الدراسات

التمييز والترهيب في سجون الأحواز منذ تسعة عقود: السجينات الأحوازيات نموذجا

وضع السجون في الأحواز: السجينات الأحوازيات نموذجا

المقدمة

 

قبل الدخول في صلب الموضوع، ينبغي شرح موضوع السجون شرحًا تاريخيًا، لكي يطلع المتابع القارئ على سيرورة السجون في الأحواز منذ تسعة عقود، أي بعد ضمَّ الأحواز بالقوة إلى بلاد فارس والتي سُميّت “إيران” بعد ذلك. فمنذ تلك الحقبة، قام الأحوازيون بعدة ثورات وانتفاضات ومظاهرات وحركات شعبية، وأكثر تلك التحركات كانت تواجَه بالقمع الدموي، بل حتى القرى والنساء وكبار السن والأطفال الأحوازيين لم يسلموا من هذه الأعمال الوحشية. وبعد أن دخل كفاح الشعب الأحوازي المرحلة السياسية – الثقافية غيّر النظام أسلوبه من الهجوم على معاقل الثوار إلى منهج آخر وهو الاعتقالات والتصفيات للمناضلين والنشطاء. وحصلت مثل هذا منذ عام ١٩٥٦م حين تم تأسيس الاستخبارات الإيرانية السيئة السمعة والتي هي كانت معروفة باسم “السافاك” في عهد البهلوية ومن ثم تلتها “الاطلاعات” في النظام الحالي.

السافاك الإيراني وإدارة اطلاعات الإيرانية وقمع الأحــوازيين

 

السافاك الإيراني منذ تأسيسه عام ١٩٥٦م، لم يترك فرصة في قمع المثقفين والمناضلين في الأحواز، وكان مجرد سماع اسم “السافاك” بين الناس، يثير الرعب بينهم. وعلى سبيل المثال من ضمن ضحايا السافاك هو الأستاذ والشاعر الأحوازي؛ ضياء الدين الخاقاني الذي تعرض للسجن والتعذيب لأجل قصيدة عربية ألقاها في جمع من المثقفين في مدينة المحمرة الأحوازية، وكان يضعه رجال المخابرات في الثلج لفترات طويلة حتى حصلت إعاقة لرجله اليسرى، وتلف في الرئتين مما سبب له أذى مدى حياته.

الجدير بالذكر، أن تعامل السافاك في الأحواز يختلف تماما عن تعامله مع الفرس والقوميات التي قريبة للفرس ثقافيًا ولغويًا. ومن العوامل التي أدت الى ذلك هي الأهمية الاستراتيجة والاقتصادية جعلت الأحواز محل اهتمام الحكومات في طهران، وبهذا السبب يواجهون أي بادرة ثقافية أو سياسية في الأحواز بحزم.

وأما “الاطلاعات جمهوري إسلامي ايران” أو ما تسمى وزارة الاستخبارات والأمن القومي هي الشرطة السرية وجهاز المخابرات الرئيسي في إيران وهي وريثة إدارة استخبارات السافاك في عهد البهلوية. ولديها سجل حافل بالاغتيالات والتعذيب طوال العقود الأربعة الماضية ومن أبرزها عمليات القتل المتسلسلة الشهيرة أو ما يسمى بسلسلة اغتيالات في إيران التي طال العديد من الكتاب والمثقفين المعارضين، بما في ذلك اغتيال المعارضين السياسيين الإيرانيين داخل وخارج البلاد ولها دور مهم وكبير وفعال في زرع الخلايا التجسسية في شتى أنحاء العالم بما فيها دول الخليج العربي. تسلم رئاستها في حكومة روحاني محمود علوي وهو الوزير الحالي والذي عينه رئيس الجمهورية الإيرانية في رئاسته منذ عام ٢٠١٣ وحتى يومنا هذا. وأما محمد ري شهري يعتبر الوزير الأول لوزارة الاستخبارات بعد انتصار الثورة وذلك في عهد رئاسة جمهورية علي خامنئي. ثم تولى الوزارة علي فلاحيان، في زمن رئاسة أكبر هاشمي رفسنجاني. وبعد ذلك تولى كل من قربان علي دري نجف آبادي ومن ثم علي يونسي منصب وزير الاستخبارات في عهد رئاسة محمد خاتمي وعند تولي محمود احمدي نجاد الرئاسة نصب غلام حسين محسني ايجائي وبعده حيدر مصلحي على هذه الوزارة المخيفة.

لا يمكن الحديث عن السجون والسجناء في الأحواز دون الحديث عن “السافاك” السيئة السمعة، في عهد النظام الملكي و”الاطلاعات” المخيفة في عهد نظام الجمهوري الإسلامي حيث كل الأمور ترجع إلى هذه الوزارة.

السـجـــون في الأحـــــواز

 

السجون في الأحواز بصورة عامة ترمز للتعذيب والمآسي، وليس مكانًا لإعادة التأهيل، حتى بالنسبة لسجناء الإجرام والملفات القضائية وغيرهم من السجناء، أما السجناء الثقافيين والسياسيين المطالبين بحقوق الشعب الأحوازي؛ فهم يتعرضون لأسوأ تعامل ممكن أن يحدث داخل السجون والمعتقلات، كما أن طرق التعذيب الإيرانية معروفة في العالم، سواء في عهد النظام الملكي المناصر للعنصر الآري أو النظام الطائفي_العنصري الحالي.

إدارة السجون في الأحواز لم تكن يوما ما بيد مواطنين من الأحواز بل جلهم من الفرس وأيضا من المناصرين للقومية الفارسية. وهؤلاء يعاملون الإنسان دون أي رحمة. السجون في الأحواز بعد سنة 1925م تختلف عن السجون قبل هذا التاريخ. بعد تلك السنة تأسست السجون لمعاقبة الإنسان الأحوازي وتحطيمه نفسيًا وجسديًا، وسحق كرامته الإنسانية المجروحة في الأساس خارج السجون.

أنواع السجون في الأحواز

ينبغي معرفة أن السجون في الأحواز لها خصوصيتها بسبب الظروف التي يعيشها الشعب الأحوازي، لأن القمع النفسي والثقافي والسياسي يتم تنفيذ بطرق ممنهجة، والإنسان الأحوازي ليس أمامه خيارات مناسبة لكي يعبر عن هواجسه وتطلعاته بل بسبب شبكات الاستخبارات الواسعة يتم إلقاء القبض على المجموعة أو شخص الذي يبادر بعمل ثقافي أو سياسي ضمن إطار مستقل عن العمل الذي ترتضيه الاستخبارات؛ سواء كانت “السافاك” في السابق أو استخبارت حكومة جمهورية الإسلامية والحرس الثوري الحالي.

هنالك نوعان من السجون في الأحواز؛ السجون السرية والسجون الظاهرة. فالسجون السرية هي ترمز للجحيم بعينه. وهي مختصة بالسجناء السياسيين الأحوازيين وكذلك النشطاء الثقافيين والمدنيين والإعلاميين ومناصري القضية الاحوازية. وأما الإعلام الفارسي سواء كان ينتمي إلى المعارضة في المنفى أو من في الداخل لا يهتم بكشف هذه السجون السرية أو الحديث عنها. وهذا يجعل الإنسان الأحوازي أنْ يتأكد أنَّ المعارضين للنظام يتفقون مع النظام حول قمع الحركات الأحوازية؛ سواء كانت سياسية أو ثقافية أو نضالية. فالمهم يجتمعون تماما ويتفقون حول قمع هذا الشعب المضطهد.

أما السجون الظاهرة فهي مختلطة، ينزلها جميع الذين تصدر المحكمة بحقهم عقوية قضائية، لكن في هذه السجون أيضا فيها سجناء ثقافيين وسياسيين والاعلاميين. ويطلق على القسم الذي يوجد فيها السجناء السياسيين والثقافيين والمدنيين والاعلاميين بقسم “الأمني”.

وأما السجون الظاهرة، مكتظة بالسجناء وخاصة أن درجات الحرارة في صيف الأحواز مرتفعة جدا، فمعدل الحرارة في الصيف ترتفع الى ٤٨ درجة مئوية وأكثر، بينما تفتقد هذه السجون أقل الإمكانات المطلوبة. وقياسًا مع باقي السجون في جغرافية إيران؛ فسجون الأحواز تعد جحيمًا بالمعنى الكلمة للجحيم.

أ: الســجــون السـريــة

السجون السرية هي تختص بالسجناء السياسيين والثقافيين والاعلاميين والمخالفين للنظام السياسي الحاكم، وينبغي أن يعرف المتابع لشأن السجناء، أن السجناء السياسيين يختلف التعامل معهم حسب قومياتهم، وكذلك حسب نوع مطالبهم، فأسوأ معاملة تنتظر المعتقل الأحوازي الذي يطالب بحق الشعب الأحوازي، فالمحققون لا يتركون أي طريقة تعذيب إلا ويجربوها لكسر عزيمة وكرامة هولاء السجناء.

السجون السرية لا يمكن عدها أو إعطاء معلومة وافية تجاهها، لأن بسبب بوليسية الأنظمة الإيرانية وغياب حرية الصحافة والقضاء، تبقى هذه السجون سرية، بالرغم من كشف بعضها بواسطة السجناء ذاتهم، على سبيل المثال أن كثير من المعتقلين إفاداتهم كانت تشير إلى سجن سري قرب المطار الدولي في الأحواز العاصمة، وكذلك سجون سرية أخرى.

ب: السـجــون الـظـاهــرة

السجون الظاهرة؛ فكثيرة جدا في الأحواز، ولا تخلو مدينة من مدن الأحواز من السجون. النظام لا يخصص سجون للسجناء السياسيين والاعلاميين  بل يرفضون وجود هذا النوع من السجناء في السجون! وعكس ذلك تماما يحاولون أن يشوهوا صورة السجناء السياسيين والثقافيين والاعلاميين، وأن يزيفوا الرأي العام في الأحواز وإيران والعالم، لكي لا يتعاطف معهم الرأي العام.

السجون التي تضم أكبر عدد من السجناء موجودة في مدينة الأخواز العاصمة الأحوازية، ثم باقي المدن الأحوازية. مثل:

سجن كارون: هذا السجن كان ضمن السجون السيئة الصيت في الأحواز، وهو أحد أقدم السجون بعد عام 1925م وقد تم سجن الكثير من السياسيين في هذا السجن، وكان يفتقد لأدنى الشروط المعيشية، سواء في الجانب الصحي أو التغذية أو التعامل وأصبح رمزا للظلم والاضطهاد والحرمان والقتل والاعدام في أوساط الشارع الأحوازي. ومن أبرز من نزل في هذا السجن؛ حاتم بن جعلوش، المعروف باسم حتة. كان قد سجن ” حتة” في هذا السجن في فترة السبعينيات من القرن الماضي. وهو يعتبر اليوم من رموز الكفاح في الأحواز. وقبل أعوام قليلة تم تجميد عمل هذا السجن لأنه يقع وسط المدينة ويذكر الناس بالسجناء وحكايات التعذيب وغيرها.

سجن الهويرة (سبيدار): يقع هذا السجن أيضًا في الأحواز العاصمة ويبتعد كيلومترين عن سجن كارون، ولا يقل سوءًا عن سجن كارون. وبعد أن تم تجميد سجن كارون ازداد عدد السجناء في هذا السجن، بالرغم من أنه منذ البداية لم يكن يستوعب عدد السجناء الذين يقبعون فيه.

سجن شيبان: تم بناء هذا السجن خارج الأحواز العاصمة، في منطقة تقع بين مدينة الأحواز ومدينة ملا ثاني بعيدا عن أنظار المواطنين والمتابعين، وخاصة أسر السجناء. سجن شيبان في الوقت الحالي يضم عددًا كبيرا من السجناء السياسيين والمناضلين والنشطاء الثقافيين والاعلاميين، وغيرهم من السجناء الذين دخلوا السجن بسبب اتهامات سياسية.

التعذيب في سجون الإيرانية

 

يمارس النظام الإيراني في العهدين البهلوي والخميني منهجا واسلوبا واحدا في التعامل مع سجناء الرأي والاعلام والمدنيين لكي يوقف عجلة الحراك الذي يطالب بحقوق الشعب الأحوازي ويدفع بمواجهة النظام الإيراني. 

أ: الــتــعـذيـب الـجـسـدي

الأنظمة الاستبدادية مثل النظام الإيراني توظف التعذيب والترهيب لقمع الناشط والإعلامي والمعارض أو المخالف اذا ما شعرت أنه يشكل خطرًا عليها. وأما التعذيب الجسدي يختلف من دولة إلى أخرى، والسجون الإيرانية معروفة بأساليبها الوحشية والاستخبارات الإيرانية من أسوأ ما يمكن أن يجربه الإنسان في حياته.

التعذيب الجسدي بالنسبة لأي سجين أحوازي بات أمرًا مألوفًا؛ بسبب التعذيب المكثف لفترات طويلة جدًا في معتقلات الاستخبارت، وطرق التعذيب الإيرانية معروفة جدًا والباحثين في شأن التعذيب في العالم يدركون مدى سوء التعذيب الإيراني لنزع الاعتراف من السجين أو لبغية كسر عزيمته.

التعذيب الجسدي يشمل خلع أظافر اليدين والرجلين، وأحيانًا تتكرر العملية مع المعتقل عدة مرات حتى يعترف أو يوقع على ورقة اعتراف معدة سابقًا بواسطة الاستخبارات. وكذلك التعذيب بالكهرباء أو أنواع الأسواط، ومن أسلاك الكهرباء. والضرب في الأغلب يكون على الظهر أو باطن الأرجل. لكن هنالك طرق تعذيب قاتلة جدا، يظل السجين يعاني منها لفترات طويلة، وهي جعل السجين أن يتناول كثير من السوائل ثم بعد ذلك يقومون بتكبيل يديده ورجليه وثم يقومون بلف مطاط على الآلة الذكرية لمنع السجين من التبول، ويبقى على هذه الحالة حتى يعلن أنه جاهز للاعتراف أو لقبول إملاءات الاستخبارات، هذه من أسوأ طرق التعذيب المعروفة في المعتقلات. وأما شد السجين من رجليه إلى السقف؛ فهذا يمر به كل السجناء.

ب: الـتـعـذيـب الـنـفـسي

 

التعذيب النفسي هي مرحلة ما بعد إنهيار الجسد أو بعد فقدان السجين الإحساس بجسده، فالمحقق حتى بعد نزع الاعتراف لا يترك السجين، بل يعمد إلى تحطيم السجين نفسيًا وعصبيًا، وهذه الطرق كانت مستخدمة في كثير من البلدان في العالم، لكن بعض الدول غيرت من أساليب السجون بفعل التغيير الذي طرأ على الأنظمة، لكن في إيران الأمر لم يتغير حتى بعد تغير الأنظمة. بل الجدير بالذكر، ان أسلوب التعذيب من الأمور القليلة التي لم تتغير، وحافظ النظام على وحشية الأساليب وزاد على وحشيتها.

التعذيب النفسي في سجون الأحواز تعتمد تدمير صلابة السجين، ولا تترك أسلوبًا في التعذيب النفسي إلا وتجرّبه على السجين. من ضمن هذه التعذيبات التهديد باعتقال الوالدين، تنفيذ عملية الإعدام أي الشنق بشكل القصيركما حصل للاسير السابق غازي مزهر (حيدري) في سجن المخابرات، وبعض الأحيان يعتمدون على خلق سيناريوهات وهمية للسجين للتشكيك بأفضل أصدقائه أو حتى أفراد أسرته، مثل الزوجة والأخ لتدمير معنويات السجين. وأحيانًا جلب صوت أو شخص يشابه أحد أصدقائه الثقات ويظهرونه كيف يتعامل أو يدلي باعترافات ضد السجين.

قلة النوم من الأساليب التي تساهم في الإنهيار العصبي للسجين، يتناوب عدة جلادين على ضرب السجين، أثناء الليل والنهار مع حرصهم الشديد أن لا يغمض السجين جفنًا ولو للحظات قليلة فيبدأ السجين بالهلوسة وتخيل أمور وهمية، هذه الحالات سترافق السجين لفترات طويلة بعد السجين، وأحيانًا تتحول إلى أمراض نفسية مزمنة. وأيضا دس بعض ادوية الهلوسة في الطعام حيث تؤدي الى فقدان السيطرة على النفس بين السجناء.

ت: الزنزانة الانفرادية

 

من أساليب التعذيب الأشد فتكًا بالسجين هي الزنزانة الانفرادية لفترات طويلة، فالزنزانة الانفرادية تعني الصمت المطلق القاتل، زنزانة مظلمة تمامًا؛ تجعل السجين لا يعرف التوقيت الذي هو فيه ولا الأيام التي تمر عليه، ولا توجد أي حركة يتمكن السجين من خلالها أن يعرف الأيام التي قضاها في الانفرادي ولا حتى التوقيت اليومي. فنومه يصبح متبعثرا بين أوقات متقطعة طوال الوقت الممتد.

بعض السجناء الذين قضوا فترات تزيد عن العام الكامل في الزنزانة الانفرادية لم يتعرفوا على أنفسهم ولم يستطيعوا التحدث أو التعرف على باقي السجناء الذين على صلة بهم إلا بعد مدة طويلة.

الزنزانة الانفرادية قد تكون في بلدان أخرى أقل أذى مما يتكبده السجين الأحوازي، هذا الأمر يتعلق بالثقافة الاجتماعية للسجين، في الثقافة الأحوازية العلاقات الاجتماعية تشكل حيزًا كبيرًا من حياة الفرد الأحوازي، وهذا السمة الثقافية تجعل الزنزانة الانفرادية أكثر أذى بالنسبة لهذا السجين.

وأما من بين هولاء السجناء الأحوازيين هناك شريحة اصبحت ضحية أكثر من غيرها وهي المرأة الأحوازية وغالبا ما يرجع اسباب اعتقالها الى نشاطها أو نشاط عضو من عائلتها أو فرد من أقاربها.

السجينات الأحوازيات

 

تتعرض السجينات الأحوازيات إلى التعذيب كما يتعرضه الرجل الأحوازي، والنظام لا يفرق بين الاثنين كما أن مطالب الاثنين واحدة، بل إن المرأة الأحوازية تتعرض لتعذيب وتحطيم أشد من الرجل، لأن الأنظمة الإيرانية المتعاقبة لم تتساهل مع وجود طبقة نسائية واعية في الأحواز بل نهجت سياسة تخويف المرأة الأحوازية وترهيبها من القيام بأي عمل أو مبادرة في ثقافية أو سياسية أو حتى نسوية في سبيل تثقيف المجتمع الأحوازي.

هنالك تصريحات من سجينات تشاركن في المعتقلات مع أحوازيات بأن السجينة الأحوازية تتعرض لتعذيب مضاعف لسببين؛ الأول أنها أحوازية والثاني إنها امرأة. وهذا تصريح السجينة السريانية الأحوازية من مدينة القنيطرة سبيدة قليان في كتابها الشهير الذي يحمل عنوان ” تيلابيا خون هور العظيم را هورت مي كشد” والتي شرحت فيه تفاصيل حياتها مع السجينات الأحوازيات. وذكرت عندما رافقت السجينات الأحوازيات أمثال صهباء حمادي التي تعرضت إلى تعذيب شديد ووحشي. وكذلك السجينة آمنة حطّاب التي تعرضت لتعذيب مماثل وهنالك العشرات من السجينات اللاتي يتعرضن لأنواع التعذيب؛ الجسدي والنفسي والعقلي. بالاضافة الى ضحايا الأخرى من النساء الأحوازيات أمثال خلود سبهاني، زينب عفراوي، مريم حمادي، فاطمة تونيت زاده، زوديه عفراوي، قيسية عفراوي، مريم زبيدي، الهة درويشي، زهراحسيني صرخي، مكية نيسي، معصومة سعيداوي، سوزان (سوسن) سعيداوي، سكينه صقور وغيرها من الأحوازيات اللواتي يتجرعن العذاب في سجون النظام الإيراني بشكل يومي.

الأمر المؤسف الذي يؤكد أن الشعب الأحوازي يتعرض إلى مظالم مزدوجة؛ من النظام من جهة ومن المجتمع والفارسي ونخبته من جهة أخرى؛ هو أن النسويات الفارسيات لا ينشطن ولا يثير انتباههن اعتقال المرأة الأحوازية. على سبيل المثال عام ٢٠١٨م عندما تعرضت الفتاة الأحوازية مائدة عموري للاعتقال بسبب إلقاء قصيدة وفي الوقت ذاته اعتقل النظام فتاة أخرى في طهران، اسمها مائدة هزبري بسبب قيامها برقص في مواقع التواصل الاجتماعي. عندها ركز الإعلام الفارسي؛ في داخل إيران والخارج وحتى منظمات حقوق الإنسان الإيرانية الاهتمام على مائدة هزبري دون أي اهتمام بالفتاة الأحوازية. وهذا الذي دعا كثير من الأحوازيين أن يخيب ظنهم بالنخبة الفارسية جملة وتفصيلا وحتى الذين يعملون في حقل حقوق الإنسان.

لا يمكن الحديث عن السجينات والمعتقلات في الأحواز دون الحديث عن السجينة المحررة فهيمة بدوي فهي رمز المرأة الأحوازية الحرة والمناضلة التي ضحت بأحلى سنين عمرها في سبيل حرية شعبها وقد حكم الإعدام بحق زوجها وتم تنفيذه أمام مرأي منها. وقبل إعدام زوجها بشهرين أنجبت ابنتهما الوحيدة في الزنزانة الانفرادية. وقد ظلت في السجن ١٢ عامًا وفي المنفى في ظروف قاسية جدًا. الأمر الذي يثير الدهشة والاشئمزاز من النظام الإيراني؛ هو أن هذه السيدة تعرضت لمضائقات وتعذيب لأجل تسمية ابنتها، حيث أرادوا منها أن تغير اسم ابنتها إلى اسم فارسي أو اسم مذهبي يتناسب مع عقيدة النظام الحاكم.

عصيان السجون ٢٠٢٠ ميلادي

 

بعد تفشي وباء كورونا في أنحاء العالم، وأيضًا إهمال السلطات الإيرانية في الإعلان عن تفشي الوباء بين أوساط الناس، وارتفاع عدد المصابين في السجون؛ خيّم الذعر على السجون، خاصة سجون الأحواز التي تفقتد إلى أدنى مستويات الجودة، وكذلك وجود عدد كبير من السجناء في السجون أكثر مما تتسع. قدم السجناء اعتراضات إلى إدارة السجن وكذلك طلبوا رعاية صحية تحد من انتشار وباء كورونا في السجون، لكن إدارة السجن لم تهتم لهذه الاعتراضات والمطالب الإنسانية. فبسبب هذا الإهمال غير الإنساني انتفض السجناء لأجل الحياة، لأجل ألا يموتوا في السجون، أما النظام واجه هذه الانتفاضة السلمية بالسلاح.

عصيان السجون لم تكن في الشوارع لكي النظام يقول أن هؤلاء المنتفضين مدسوسين أو مرتبطين بأجندة عالمية!! أو ينسب لهم استخدام العنف أو السلاح. كانت الانتفاضة في السجن بأيدي خالية. لكن هذه الأيدي كانت ترتفع إلى الهواء والحناجر تطالب بالحرية من الجدران التي تعبت من تعذيب هؤلاء السجناء ومن إراقة دماءهم. لكن الجواب كان السلاح والموت والدم والتعذيب. وبينما العالم رفض ان سمع صوت هؤلاء السجناء الذين انتفضوا لأجل الحياة من بؤرة الموت التي اجتاحت السجن. وكان الثمن باهضًا جدًا، ذهب ضحية هذه المطالبات كثير من السجناء الذين ماتوا برصاص قوات أمن السجون وكذلك رصاص رجال الاستخبارات والحرس الثوري الذين تدخلوا لإخماد الانتفاضة التي وصل صوتها إلى العالم. ومن ضمن ضحايا هذه المجزرة هم محمد تامولي، سيد رضا خرساني ( مغينمي)، محمد سلامات، امين عبيات، شاهين زهيري، علي خفاجي، مجيد زبيدي، ناصر زبيدي، سجاد بيشداد، عليرضا حاجيوند، مجيد قيطاسي، عادل ناصري وعلي زرقاني بالإضافة الى أسماء اخرى لا يتسنى ذكرها جميعا في هذا المقال.

دور المحكمة الإيرانية في الأحواز

 

غالبا ما ترمز المحكمة إلى العدل في كثير من البلدان التي تنعم بقضاء مستقل وعادل، لكن المحكمة في الأحواز لا ترمز إلى العدل فحسب، لا بل إلى الظلم والتمييز العنصري والتنكيل، سواء كان في محاكمات عامة أو سياسية.

المعتقل السياسي تتم محاكمته بالتنسيق مع الاستخبارات ولا ينصب قاضي في محاكم الأحواز إلا ويكون متواطئًا مع الاستخبارات، لأن الملفات الأمنية التي يتم تجهيزها في وزراة الاستخبارات سيصادق عليها القاضي دون أي اعتراض، بل قد يضيف إليها موارد أخرى تزيد من حكم المعتقل الأحوازي، وهذا يحدث كثيرًا، وسبب هذا العمل هو مغازلة القاضي للاستخبارات لكي يبقى في منصبه لفترة أطول، لأن منصب القضاء في الأحواز فيه مكسب مادي كبير، فالإنسان الأحوازي بأي دليل إذا دخل المحكمة سيتم مضاعفة مشكلة مما سيضطر إلى دفع رشوة للقاضي للتخلص من ورطته برغم الفقر المدقع الذي يرزح تحت وطأته عموم الشعب الأحوازي.

تتعامل المحكمة الإيرانية في الأحواز وحتى في الأمور المدينة والاجتماعية مع الإنسان الأحوازي من خلال قاعدة “أنت مجرم حتى تثبت براءتك”. لهذا أغلب المواطنين يلجأون إلى العرف الاجتماعي أي من خلال إسهام كبار القوم لحل مشاكلهم الشخصية والاجتماعية.

كما لا توجد في الأحواز محاكمات مفتوحة، لا أمام الناس ولا أمام الصحافة، إذ لا توجد صحافة مستقلة أصلا وغالبا ما يعمل الصحفي تحت الترهيب السلطوي لكي لا يكتب خلافا لإرادة السلطات. فالمحكمة مغلقة وفي الأغلب لا تتجاوز دقائق قليلة لإصدار حكم إعدام بحق إنسان أو مجموعة. وربما لا يمكن تصديق أنه يوجد قاض هكذا يسحق المواثيق الإنسانية بدم بارد. لكن للأسف الشديد يجري هذا في الأحواز منذ تسعة عقود ونيف.

وتتشكل المحكمة على النحو التالي حيث توضع الاعترافات التي نزعوها من السجين بواسطة التعذيب أمام القاضي، وعندها السجين يعترض أمام القاضي أن هذه الاعترافات كانت بسبب التعذيب وغير حقيقية. لكن القاضي سيحكم بناءً على هذه الاعترافات التي انتزعت من السجين بالسوط!

الخلاصة

طالما أظهر النظام الجمهوري الإسلامي في إيران نفسه في صورة ديمقراطية، لكن حقيقة الامر عكس ذلك حيث أخفى هذا النظام المخيف قبضته الحديدية في مواجهة من يحاول إبداء الرأي والاعتراض على الأوضاع المساوية التي تعيشها البلاد. في هذا البين، كانت حصة الشعب الأحوازي من السجون والاعدامات والتعذيب والترهيب هي الأكبر بين الشعوب في إيران. وتعتبر انتهاكات حقوق الشعب الأحوازي من قبل النظام الايراني خلافا صريحا للقوانين الحقوقية العالمية ومواثيق منظمات حقوق الإنسان العالمية. وأما السبب وراء ذلك، هو غياب دور حقيقي للمؤسسات الأحوازية الحقوقية وثانيا الاهمال المتعمد من قبل نشطاء الحقوقيين الفرس المعارضين. مما جعلت المؤسسات الدولية لا تسمع صوت المُتألم في إيران من غير الفرس إلا قليلا، فغالباً ما يكشف عن انتهاكات النظام في المدن والمحافظات الفارسية فحسب.

 

رحيم حميد صحفي احوازي مستقل، يدافع عن حقوق الإنسان. يمكنك متابعته على حساب تويتر الخاص به: https://twitter.com/samireza42

مصطفى حته، صحفي وكاتب. يمكنك متابعته على حساب تويتر الخاص به:

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق