الدراسات

الشعب الأحوازي في إطار أهداف ومبادئ منظمة الأمم والشعوب غير الممثلة UNPO

دراسة مقارنة بين حق الشعب الأحوازي في تقرير المصير مع حالات أخرى في منظمة الأمم والشعوب غير الممثلة

مقدمة

الشعب الأحوازي يعتبر أهم عضو في منظمة الأمم والشعوب غير الممثلة Unrepresented Nations and Peoples Organization وهي ” منظمة غير حكومية دولية وديمقراطية”، يتألف أعضائها من الشعوب الأصلية، والأقاليم المحتلة، والأقليات، والدول، والأقاليم المستقلة، التي تفتقد الاعتراف الدولي بها. وتضع المنظمة شروطاً لأي عضو يرغب بالانضمام أليها، بحيث يجب أن يوافق على مبادئها الخمسة في ميثاقها، من أجل الاعتراف بهم بأنهم شعوب غير ممثلة أمام المجتمع الدولي، وهذه الشروط هي: المساواة بحق الحصول على تقرير المصير، وتبني معايير حقوق الإنسان المقبول بها دولياً، وتبني مبادئ الديمقراطية، ورفض الاستبداد واللا تسامح الديني، والتشجيع على اللاعنف، ورفض الإرهاب كوسيلة لتحقيق الهدف، وحماية البيئة.

يتكون أعضاء المنظمة من الشعوب الأصلية، والأقليات، والأراضي المحتلة، أو الغير معترف بها. وتدرب المنظمة هذه الجماعات على كيفية الدفاع عن تطلعاتهم على نحو فعال، وهناك بعض الأعضاء السابقين، الذين خرجوا من المنظمة بسبب نيلهم للاستقلال، مثل أرمينيا، تيمور الشرقية، إستونيا، لاتڤيا، جورجيا، وبالاو، حيث حصلت هذه الدول على استقلالها الكامل، وانضمت إلى الأمم المتحدة.

تؤكد منظمة الأمم والشعوب الغير ممثلة على الديمقراطية كحق إنساني أساسي، وعلى تطبيق حقوق الإنسان، الحقوق المدنية والسياسية في أنحاء العالم، واحترام حق الجميع في الحكم الذاتي، وتقرير المصير والمزيد من الفدرالية. كما تشجع المنظمة المنهجيات السلمية للبحث عن حلول سلمية للنزاعات والقمع. وتدعم منظمة الأمم والشعوب الغير ممثلة الأعضاء في الحصول على حقوقهم الإنسانية والثقافية والحفاظ على بيئاتهم. وتوفر المنظمة منتدى للأعضاء للتواصل فيما بينهم ومساعدتهم في المشاركة على المستوى الدولي.

أولاً- منظمة الأمم والشعوب غير الممثلة: الماهية والأهداف

 بالرغم من اختلاف أهداف أعضاء منظمة الأمم والشعوب الغير ممثلة، إلا أن هناك شيئاً واحداً مشتركاً بينهم، هو أنهم غير ممثلون دبلوماسياً، أو أنهم يتمتعون بحالة تمثيل دبلوماسي متدنية- مثل مراقب- في المؤسسات الدولية الكبرى، مثل الأمم المتحدة، ونتيجة لذلك، فإن قدرتهم على معالجة قضاياهم من قبل الكيانات العالمية المكلفة بحماية حقوق الإنسان وتسوية النزاعات، غالباً ما تكون محدودة (١).

تأسست منظمة الأمم والشعوب غير الممثلة في لاهاي – هولندا في ١١ فبراير ١٩٩١، من مجموعة من الشعوب غير الممثلة وعددها نحو ٥٠ عضواً، ويبلغ عدد المنتمين إليها قرابة ١٠٠ مليون نسمة (٢)، متوزعون بين شعوب مازالت غير ممثلة بشكل تام وبدون أي اعتراف، وبين أخرى حصلت على الحكم الذاتي، بينما نجحت مجموعات كانت منضوية في منظمة الأمم والشعوب غير الممثلة في الحصول على استقلالها مؤخراً، وأصبحت دولاً ذات سيادة.

كانت بدايات تأسيس المنظمة في الثمانينيات على يد زعماء حركات تقرير المصير، مثل ” لينارت مال” من مجلس إستونيا، و ” إرككين أليتكين” من تركستان الشرقية، و” لودي كايري” من التبت، وبرفقة ” مايكل فان” ومستشار القانون الدولي للدالاي لاما. وقد كان في طليعة المؤسسون ممثلون للحركات الوطنية في إستونيا، ولاتفيا، والتبت، وتتار القرم، وأرمنيا، وجورجيا، وتترستان، وتركستان لارقيه، وتيمور الشرقية، والشعوب الأصلية الأسترالية، والكورديلرا، والأقلية اليونانية في ألبانيا، وكردستان، وبالاو، وتايوان، وبابوا الغربية (٣).

في العام ١٩٩١، اختارت منظمة الأمم والشعوب غير الممثلة مدينة لاهاي بهولندا كمقر رئيسي لها، في إطار أهداف المدينة، لأن تصبح مدينة دولية للسلام والعدل، بالإضافة لاستضافتها مؤسسات دولية مثل محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية. وعلى هذا الأساس أصبح لمنظمة الأمم والشعوب غير الممثلة مكتب دعوة في بروكسل، وتمثيل في جنيف، وشبكة زملاء ومستشارين مقراتها حول العالم. وجاءت حملات من التمويل، من مساهمات الأعضاء وتبرعات من أفراد ومؤسسات، بغية تحقيق الأهداف الرئيسية لمنظمة الأمم والشعوب غير الممثلة. ولتحقيق هذه الغاية، تقوم المنظمة، بتدريب أعضائها على القانون الدولي، وعمل المنظمات الدولية والدبلوماسية، والعلاقات العامة. وقد استطاعت منظمة الأمم والشعوب غير الممثلة، أن تثبت مصداقيتها، كأول منظمة تصدر معلومات على أرض الواقع من المناطق النائية، وبيانات صحفية تقليدية من جماعات مثل حركة إحياء شعب الاوكوني. كما عملها على طريقة منظمة العفو الدولية، حيث تقوم بإصدار بيانات للرأي العام، لكي تكون مصدر موضوعي للمعلومات.

١- منظمة الأمم والشعوب غير الممثلة، والاختلاف في تضمين ماهية حقوق الجماعات والأمم والشعوب

 تضم منظمة الأمم والشعوب غير الممثلة أعضاء من كل القارات في العالم. ففي الأمريكتين، مابوتشي، نوهالك، سيمشيان. وفي آسيا إقليم الأحواز، والآشوريون، وبلوشستان، وبورما، وتشين، وهضبة تشيتاغونغ، وكورديليرا، وشرق تركستان، وهمونغ، ومنغوليا الداخلية، كردستان إيران، وتركمان العراق، والجزيرة الفراتية، وكارني، كارني، خمير كروم، وديغار، ومون، ومورو، ومونتغنارد، ونغالم، والسند، ومالوكو الجنوبية، وجنوب أذربيجان، والتبت، وتوفا، وبلوشستان الغربية. وفي القارة الأأفريقية، مجموعات الأفريكان، وباتوا، وماساي، وأوغوني، وأورومو، والباستير، وأرض الصومال، وكاميرون الجنوبية، وفيندا، وزنجبار. وفي أوروبا، أبخازيا وتشيركيسيا، وتتر القرم، ويونانيين ألبانيا، ومجريين رومانيا، وإنجوشيا، وكوسوفو، وسنجاق. وفي أوقيانوسيا، مجموعات الأبوريجيون، والكا لوهوي هاواي. وبالنظر إلى الأعضاء المنضوون داخل منظمة الأمم والشعوب غير الممثلة، تصطدم المنظمة – من وجهة نظر القانون الدولي- بالكثير من التناقضات البنيوية، التي تثير الكثير من التساولات، حيث تضم المنظمة مجموعات غير متجانسة في المطالب السياسية، فبالبعض من المجموعات مجرد مجموعات عرقية متواجدة تاريخياً، دون أن يكون لها أي إشكالية في تواجدها داخل الحدود الهندسية، بل وقد تكون متجانسة مع الدول التي تتواجد فيها، ومنها من يتواجد كأقلية تطالب بحقوقها في إطار الدولة ذاتها، ومنها من يتواجد كسكان أصليين، ومنها من يطالب بالحكم الذاتي، أو الانفصال. الأمر الذي يترك الكثير من التساؤلات حول المفاعيل القانونية لأهداف ودور منظمة الأمم والشعوب غير الممثلة في حق تقرير المصير، الذي يعتبر أحد شروط الانضمام إلى المنظمة، يقابله شرط اللاعنف والمطالبة السلمية، حيث يتعارض هذا البند مع شروط حق تقرير المصير في القانون الدولي، وفي ميثاق الأمم المتحدة، الذي اعتبر الاستيلاء على الأراضي بالقوة يهدد السلم والأمن والدوليين، كما اعتبر حق الدفاع عن النفس كأحد ضمانات حفظ السلم والأمن الدوليين. وقد تضمن ميثاق الأمم المتحدة، الآليات التنفيذية، التي تضمن الحق في تقرير المصير وردع العدوان، استناداً للفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، الذي يأخذ بالتدابير العسكرية لقمع العدوان، في حال اعتدت دولة على سيادة دولة أخرى، استناداً لنص المادة ٣ من ميثاق الأمم المتحدة.

٢- منظمة الأمم والشعوب غير الممثلة، ومجاراة واقع المجتمع الدولي

 بالعودة إلى الأهداف والغايات التي تعمل من أجلها منظمة الشعوب غير الممثلة، يؤخذ على المنظمة مجاراة الواقع الدولي، وعدم المساس بالسلامة الإقليمية للدول، التي رسمت حدودها عن طريق التجاذبات السياسية. وبالتالي فهي تعمل على حصول أعضائها على الاستقلال أو الحكم الفيدرالي، في حدود ما ينتج من صراع بين الدول، يؤدي إلى تفكك الدولة، وربما ضمها أقاليم جديدة إليها، وليس على أساس قانوني في إطار قواعد ومبادئ القانون الدولي العام. فلقد خرج من عضوية منظمة الأمم والشعوب غير الممثلة، مجموعات كثيرة بعد حصولها إما على الاستقلال، أو الحكم الذاتي الفيدرالي، ومنها مثلاً، إقليم “آتشيه” التي أصبحت إحدى الأقاليم الخاصة في إندونسيا، وتلقب بشرفات مكة، ويقصدها المسلمون المالايو للتطهر قبل السفر للحج بمكة، وباشقورستان هي إحدى الكيانات الفدرالية في روسيا، وهي إحدى الجمهوريات الروسية، التي تُدار بحكم ذاتي، وتنتسب إلى شعب الباشكير أحد شعوب الأمة التركية. وجمهورية كومي، التي أصبحت جمهورية اتحاديه تخضع لروسيا وذات استقلال ذاتي في الشمال الشرقي من أوروبا الشرقية. ومجموعات تترستان التي أصبحت ” جمهورية تتارستان” هي إحدى الكيانات الفدرالية في روسيا، الواقعة على السفوح الغربية لجبال الأورال الفاصلة بين آسيا وأوروبا بمساحة تبلغ نحو ٧٠ ألف كم² وسكانها حوالي أربعة ملايين نسمة، ومجموعات تشوفاشيا، التي أصبحت جمهورية تشوفاشيا، إحدى الكيانات الفدرالية في روسيا، وتدخل في منطقة الفولجا الفيدرالية، وتتمتع الجمهورية بحكم ذاتي، وتبلغ مساحتها ١٨٣٠٠ كيلومتر مربع، وعدد سكانها مايقارب المليون ونصف المليون نسمة. كما خرجت من المنظمة ومجموعات أودمورتيا التي أصبحت ” جمهورية أودوموريتا”، وتشغل هذه الجمهورية السفوح الغربية من جبال أورال وهي جمهورية من الكيانات الفيدرالية الروسية، وتشترك بحدودها الجنوبية مع جمهورية تتاريا، وتبلغ مساحتها ٤٢١٠٠ كيلو متر، وسكانها ما يقارب المليوني نسمة وعاصمتها مدينة إيجيفسك.

كما خرجت من منظمة الأمم والشعوب غير الممثلة، جمهورية استونيا، التي تتشابه كثيراً مع الحالة الأحوازية، فجمهورية إستونيا، كانت دولة مستقلة منذ العام ١٩١٨، ثم احتلها الاتحاد السوفياتي بين عامي ١٩٤٠ و ١٩٤١، ثم احتلها الألمان بين أعوام ١٩٤٠ و ١٩٤٤، خلال تجاذبات الحرب العالمية الثانية، ثم ضمها الاتحاد السوفياتي سنة ١٩٤٤، وبقيت تحت سلطة الاتحاد السوفياتي حتى العام ١٩٩١، مع بدء تفكك الاتحاد السوفياتي، لتعود  دولة مستقلة ذات سيادة، إذ تغطي أراضي إستونيا ما مساحته ٤٥٢٢٧ كيلومتر مربع ويبلغ عدد سكانها ما يقارب المليون ونص المليون نسمة. والحال ذاته ينطبق على جمهوريات لتوانيا وأرمينيا وجورجيا.

والملاحظ أن هذه الدول التي كانت تشكل أمماً وشعوباً غير ممثلة، قد حصلت على استقلالها بسبب التحولات الجيوسياسية في مناطقها، التي عاشت فترات صراع حالت من استمرارها كمجموعات منضوية في حدود هندسية، بل أصبحت ممثلة من جديد داخل الأمم المتحدة، وفي المنظمات الإقليمية الدولية كحلف الناتو، الأمر الذي يلغي فرضية عدم تغيير الحدود التي ولدت خلال تجاذبات الحربين العالميتين الأولى والثانية.

ثانياً- توصيف حالة الشعب الأحوازي في إطار منظمة الأمم والشعوب غير الممثلة: موقع الحق في التحرر وتقرير المصير (نماذج تاريخية)

 

تضم منظمة الأمم و الشعوب غير الممثلة أمماً وشعوباً يتوزعون على قارات العالم، ففي الأمريكيتين  هناك مجموعة الـ” مابوتشي ” mapuche ، وهم مجموعة من الشعوب الأصلية الأمريكية، التي تتمركز في وسط وجنوب تشيلي، وجنوب الأرجنتين، ويقدر عددهم بـ ٧٨٩ ألف نسمة، وبالتالي فهم يشكلون نحو ٤٪ من سكان تشيلي، ويتوزعون بشكل خاص في منطقة أرَوكانيا التشيلية، وأيضاً في منطقتي باتاغونيا التشيلية والأرجنتينية (٤)، ويعد العرق المابوتشي واسع الانتشار، إذ يتألف من مجموعات مختلفة، تجمع بينها التقاليد الاجتماعية والدينية والهيكل الاقتصادي، فضلاً عن التراث اللغوي المشترك. ويعتبر شعب المابوتشي نفسه أهل الأرض mapu-che؛ ولذلك فإن لغته المابودنوغون mapudungun هي ” لغة الأرض”. فالجزء مابو “Mapu” يعني الأرض، في حين أن الجزء تشي “che” يعني أهل أو صاحب. ومن هذا المنطلق، فإن الأرض في لغتهم هي ” نيوكي مابو” بمعنى الأرض الأم، التي تتحول في الفكر السياسي إلى مفهوم Wall Mapu، ومعناه الإقليم. وفي هذا الصدد، يكتسي مفهوم أدمابو Admapu أهمية من حيث أنه ينظم جميع دورات حياة الفرد المنتمي لشعب المابوتشي، ويشمل مجموعة من الأنظمة، التي يحرص أفراد الجماعة على الامتثال لها، بحيث أن انتهاكها يؤدي إلى نشوب النزاعات (٥).

١- منظمة الأمم والشعوب غير الممثلة، والتناقض مع مبادئ وقواعد القانون الدولي

اشترطت منظمة الأمم والشعوب غير الممثلة على أعضائها المنظمين إليها، التوقيع والالتزام بميثاقها، وفي مقدمة هذه الشروط أن يكونوا سلميين، وأوردت في ميثاقها أنه خلاف التصور الشائع، فإن تقرير المصير، لا يعني بالضرورة الانفصال كأمة أو شعب منفصل، أو حتى حكم ذاتي. وبالتالي فهذا يشير ببساطة إلى حق جميع الشعوب في التقرير الحر لحالتهم السياسية وأن يواصلوا بحرية تنميتهم الاقتصادية، الاجتماعية والثقافية، بطريقة سليمة داخل دولهم (٦)، معربة في ذلك أن ممارسة هذا الحق يمكن أن يؤدي إلى مجموعة متنوعة من النتائج، تتراوح من الاستقلال السياسي حتى الاندماج الكامل داخل الدولة القائمة.

انضم ” إقليم الأحواز” كأحد الأعضاء المنضوين داخل منظمة الأمم والشعوب غير الممثلة في ١٤ نوفمبر ٢٠٠٣، ويمثلها في المنظمة ” حزب التضامن الديمقراطي الأهوازي”. وبالنظر إلى تاريخ القضية الأحوازية، يبدو الانضمام إلى منظمة الأمم والشعوب غير الممثلة، يتعارض- في أهم جوانبه- مع تطلعات الشعب الأحوازي، ويحول دون من استعمال الأحوازيين لمبدأ حق تقرير المصير المتعارف عليه في القانون الدولي العام، وليس المصطلح الذي تعارفت عليه منظمة الأمم والشعوب غير الممثلة، مع الإشارة أنّ ذلك لا يعني البتة بأن حزب التضامن الديمقراطي، إنما لا يؤمن بتحرير الأحواز، وعودتها كدولة مستقلة، قد تكون فيدرالية أو جمهورية مستقلة، ولكن هذا الانضمام إنما يترك القضية الأحوازية، في مهب التجاذبات السياسية، التي تنتظر تفكك إيران، استناداً للتجاذبات والمصالح الدولية، ويعطيها صفة الدولة المصطنعة، وليس صاحبة الحق في استعادة تاريخها السياسي واستقلالها، والتأكيد على احتلالها، الأمر الذي ينزع عن الشعب الأحوازي الحق في تقرير مصيره متى يشاء، كسيرورة تقطع التقادم بالاستعمال، كما تنزع عنه مباشرة حقه في التحرر بجميع الوسائل، وهي الآلية التي كفلها القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، الذي اعتبر حق تقرير المصير، هو أحد الوسائل لحفظ السلم والأمن الدوليين.

٢- مصطلح ” تقرير المصير ” في منظمة الأمم والشعوب غير الممثلة، و ” حق تقرير المصير في القانون الدولي العام “

وضع  القانون الدولي بما فيه من مواثيق وقرارات دولية، الإجراءات الأساسية للمحافظة على الحقوق السياسية، والأمنية، والاجتماعية، والاقتصادية، والثقافية للدول الأعضاء في منظمة الأمم المتحدة، فقد اكتسب حق تقرير المصير مفاعيله وقوته التنفيذية عند إدراجه في ميثاق الأمم المتحدة، ونصَّ على حقوق الشعوب، سواء كانت كبيرة أو صغيرة في أن تحصل على حقها في أن تقرر مصيرها بيدها، دون تدخلات خارجية، وإقامة دولة مستقلة محررة من أي استعمار لأراضيها ومواردها، ودون استثناء أو تمييز بسبب العرق أو الدين أو اللغة أو الموقع الجغرافي (٧).

يُعرف حق تقرير المصير بأنه حق جميع الشعوب في العالم بتحديد مصيرها وسياساتها بنفسها، بعيداً عن أيّ تدخلات أجنبية أو اعتداءات خارجية تشنّها دول أخرى عليها. ولقد صدرت الكثير من القرارات الدولية التي تؤكد هذا الحق وترعاه. إلا أنَّ هذا الحق ظلَّ محط خلاف كبير بين الباحثين والقانونيين في كيفية تنفيذ القرارات ذات الصلة بتقرير المصير، وأشكال تطبيقه في مختلف أنحاء العالم، التي ظلت تعترض بالمصالح الذاتية للدول. الأمر الذي يمكن معه القول إن رؤية منظمة الأمم والشعوب غير الممثلة تصب في إطار تمييع الأساس القانوني لحق تقرير المصير، والسير في إطار ما هو واقع من مصالح بين الدول، وانتظار نتائج هذه المصالح، والصراعات الجيوسياسية على الأرض، وما على الشعوب غير الممثلة إلا انتظار ما ستؤول إليه تجاذبات المصالح الدولية، وعلى هذا الأساس جاء مفهوم” تقرير المصير” في منظمة الأمم والشعوب غير الممثلة، التي نزعت فكرة الحق لصالح الحسابات الدولية. ونعتقد أن هذا، يترك الحبل على الغارب، للمزيد من انتهاكات حقوق الإنسان، ويفتح الباب على مصراعيه، لبعض الجماعات التي تمتلك حق تقرير المصير، بالإبقاء عليها داخل أنظمة تعتبرها محتلة، كما هو الحال في الحالة الأحوازية، الأمر الذي يؤدي إلى اعتراف مبطن بالاحتلال، وبالتالي تهدداً لحفظ السلم والأمن الدوليين.

وعلى هذا الأساس، يمكننا توصيف موقف “منظمة الأمم والشعوب غير الممثلة”، إنه موقف يتجاهل الحقوق التاريخية للوضع القانوني للأحواز، وحق الشعب الأحوازي في تقرير مصيره بكافة السبل، لأن استمرار الاحتلال وانتهاك مبدأ حق تقرير المصير، إنما يشكل خرقاً من النظام الإيراني لأهم مبادئ القانون الدولي، وقرارات مجلس الأمن الدولي، ونصوص ميثاق الأمم المتحدة. والجمعية العامة للأمم المتحدة، التي أقرت في التوصية رقم ٣٣١٤ لسنة ١٩٧٤ بالتأكيد على ” تمتع حركات التحرير الوطني بحق استخدام القوة للحصول على حقها في تقرير المصير في مواجهة الدول المستعمرة أو المحتلة (٨)”، وهو ما يتعارض تعارضاً بيناً وواضحاً مع مفهوم “تقرير المصير” في أدبيات منظمة الأمم والشعوب غير الممثلة، وينزع عن الشعب الأحوازي حقه في الطالبة باستعادة ارضه بكل الوسائل والطرق المتاحة.

لقد أقرت الجمعية العامة للأمم المتحدة عدد من التوصيات التي أوضحت فيها بجلاء، أن حركات التحرير الوطني تتمتع بجميع حقوق الكفاح ضد الاستعمار أو الاحتلال أو أنظمة الفضل العنصري في ممارسة لحقها في تقرير المصير، كما درجت الجمعية العامة مند سنة ١٩٧٣ على تخصيص الفقرة الثانية من توصيتها السنوية، التي تصدرها بخصوص أهمية التحقيق العالمي لحق الشعوب في تقرير المصير و التشريع في احترام الإنسان، للتأكيد على الكفاح المسلح كوسيلة مشروعة لنيل استقلال و الحرية، و استبدلت بعبارة أخرى هي ” استخدام كافة الوسائل المتاحة لنيل الاستقلال و الحرية” كما أقر إعلان الجمعية العامة الخاص بعدم جواز التدخل الصادر بمقتض توصية الجمعية العامة رقم ١٣٢ و ١٠٣ سنة ١٩٨١ بحق الدول وبواجبها عن دعم حق الشعوب في تقرير المصير(٩)، وأن استخدام القوة في إطار الحق في تقرير المصير في النظام القانوني الدولي المعاصر، يقتصر على الشعوب الخاضعة لسيطرة أجنبية أو لنظام فصل عنصري، فثمة تلازم عضوي بين تصفية الاستعمار وهذا الحق، وهو ما ينطبق على الحالة الأحوازية في جميع مكوناتها السيادية، وشروطها القانونية.

وبالرغم من أن حق تقرير المصير من الحقائق المعترف على مستوى المواثيق الدولية، والتي تمت الموافقة عليها من قبل الدول، فأن هذا لم يتم ترسيخه ولم يستطع أن يدرك وجوده، إلا عندما استشعرت الشعوب المستعمرة، أن لها حقاً في التحرر وتقرير مصيرها دون وجود هيمنة استعمارية تحد من وجودها ومن ممارسة سيادتها على مقدرتها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية؛ وبالتالي فإن اللجوء إلى جميع السبل التي يضمنها القانون الدولي يعتبر حقا للشعوب لتحقيق حق تقرير المصير وجعله أمراً واقعياً.

٣- موقع الشعب الأحوازي وحق تقرير المصير، في إطار منظمة الأمم والشعوب غير الممثلة

إنّ الاستقلال التام كان النتيجة الأكثر شيوعا لتطبيق حق تقرير المصير، خلال موجة التحرر من الاستعمار، لاسيما في قارتي إفريقيا وآسيا، كما أن فكرة الاستقلال تختلف اختلافاً جوهرياً في فقه القانون الدولي عن الانفصال، الذي يؤدي – كأمر واقع- إلى تأسيس دولة جديدة مستقلة وذات سيادة، بل يحيل المعنى الجوهري لهذا المبدأ إلى تمكين الشعوب المستعمَرة والمضطهَدة من التعبير بحرية عن النظام السياسي والاجتماعي والاقتصادي الذي ترتضي تطبيقه.

وإذا كان مفهوم تقرير المصير الخارجي حظي بشعبية كبيرة خلال عقدي الستينيات والسبعينيات من القرن العشرين، في كل من إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، فقد أصبحت المطالبة بهذا الحق اليوم، لا تثير اهتماماً كبيراً ولا تعاطفا ظاهراً من قبل المجموعة الدولية، باستثناء بعض الحالات القليلة. ويعود ذلك لتراجع التصور التقليدي لمبدأ تقرير المصير مع انتهاء مرحلة التحرر من الاستعمار الأجنبي، بل يعود بشكل أساسي إلى أن أي شبر على الكرة الأرضية يدخل اليوم افتراضاً، ضمن اختصاص دولة ذات سيادة. وإلى قبول الدول المحتلة بالحدود الموروثة عن الاستعمار، رغم كونها رسمت بشكل تعسفي وتحكمي. ولكن هذه الرؤية تبقى رؤية سياسية، لا علاقة لها بفقه القانون الدولي، وقرارات الأمم المتحدة وميثاقها، كما لا تعطي الحق بتاتاً لأية دولة في أن تقف بوجه الحقوق المشروعة للشعوب في تقرير مصيرها، وتحديد الوسائل والكيفيات في سبيل ذلك، فقط لأنها تتصرف في إطار القرارات والمواثيق الدولية وميثاق الأمم المتحدة، الذي لم يلغي هذا الحق، بل دافع عنه. الأمر الذي يشير أن إرادة المجتمع الدولي (كحالة سياسية مصلحية)، لا علاقة لها بمدى تطبيق هذا الحق (كمشروعية دولية).

وعلى هذا الأساس، نعتقد أنّ إنشاء منظمة الأمم والشعوب غير الممثلة، جاء في إطار هذه الجدلية، التي وضعت ما أسمته بـ ” إقليم الأحواز” في إطار هذا المفهوم، الذي يتعارض مع وقائع التاريخ والجغرافيا، كما يتعارض مع قواعد ومبادئ القانون الدولي العام.

 

خاتمة

يمكن القول: إنّ مسالة وضع القضية الأحوازية، في إطار منظمة الأمم والشعوب غير الممثلة، يحب أن لا يشكل اعترافاً أو تنازلاً عن حق الشعب الأحوازي في المطالبة بحق تقرير المصير استناداً للقانون الدولي العام، وأن انضمام أي مكون أحوازي داخل المنظمة، يجب أن لا يعني أنه الممثل الوحيد عن تطلعات الشعب الأحوازي، بقدر ما يعبر عن رؤية حزبية، وبالتالي فلا ضير في ذلك.

منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، أصبحت مطالب الأقاليم (غير المستعمرة) تجنح نحو المطالبة بالحكم الذاتي أو الفيدرالي، إذ لم تقبل الأمم المتحدة منذ ١٩٤٥ عضوية أي دولة تأسست عن طريق الانفصال من جانب واحد ضد إرادة الدولة الأصل، باستثناء دولة بنغلاديش، التي تمثل حالة وحيدة لانفصال ناجح من جانب واحد. بحيث شكلت استثناءاً فريداً في هذا المجال. ورغم أنها قدمت طلب الانضمام إلى الأمم المتحدة عام ١٩٧٢، إلا أنّ عضويتها لم تقبل إلا في عام ١٩٧٤، أي في وقت لاحق لاعتراف باكستان بها. وفي كلا الحالتين (الحكم الفيدرالي والاستقلال) لا يشكلان وضعاً قانونياً يمكن القياس عليه بخصوص الحالة الأحوازية.

 وفي المقابل هناك العديد من الأمثلة عن محاولات فاشلة للانفصال من جانب واحد، بما في ذلك الحالات التي يحافظ فيها الكيان المنفصل على الاستقلال “بحكم الأمر الواقع”. وينبغي التمييز في هذا الإطار بين الانفصال من جانب واحد لجزء من إقليم دولة معينة، والتفكك الكامل الذي قد تتعرض له دولة ما كما هو الشأن بالنسبة للجمهوريات التي نشأت نتيجة تفكك الاتحادين السوفياتي واليوغوسلافي.

 إنّ حق تقرير المصير هو أحد أبرز حقوق الإنسان الأساسية المعترف بها في القانون الدولي المعاصر. وتجدر الإشارة إلى أن التعارض بين مبدأي تقرير المصير والسلامة الإقليمية يكون فقط في حالة تقرير المصير عن طريق الانفصال، وليس التحرر من الاستعمار والاحتلال، الذي ينطوي على تغيير إقليمي لدولة قائمة.

وعليه، فإن حكومة الدولة التي تسمح لجميع سكانها بالمشكاركة بحرية في وضعهم السياسي وتطورهم الاقتصادي والاجتماعي والثقافي، هي التي تستطيع دون غيرها التأكيد على وجود مصلحة في حماية سلامتها الإقليمية كقيد على ممارسة حق تقرير المصير.

أما بالنسبة للحالة الأحوازية، فإنها تخرج من مسألة ” تقرير المصير ” حسب مفهوم منظمة الأمم والشعوب غير الممثلة، كما تخرج عن مسألة الانفصال عن الدولة الأم، لأن إيران ليست دولة أصلية وتاريخية للأحوازيين، الذي سادوا على إقليمهم كدولة ذات منعة وسيادة. وبالتالي فإنّ قضية الاعتراف بالدولة الأحوازية والشعب الاحوازي، هو ليس اعترافاً بدولة جديدة ناشئة أو وليدة، كما هو حاصل في الدول التي استقلت، أو حصلت على حكماً ذاتياً، استناداً لشروط منظمة الأمم والشعوب غير الممثلة، وهي ليست مسألة قانونية، بل سياسية بالدرجة الأولى، فكم من مجموعة سكانية لديها كل الشروط القانونية والواقعية المطلوبة لم يُعترَف بحقها في الاستقلال، رغم التعاطف الرسمي والشعبي الذي حصلت عليه، بينما حصلت عليها مجموعات أخرى رغم افتقارها للعناصر الأساسية لهذا الحق، وهذه هي لعبة موازين القوى الدولية، التي طالما كانت حاسمة في ترجيح هذا الخيار أو ذاك، بغض النظر عن الشرعية، أو المشروعية الدولية، وهو ما لا ينطبق على القضية الأحوازية، لا من قريب أو بعيد، لأنها قضية تاريخية، ترتبط بأرض، وشعب، وسيادة.

المصادر والهوامش

  1. UNPO 20 th Anniversary Publication: Twenty Years of Promoting Nonviolence, Human Rights and Self Determination (PDF). The Hague, Netherlands: UNPO. 2011.
  2. انظر : محمد عمر أزوقة، القضية الشركسية، دار المنهل، 2010،ص 225
  3. Simmons, ed. Unrepresented Nations and Peoples Organization Yearbook 1995. Kluwer Law International. pp. 1–3
  4. The Mapuche people group is reported in 2 countries
  5. https://www.mapuche-nation.org/
  6. Bob, Clifford (2005). The Marketing of Rebellion: Insurgents, Media, and International Activism. Cambridge University Press. pp. 47–48, 76–77.
  7. انظر: إبراهيم توفيق الرابي ، حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير دراسة مقارنة ، مجلة مركز التخطيط الفلسطيني، تصدر عن مركز التخطيط الفلسطيني، 2006، العدد21 .
  8. انظر: توصية الجمعية العامة للأمم المتحدة، رقم 3314لسنة 1974 
  9. انظر: إعلان الجمعية العامة الخاص بعدم جواز التدخل الصادر بمقتض توصية الجمعية العامة رقم 132 و 103 سنة 1981 .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق