الدراسات

أساليب الأداء البياني والبديعي في شعر إلهام لطيفي

"من وحي القصائد الموبوءة" نموذجاً

نص القصيدة:

من وَحى القصائد الموبوءة

في المقعد الخلفي
لم يَعتنِ بحُمةِ الكون و سُعال الطائرات العائدة
من رحلة “سومرية- عيلامية”..
و لا بلقاح أنفاسك المتقطّعة
طارَ زَندي على لحنِ شوقٍ
و أناملي هربت منك إليك
في الأفقِ البنفسجي
بعيدا بعيدا…
حيثُ كان الحِمام منّا قابَ شهقةٍ أو أدنى
يُدَندِن و يُغنّي:

“نارٌ و لا مواقد تلهب
مسكٌ ولا للشعر مطلع
جرسٌ و لا أطفال تلعب”

صورة وَجِلة
تَخطف الغاردينيا بياضا من أقدارنا
و الظلُّ ذاك…
الظلُّ ذاك العابرُ لحدودِ أرواحنا
حِجرٌ رقميٌ أخضر ينمو على جدراننا…
يُوحدّنا عن بُعد
أم في القُرب يُفرّقنا،
أيّ إشكالية هذه في القصيدة الموبوءة؟

الاديبة الدكتوره الهام لطيفي

 

تعدُّ الأديبة الأحوازية (( إلهام لطيفي )) منَ الشواعرَ اللائي يشغلنَ السَّاحة الأدبيةِ والفكرية بشاعريتها ، وأفقها الحداثوي في انتقاء المفردة الشعرية ، والصورة الفنية التي تنمُّ عن خيال مبدع وثر ؛ حيث تنوعت صورها بين الصور النفسية ، والتجسيدية ، والبيانية ، والبديعية ، وما في سياقاتها النصية من أنساق شعرية اجتماعية ، وسياسية ، ودينية ، وأيديولوجية كامنة خلف هذه النصوص ، هي بحاجة إلى تأويل ، وتفسير ، وتحليل كي يتمكن الباحث من إظهار ما توارى ، وما سُكِتَ عنه ، ويبدو أنَّ بعضها كان بقصدية تامة من المبدع ، أو كان لمساحة الخيال دورٌ في التعامل مع النصّ المكتوب.

وإذا ما أردنا أنْ قراءة هذا النص ، لا بدَّ لنا من قراءة في العنوان (( من وحي القصائدِ الموبوءة )) ، لأنه واحد من العتبات النصيَّة المهمة في قراءة النصوص الشعرية والنثرية ، ويعدُّ مفتاحاً مهماً يمكن الدخول منه إلى جسدِ القصيدة ، حيث وُسِمَ العنوان في بدايته بحرفٍ من حروف المعاني الذي يهدف إلى ابتداء الغاية ، وكأنَّ علاقة الشاعرة بالوحي علاقة حميمية ، إذ كان حاضراً في أحدِ عنواناتِ قصائدها (( منْ نبوءِ وحي الأصابعِ )) ، وهذا ما يؤكدُ تلكَ العلاقة القابعة في ذهنية المبدع ، فضلاً على دِلالة الوحي ، والملهم ، إيجاباً ، لا سلباً في البناء النصي من القصيدة ، وأختها ، إلاَّ أنَّ الشاعرة أرادتْ أنْ يكونَ موطن الوحي (( القصائد الموبوءة )) التي فيها تلميحٌ إلى لوثةٍ فكرية سُكِتَ عنها ، تاركة للتأويل ، والتفسير ، واستنطاق المضمرات دورها في الكشفِ عن مديات هذه الأنساق.

وفي هذا المبحث قمنا بتوجيه القراءة وفاقاً لوجهته البلاغية ، التي نكثفُ فيها من رصد الأساليب البيانية ، والبديعية ، وما فيها من صور تشبيهية ، واستعارية ، وكنائية ، وأساليب بديعية معنوية ، ولفظية ، كانتْ حاضرة في النص الشعري ، وما فيها من قيم جمالية ، وتعبيرية ، تركت فسحة إبداعية ، في هذه أسيطراتِ هذه اللوحة التي تنتمي إلى جنس أدبي يقارب الشعر الحر ، وهو ما نطلق عليه بقصيدة النثر ، التي تترك مجالاً واسعاً للشاعر في انتقاء مفرداته ، وألفاظه ، ومعانيه ، وصوره من دون القيد الذي عليه الشعر العمودي بالتزامه بالوزن والقافية ، ولا يعني ذلك المساس برونقه ، وموسيقاه ، وجرسه الأخاذ.

وعند العودة إلى النصَّ أجدني أمام لوحة شعرية إبداعية تستحقُّ القراءة ، لذا سنحدد أهمَّ الأساليب البديعية ، والبيانية فيه :

أولاً – أساليب الأداء البياني :

التشبيه : ويدلُّ في اللغة على المماثلة ، ويعدُّ من أهم الأساليب في الأدب العربي شعراً ونثراً، وهو (( من أشرفِ كلامِ العربِ ، وفيه تكون الفطنة والبراعة عندهم ))( 1 ) ، وقد عرفه قدامة بن جعفر هو ما (( يقعُ بين شيئينِ بينهما اشتراك في معان تعمهما ، ويوصفانِ بهما ، وافتراق في أشياء ينفردُ كلُّ واحدٍ منهما عن صاحبه بصفتها ))( 2 ) ، وفي هذا النصُّ نلحظ تشبيهاً تمثيلياً ، تعددتْ وجوه الشبه فيه (( الظلُّ العابرُ لحدودِ أرواحِنا حجرٌ رقميٌّ أخضرُ ينمو في جدراننا )) ، إذ شبهت الشاعرة الظلَّ العابرُ بالحجرِ الرقمي ، الذي تدبُّ فيه الحياة ، إذ أدخلتْ الحياة في ذلك الجماد الخامد ، وجعلته ينمو اخضراراً في جدرانا أرواحنا ، وهي صورة تشبيهية غاية في الدقة والإتقان.

الاستعارة : وهي أسلوب بياني مهم في الخطابات الشعرية ، إذ عرفها الجرجاني بقوله : (( الاستعارة في الجملة أن يكون للفظِ أصلٌ في الوضع اللغوي معروف ، تدلُّ الشواهد على أنه اختصَّ به حين الوضع ، ثم يستعمله الشاعر ، أو غير الشاعر في غير ذلك الأصل ، وينقله إليه نقلاً غير لازم ، فيكون هناك كالعارية ))( 3 ) ، ويقوم الشاعر وفاقاً لخياله بالجمعِ بوساطتها بين أشياء مختلفة ، توج بينها علاقة قبلية ، لأجل التأثير في المواقف ، والدوافع ، وينجم عن ذلك علاقات ينشئها الذهن من ذلك الجمع( 4 ) ، ومن الصور البيانية الاستعارية قولها : (( حمة للكونِ ، وسعالٌ للطائراتِ )) ، و(( صورٌ وجلةٌ تخطفُ بياض الغاردينيا منْ أقـــــدارنا )) ، إذ استعارت الشاعرة الحمة للكون ، والسعال للطائرة ، والاختطافِ للصورة ، وكأنَّها جميعها بهيئة كائن بشري ، تدلُّ عليه الأفعال والأوصاف ، وهنا يكمن الإبداع الشعري.

الكناية : وهي أحد الأساليب التي لجأت إليها الشاعر ، لترفد صورها البيانية بأبعاد دلالية ، وجمالية ، تتآزر مع الصورة الأخرى في بناء المستوى الصوري في القصيدة ، وعرفها الجرجاني بقوله : (( أنْ يريدَ المتكلمُ إثباتَ معنى من المعاني ، فلا يذكره باللفظِ الموضوع له في اللغة ، ولكن يجيء إلى معنى هو تاليه ، وردفه في الوجود ، فيومئ إليه به ، ويجعله دليلاً عليه ))( 5 ) ، وقد أكد البلاغيون على منزلتها البيانية ، وتشكيلها للصورة ، وما لها من قيمة تعبيرية ، وجمالية ، تقول الشاعرة : (( طارَ زندي على لحنِ شوقٍ ، وأناملي هربتْ منكَ إليكَ )) ، وفيه كنايتان ، الأولى عن شدة الشوق والهيام ، والثانية عن ضياع السبيل والتيه ، وإلاَّ كيفَ يجتمع النقيضانِ في حدث واحدٍ ، وإنْ حُددا بكاف الخطاب.

ثانياً – أساليب الأداء البديعي :

الطباق : ويعدُّ من الأساليب البديعية المهمة ، ويسمى المطابقة ، ويدلُّ على تضاد في المعنى بين لفظتين ، اسمين ، أو فعلين ، أو صفتينِ ، وقد وجدنا الطباق قابع في الصورة النفسية التي اختارتها الشاعرة ، متخذة من قلب الألفاظ ، والتلاعب في مداليلها بعداً تعبيراً يجسدُ هذه الصورة (( يوحدنا عن بعدٍ أمْ في القربِ يفرقنا )) ، الوحدة والفراق ، والبعد والقربُ جميعها ألفاظ متضادة فيها من الإضاءات النفسية الكامنة في اللفظة ذاتها والتي ألقت بظلالها على الصورة الشعرية ، كذلك وقوعها في بنيتين الأولى قلب الجملة في السياق النصي ، وبنية الاستفهام الذي حذفتْ أداته.

الجناس : وهو من الأساليب البديعية التي تضفي جمالية ، وقيمة للنص ، ويقسم الجناس على تام ، وناقص ، وقد يأخذ حرف مكان حرف آخر ، أو قد يقع في حرفين وهكذا ، ومن جماليات الجناس في النص ، قول الشاعرة (( نارٌ ولا مواقد تلهبُ … مسكٌ ولا للشعر مطلع … جرسٌ ولا أطفالَ تلعبُ )) ، وهنا جناس تام وقع بين حرفين هما (( الهاء )) و(( العين )) ، في الفعلين (( تلهبُ ، وتلعبُ )) ، فضلاً على ما في الحرفين من مدارات اهتزازية ، وعمق في المخرج ، وما فيهما من جرس موسيقي رائع.

التكرار : من الأساليب البديعية اللفظية ، له وظيفة إيقاعية ، وأخرى معنوية ، تقول نازك الملائكة في حديثها عن أهمية التكرار (( يضع بين أيدينا مفتاحاً للفكرة المتسلطة على الشاعر ، وهو بذلك أحد الأضواء اللاشعورية التي يسلطها الشعر على أعماق الشاعر فيضيها ، بحيث نطَّلعُ عليها ، أو لنقل إنه جزء من الهندسة العاطفية للعبارة ، يحاول الشاعر فيه أنْ ينظمَ كلماته ، بحيث يقيمُ أساساً عاطفياً ن نوع ما ))( 6 ) ، والتكرار بأنواعه الأفقية ، والعمودية ، والمفرد ، والجملة ، لها جمالية إيقاعية ، وموسيقية ، فضلاً على تأثيره في نفس المتلقي ، تقول الشاعرة (( بعيداً … بعيداً )) ، و(( الظلُّ ذاكَ … الظلُّ ذاكَ )) ، وقد تكون غايته المعنوية التوكيد فضلاً عن التكرار اللفظي المفرد والجملي في المثالين السابقين.

الاقتباس والتضمين : وهذا الفنُّ البديعي يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالمخزون الديني ، والفكري ، والثقافي للمبدع ، ودرجة وعيه في اقتباساته وتضميناته الدقيقة ، بحيث يضعها في موضعها الصحيح ، من دون تهاون ، أو تلاعب يؤدي إلى ذهاب المعنى المراد ، والاقتباس (( هو أنْ يضمنَ الكلام شيئاً من القرآن ، أو الحديث لا على أنه منه ))( 7 ) ، والتضمين أنْ يضمن شيئاً من شعر غيره مع التنبيه عليه ، حتى إذا لم يكن مشهوراً عن البلغاء ، ويعدُّ الغذامي و جلال الخياط ، كلاً من الاقتباس ، والتضمين نوعاً من التناص.( 8 ) ، ومن هذه الاقتباسات قولها : (( قابَ شهقة أو أدنى )) وهو اقتباس جزئي من قوله تعالى : { فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَىٰ }( 9 ) ، ونجد هذا الاقتباس في قصيدة (( من وحي نبوءة الأصابع )) في قولها : (( قابَ قوسي قبلةٍ أو أدنى )) ، وقد أفاد النصُّ منه كثيراً في ترسيخ قيمته الفنية والجمالية ، أما التضمينات في قولها : (( نارٌ ولا مواقدَ تلهبُ … مسكٌ ولا للشعرِ مطلعٌ … جرسٌ ولا أطفالَ تلعبُ )) ويبدو أنَّ هذه أغنية دندنت بها القصيدة ذاتها بفعلية الشاعر ، أو محاكاة للتراث التي انحدرت منه.

الخاتمة : يمكن القول أنَّ الشاعرة تمتلكُ الأداة الشعرية التي استطاعت من خلالها أنْ تبني جسداً لقصيدة موبوءة مثلما تسميها ، كان لها دور في بيان القدرة البلاغية لـ (( إلهام لطيفي )) التي سخرت الاساليب البيانية والبديعية في صورها الشعرية ، إذ حضر التشبيه والاستعارة والكناية ، والتكرار والاقتباس والتضمين والطباق والجناس في بنائها الفني والبلاغي فكانتْ اللوحة فسيفساء تشكلت من هذه الألوان البلاغية التي بينت المقدرة الكبيرة للشاعرة في اختيار وانتقاء المفردات بألفاظها ، وصورها ، ومعانيها.

 

د . فاضل الغزي

المصدر: الهام لطيفي

 

المصادر:

  1. البرهان في وجوه البيان ، وهب الكاتب ( ت 272ه ) ، تح : أحمد مطلوب ، وخديجة الحديثي ، ط 2 ، مطبعة العاني ، بغداد ، 1967م ، ص 130
  2. نقد الشعر ، قدامة بن جعفر ( ت 337ه ) ، تحقيق وتعليق : عبد المنعم خفاجي ، ب . ط ، دار الكتب العلمية ، بيروت ، لبنان ، ب . ت ، ص 124
  1. أسرار البلاغة ، عبد القاهر الجرجاني ، تح : ه . ريتر ، ط 2 ، مطبعة العاني ، وزارة الأوقاف ، استانبول ، 1979م ، ص 29
  2.  ينظر : مبادئ النقد الأدبي ، أ . ريتشاردز ، تر : مصطفى بدوي ، مراجعة لويس عوض ، ب . ط ، المؤسسة المصرية العامة للتأليف والترجمة والنشر ، 1963م ، ص 310
  3.  دلائل الإعجاز ، عبد القاهر الجرجاني ، تعليق وشرح عبد المنعم خفاجي ، ب . ط ، مكتبة القاهرة ، مصر ، 1976م ، ص 66
  4. قضايا الشعر المعاصر ، نازك الملائكة ، ط 6 ، دار العلم للملايين ، بيروت ، 1981م ، ص 276 – 277
  5. الإيضاح في علوم البلاغة ، الخطيب القزويني ( ت 739ه ) ، تح : محمد عبد المنعم خفاجي ، المطبعة الفاروقية الحديثة ، 1950 م ، ج 1 / ص 575
  6. ينظر : الخطيئة والتكفير ( من البنيوية إلى التشريحية ) ، عبد الله الغذامي ، ط 1 ، كتاب النادي الثقافي ، جدة ، المملكة العربية السعودية ، 1985م ، ص 55 ، وينظر : المتاهات ، جلال الخياط ، ط 1 ، دار الشؤون الثقافية العامة ، بغداد ، 2000م ، ص 17
  7.  النجم ، الآية ( 9 )

            المصادر والمراجع :

          أولاً – المصادر :

          القرآن الكريم

  • أسرار البلاغة ، عبد القاهر الجرجاني ، تح : ه . ريتر ، ط 2 ، مطبعة العاني ، وزارة الأوقاف ، استانبول ، 1979م.
  • الإيضاح في علوم البلاغة ، الخطيب القزويني ( ت 739ه ) ، تح : محمد عبد المنعم خفاجي ، المطبعة الفاروقية الحديثة ، 1950 م ، ج 1.
  • البرهان في وجوه البيان ، وهب الكاتب ( ت 272ه ) ، تح : أحمد مطلوب ، وخديجة الحديثي ، ط 2 ، مطبعة العاني ، بغداد ، 1967م.
  • دلائل الإعجاز ، عبد القاهر الجرجاني ، تعليق وشرح عبد المنعم خفاجي ، ب . ط ، مكتبة القاهرة ، مصر ، 1976م.
  • نقد الشعر ، قدامة بن جعفر ( ت 337ه ) ، تحقيق وتعليق : عبد المنعم خفاجي ، ب . ط ، دار الكتب العلمية ، بيروت ، لبنان ، ب . ت.

          ثانياً – المراجع :

  • قضايا الشعر المعاصر ، نازك الملائكة ، ط 6 ، دار العلم للملايين ، بيروت ، 1981م.
  • مبادئ النقد الأدبي ، أ . ريتشاردز ، تر : مصطفى بدوي ، مراجعة لويس عوض ، ب . ط ، المؤسسة المصرية العامة للتأليف والترجمة والنشر ، 1963م.
  • المتاهات ، جلال الخياط ، ط 1 ، دار الشؤون الثقافية العامة ، بغداد ، 2000م.
  • ينظر : الخطيئة والتكفير ( من البنيوية إلى التشريحية ) ، عبد الله الغذامي ، ط 1 ، كتاب النادي الثقافي ، جدة ، المملكة العربية السعودية ، 1985م

 

 

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق