأنشطة السياسية التي لم يوافق عليها المرشد الأعلى، والمحور الثاني من خلال كشف منظمات حقوق الإنسان الأحوازية للمجتمع الدولي عمليات القتل والتعذيب التي ترتكبها سلطات الدولة الإيرانية، ولتحقيق ذلك تستخدم تلك المنظمات وسائل الإعلام المحلية والدولية، وكذلك منصات وسائل الإعلام الاجتماعية لزيادة الوعي العالمي بالمعاناة التي تسببها الحكومة الإيرانية بالإضافة الى حركات وأحزاب سياسية في المنفى.

العقبات

هناك العديد من الأسباب التي جعلت نضال الأحواز من أجل الحرية والاستقلال لم يحقق أي نجاح ملحوظ، على الرغم من سنوات طويلة من العمل الدؤوب لأجيال من النشطاء، ويمكن تصنيفها إلى أربع فئات رئيسية وهي: التحديات التنظيمية المحلية، وأفعال الدولة الإيرانية، ووضع الجغرافيا السياسية السائد في الشرق الأوسط وعلى المستوى الدولي. أحبطت كل هذه العوامل جهود الأحواز في تحقيق الاستقلال.

 

المشاكل التنظيمية المحلية

التحدي الأول الذي يواجه المنخرطين في الحركات والاحزاب الأحوازية بكل اصنافها ومشاربها هو ضعف الطاقات والاعضاء، الامية المتفشية، قلة الأعضاء والانقسامات الداخلية داخل الحركة نفسها. وهذه الانشقاقات تتعلق إلى حد كبير بالولاءات القبلية والتي أدت إلى اختلافات كبيرة من أجل قيادة الحركات، فضلاً عن إضعاف الوحدة الإجمالية للحركة.

بينما يتطلب تحقيق الاستقلال والحكم الذاتي أن تتحد جميع الکیانات أو القبائل المختلفة التي تتكون منها الجماهير الأحوازية من أجل تقديم قوة قوية وموحدة يمكنها تحدي الدولة الإيرانية الشرسة والمتعنتة في موقفها من الانفصاليين.

تحدٍ داخلي آخر يواجه حركة الاستقلال، وهو النظرة المنعزلة والضيقة الخاصة ببعض الجماعات والمنظمات السياسية داخل کل حرکة، خصوصًا المنظمات الصغيرة ولديها طابع عشائري وتأخذ طابعًا أكثر اهتمامًا بالشؤون المحلية التي تؤثر على مناطق محددة بدلاً من القضايا الوطنية، وهذا يحد من العمليات التي تقوم بها الحزب أو الحركة الأكبر، مما يجعلها أقل فعالية، حيث يركز عدد قليل فقط من الأعضاء على الهدف الأساسي المتمثل في الحصول على الاستقلال. (شافر، ٢٠٠٢).

أفعال الدولة الإيرانية

بصرف النظر عن العقبات الداخلية المذكورة أعلاه التي تواجه حركة الاستقلال الأحوازية، فإن سياسات وإجراءات القيادة الإيرانية وسلطات الدولة تشكل عقبة أعظم وأكبر بكثير. إن رفض الدولة الإيرانية الاعتراف بشرعية حركة الاستقلال (فوزي، ٢٠١٥) يعني أن المعارضين الأحوازيين يتم اعتقالهم بشكل اعتيادي وسجنهم وتعذيبهم وإعدامهم بشكل دوري بسبب نشاطهم السياسي، بينما يتم سحق الاحتجاجات والانتفاضات بالقوة القاتلة. كل هذا يثبط ويهدد كل المؤيدين للاستقلال عدا الأكثر إخلاصًا وايمانًا بالقضية.

يمكن أيضا رؤية الوحشية المتقطعة للدولة ولامبالاتها تجاه حقوق الإنسان للأحواز في نزع الملكية المنهجي لأجيال من الشعب الأحوازي، الذين جردوا من بيوتهم وأراضيهم ومواردهم الطبيعية، وأيضًا من القوة الاقتصادية أو السياسية لتحدي هذه الأفعال، تاركة إياهم ضعفاء بكل معنى الكلمة. وفي الوقت نفسه، الأحزاب والمنظمات السياسية التي تناصر حقوقهم غير فعالة بسبب عدم كفاية التمويل وتدخل الحكومة الإيرانية.

يعيش أقل من ربع السكان الأحواز فوق خط الفقر، وهذا يعني أن معظمهم مشغولون للغاية في كفاحهم للبقاء على قيد الحياة بدلاً من التركيز على الانخراط في أي نشاط سياسي أو نضال مسلح، خاصة في مواجهة دولة لا ترحم تنشر قوة عسكرية ضخمة لسحق الثورات، كما تتبع الدولة الإيرانية سياسة “فَرِّق تَسُدْ” باستخدام الحوافز المالية وغيرها لتشجيع بعض الأحوازيين على تغيير ولاءاتهم وإدانة حركة الاستقلال من أجل زيادة خفض معنويات الآخرين المشاركين في النضال.

عملت الدولة الإيرانية أيضًا، بلا كلل، لسنوات عديدة لإسكات أو إغلاق جميع الأصوات والمنافذ التي تروج لحرية الأحوازيين محليًا ودوليًا أيضًا. يتم سجن أو نفي النشطاء والإعلاميين والمفكرين الأحواز وغيرهم، بينما يتم بصورة تلقائية إغلاق أي وسيلة إعلام محملة برسائل متعاطفة مع قضية الاستقلال، ويتم حجب المواد والمطبوعات التي يوزعها نشطاء الأحواز، مما يؤدي إلى إسكات أصوات الأحواز على نحو فعال. خنق الأصوات من أجل الاستقلال حدَّ أيضًا من أي دعم دولي للقضية الأحوازية، مع قيام النظام الإيراني بحملات دعاية منتظمة تُشهِّر بالاستقلاليين على أنهم متطرفون وإرهابيون (فوزي، ٢٠١٥). أيضًا تم تقليص مشاركة الأحوازيين في الحياة السياسية والمدنية الإيرانية على نحو خطير، حيث يسعى النظام للسيطرة على حركتهم وأنشطتهم السياسية، في حين يُحرم الأحوازي من العمل والخدمات الاجتماعية والمرافق الحيوية الأخرى في محاولة لزيادة إضعاف معنوياتهم. نتيجة لحملة النظام المنسقة بشكل جيد، يواجه نشطاء الأحواز معركة شاقة في النضال من أجل الحفاظ على الوحدة وتشجيع أي مظاهر تعبير جماهيرية عن دعم الحكم الذاتي بين الناس.

مساهمة الجغرافيا السياسة للشرق الأوسط

لم تحبذ الجغرافيا السياسية في الشرق الأوسط نضال الأحواز من أجل الاستقلال. أولا، بالنظر إلى وضع إيران كقوة إقليمية وأقوى دولة ذات أغلبية شيعية في المنطقة، فإن الدول المجاورة لإيران لا ترغب في التدخل في الشؤون الداخلية لإيران (فوزي، ٢٠١٥). كما أن قيمة الحفاظ على الروابط الدبلوماسية والتجارية مع إيران تثبط دول الشرق الأوسط الأخرى عن الانحياز إلى الأحواز والتسبب في غضب القيادة في طهران. وبوصفها قوة مهيمنة في الشرق الأوسط، فإن إيران أيضًا تسيطر بشكل صارم وتشكل السرد الإعلامي حول ما يتم نقله إلى المنطقة والعالم حول الأحداث في الأحواز، حيث تقدم وسائل الإعلام الحكومية حركة الاستقلال في صورة سلبية تمامًا. ونتيجة لذلك فإن الرأي العام في المنطقة تجاه الحركة الأحوازية من أجل الحكم الذاتي، حتى بين رفاقها العرب، متحيز بشدة لصالح النظام، مما يعيق أي أمل في الدعم أو المساعدة من الحلفاء الإقليميين المحتملين.

ثانيًا، يساهم التنافس المعروف جيدًا بين إيران والمملكة العربية السعودية في إدراك القضية الأحوازية بطريقتين. يتعلق الأمر الأول بوضع الأحواز كمركز للنفط والغاز لإيران، حيث يكمن أكثر من ٨٥٪ من النفط و٩٥٪ من الغاز الذي تطالب به الدولة الإيرانية، وبما أن النفط هو المحرك للاقتصادين الإيراني والسعودي، فإن إيران تحتاج إلى موارد النفط والغاز الخاصة بالأحواز للحفاظ على موقعها كمنافس إقليمي رئيسي للمملكة العربية السعودية؛ والاعتراف باستقلال الأحواز سيحرم الدولة الإيرانية من الوصول إلى هذا المصدر الحيوي للدخل. ثانيًا، هناك إدراك واسع الانتشار بين الطبقة السياسية الإيرانية تروج له وسائل الإعلام الرسمية بأن الأحواز، كرفقائهم العرب، متعاطفون مع المملكة العربية السعودية، في حين أن الحكومة السعودية لم تعلن صراحة أو عرضت دعما مباشرة لاستقلال الأحواز، إلا أن حقيقة أن كليهما مرتبطان ارتباطًا تاريخيًا يعني أن الدولة الإيرانية تخلط أي انتصار للأحواز كنصر لمنافستها الإقليمية اللدودة المملكة العربية السعودية.

بالنسبة للقيادة الإيرانية والقوى الإقليمية الأخرى، فإن التنازل عن السيطرة على أي جزء من الأراضي الإيرانية، مهما كان أصل الحصول عليه، سيعتبر علامة على الضعف.

في هذه الأثناء، لا تعترف بمحنة الشعب الأحوازي الدول الأعضاء في جامعة الدول العربية، وهي الهيئة الرئيسية العابرة لحدود الدول في المنطقة والتي تمثل مصالح الدول العربية، مما يعني أن معظم الفظائع التي يرتكبها النظام الإيراني ضد الشعب الأحوازي تقع من دون مقاومة (فالبيورن و بانك، ٢٠١٠). هذا النقص في الدعم من الدول ذات الأغلبية العربية الأخرى في الشرق الأوسط بسبب الخوف من عمليات الانتقام الإيراني قوض الجهود الرامية إلى زيادة الوعي والدعم الإقليمي للقضية الأحوازية، ما منعها من إحراز أي تقدم ملموس.

مساهمة الجغرافيا السياسية العالمية

في نهاية المطاف، تعتمد قدرة الأحواز على تحقيق الاستقلال أوالحكم الذاتي كليًا على دعم المجتمع الدولي الذي يعترف حاليًا بالأحواز كأرض إيرانية فحسب، كما يعمل القانون الدولي ضد الحركة المؤيدة للاستقلال لأنه يحظر على الدول التدخل في القضايا الداخلية للدول الأخرى. تحرص معظم البلدان إقليميًا ودوليًا على الحفاظ على العلاقات الدبلوماسية مع إيران، كما هو الحال مع القوى الإقليمية الأخرى، ومن ثم فمن غير المرجح أن تقدم الدعم للأحوازيين للمطالبين بالاستقلال (سميع، ٢٠٠٥).

في حين ينص ميثاق الأمم المتحدة بوضوح على أن الناس لديهم الحق في تقرير المصير والحكم الذاتي، إلا أن الأمم المتحدة ليست لديها ولاية للتدخل في الشؤون الداخلية لإيران أو الدول الأخرى، بيد أنها تتدخل إلى درجة محدودة فيما يتعلق بقضايا انتهاكات حقوق الإنسان، كما أخفقت الحركة المؤيدة للاستقلال في الحصول على الدعم من القوى العالمية الكبرى مثل الولايات المتحدة الأمريكية ونظيراتها الأوروبية، التي لها مصالح أمنية وتجارية كبيرة في الشرق الأوسط. من وجهة نظر تلك الحكومات، الاضطراب في الشرق الأوسط الناتج عن الحروب في العراق وسوريا وأفغانستان يعطل استخراج النفط والتجارة، وهي الركائز الأساسية للاقتصاد الإقليمي، مع أي صراعات أخرى تؤثر سلبًا على مصالحها في المنطقة، وهو ما تفضل تجنبه (فالبيورن وبانك، ٢٠١٠).

مقترحات لحلول فعالة لمساعدة الأحواز على تحقيق الاستقلال

الاقتراح الأول لاستراتيجية أكثر فعالية في الكفاح من أجل الاستقلال هو ألا يستخدم الأحواز سوى الوسائل الرسمية سعيًا لإجراءات قانونية في حالات انتهاكات حقوق الإنسان. ينبغي الابتعاد عن الاعمال العنيفة التي ثبت عدم فعاليتها. من جهة أخرى، في الداخل لابد من الابتعاد عن “الحراك” الذي يؤدي إلى المواجهة المسلحة، حيث إن الإصطدام والمواجهات التي اندلعت في أعقاب بعض الحراك، والتي قتلت فيها قوات من الدولة، ساعدت بنشاط في تعزيز جهود النظام لتصوير حركة الحرية سلبًا وتقويض قاعدتها للدعم محليًا ودوليًا. أي تغيير في الاستراتيجية يعني أيضًا استكشاف إمكانية التفاوض مع المعارضة أو الحكومة الإيرانية ( رغم ابتعاد هذه الفرضية) حول مسألة المزيد من الحكم الذاتي، وكما أظهرت نتائج أعمال المواجهة والعنف، فإن رد الحكومة الإيرانية على مؤيدي الاستقلال يزداد وحشية من خلال المذابح وعمليات التوقيف والاعتقال والتعذيب (أنصاري، ٢٠٠٥). لتجنب خيبة الأمل، ينبغي على الناشطين تغيير استراتيجيتهم، ومتابعة أساليب مدنية لمساعدة الأحوازيين على زيادة قوتهم الاقتصادية والسياسية تدريجيًا لتوجيهها، حيث يمكنهم الحصول على القدرة على النجاح في تحدي الحكومة الإيرانية بشكل قانوني.

يحتاج الأحوازيون أيضًا إلى إقامة تحالفات أقوى مع شعوب شرق أوسطية أخرى تسعى إلى الحرية والاستقلال، مثل الأكراد والاتراك. حققت هاتان المجموعتان بعض التقدم الملموس، حيث قامت أولهما مؤخرًا بإجراء استفتاء للاستقلال. بناء الدعم من أجل استفتاء سيكون مقاربة قوية وإيجابية للنضال من أجل الاستقلال، مما يساعد على إضفاء الشرعية على مطالبة الأحوازيين بالحكم الذاتي أولا وتغيير صورة الأحوازيين محليًا وإقليميًا ودوليًا.

إن مثل هذا الدعم الإيجابي للصورة من شأنه أن يزيد الوعي بالقضية الأحوازية ويحسن مكانة الأحوازيين في مجال الجغرافيا السياسية في الشرق الأوسط وفي الساحة العالمية.

خلاصة:

خاض الأحواز نضالا طويلا وداميًا من أجل الاستقلال عن إيران، وهذا النضال مدفوع بالرغبة في التحرر من الحكم القمعي لدولة تهيمن عليها أغلبية فارسية معادية تنظر إلى الشعب الأحوازي كمواطنين من الدرجة الثانية في أحسن الأحوال. واجه الأحواز وما زالوا يواجهون أثناء سعيهم إلى الاستقلال والحكم الذاتي عددا من العقبات، بعضها يتعلق بمهاراتهم التنظيمية غير الكافية، بالإضافة إلى القضايا المتعلقة بالجغرافية السياسة الإقليمية والدولية (فالبيورن و بانك، ٢٠١٠). أدت هذه العقبات إلى العديد من حالات الجمود والتي أدت إلى فقدان أرواح كثير من الأبرياء. يحتاج الشعب الأحوازي إلى تغيير استراتيجيته من أجل النجاح في النضال من أجل الحرية. وكما أظهرت صراعات مماثلة من أجل الحرية والعدالة في أماكن أخرى من العالم، فإن الأساليب السلمية مثل المفاوضات والعلاجات القانونية يمكن أن تكون أكثر نجاحًا وأقل فتكًا بكثير من السعي إلى الكفاح المسلح. في حالة الأحوازيين، فإن الدعوة لإجراء استفتاء تقدم الخطوة الأولى الواعدة على طريق الاستقلال في نهاية المطاف.

احمد حكيم أكاديمي أحوازي

 

المراجع

Ahwazi Center for Human Rights (2017), ‘Ahwazi activist killed by Basij militia in Ma’shour city’,

         12 April 2017.

Amnesty International’s 1997and 1998 reports, available at

         http://www.amnesty.org/ailib/aireport/ar98/mde13.htm and          http://www.amnesty.org/ailib/aireport/ar97/MDE13.htm

Arostegui M. 2013, ‘Twilight Warriors: Inside the World’s Special Forces’, p. 78.

Amnesty International Syria (2006) ‘Fear of forcible return’, Archived from the original on 2006-

         12-02

Amnesty Australia. 2014, ‘Iran: Four members of Ahwazi Arab minority executed after unfair

         Trial’

Al Bawaba. 2016 ‘Ahwazi Arab resistance blow up Iranian pipeline’

Ansari        M. 2005, ‘Pakistan Joins U.S. in Attacking Iran over Support for Terror’, Sunday

          Telegraph (London), January 23, 2005

Cronin S. 2017, ‘Tribal Politics in Iran: Rural Conflict and the New State’, 1921–1941. pp52-5.

Dehghan K. 2014, ‘Iran Arab prisoners at risk of execution, Amnesty warns’. The

         Guardian.

Elling R C. 2008, ‘State of Mind, State of Order: Reactions to Ethnic Unrest in the Islamic

         Republic of Iran’. Wiley publishing. Studies in Ethnicity and Nationalism Volume      8, Issue 3, pages 481–501

Erwin J. 2006, ‘The last hostage’. London: Guardian (UK).

Fozi, N. (2015). ‘Governmentality and Crises of Representation, Knowledge, and Power in the

         Islamic Republic of Iran’. Asian Politics & Policy, 7(1), pp.57-78.

Ganji G. 2005, ‘Civil-Military Relations, State Strategies & Presidential Elections in

         Iran’. Conflict Studies Research Center, Middle East Series, June 2005: p.12.

Human Rights Watch. 2014, ‘Iran: Arrest Sweeps Target Arab Minority’

Lea S. 2016. ‘Mideast Analyst: Iran in Throes of Domestic Battle as Ethnic Groups Carry Out

         Attacks Against Regime Targets’, Jewish & Israel News. Algemeiner.com

Shaffer B. 2002, ‘Borders and Brethren: Iran and the Challenge of Azerbaijani Identity’ (MIT

         Press).

Samii B. 2005, ‘Iran: Bombings in Southwest Blamed on Usual Suspect’, RFE/RL

U.S. Department of State. 2009, Iran Report on Human Rights Practices for 2009;

         www.state.gov/www/global/human_rights/1996_hrp_report/iran.html

Valbjørn, M. and Bank, A. (2010). ‘Examining the ‘Post’ in Post-Democratization: The Future of

         Middle Eastern Political Rule through Lenses of the Past’. Middle East Critique, 19(3),       pp.183-200.

Weiss C. 2017, ‘Iran-based jihadist group claims attack on oil pipeline’, Foundation for the        Defense of Democracies

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق