الدراسات

تطور علاقة إيران بالحركة الحوثية وارتباطها الفكري مع النظام الإيراني

دراسة في الفقه الشيعي الزيدي

تمهيد:

طموحات إيران في المنطقة، واستراتيجيتها التوسعية وخطتها بتصدير الفكر الشيعي إلى المنطقة، عقب نجاح الثورة الخمينية، قاد طهران إلى نسج علاقة مع جماعة الحوثي في صعدة شمال اليمن، حيث دعمتها ماليًا وعسكريًا بعد تبني الجماعة المتمردة لفكر إيران الطائفي الدخيل على اليمن.

    الدور الإيراني في اليمن بدأ فعليًا في أعقاب الثورة الشعبية في اليمن فبراير ٢٠١١ م، ومع دعوة إيران للنشطاء اليمنيين لزيارة طهران بدأ اللاعبون السياسيون يدركون خطورة تطور هذا الدور، خاصة بعدما بدأ قيام تيار الحوثيين بدور الفصيل المعارض في الأزمة اليمنية في أعقاب المبادرة الخليجية فبراير ٢٠١٢ م.

كلمات مفتاحية: الحوثيين- الأزمة اليمنية – التحالف العربي في اليمن.

    

الحوثيون بين الزيدية والاثني عشرية

 في محافظة صعدة (على بُعد ٢٤٠ كم شمال صنعاء)، حيث يوجد أكبر تجمعات الزيدية في اليمن، وفي عام ١٩٨٦ ميلادي تم إنشاء “اتحاد الشباب”، وهي هيئة تهدف إلى تدريس المذهب الزيدي لمعتنقيه، كان بدر الدين الحوثي -وهو من كبار علماء الزيدية آنذاك- من ضمن المدرِّسين في هذه الهيئة (١).

    وفي عام ١٩٩٠ م حدثت الوَحْدة اليمنية، وفُتح المجال أمام التعددية الحزبية، ومن ثَمَّ تحول اتحاد الشباب إلى حزب الحق الذي يمثِّل الطائفة الزيدية في اليمن، وظهر حسين بدر الدين الحوثي -وهو ابن العالم بدر الدين الحوثي- كأحد أبرز القياديين السياسيين فيه، ودخل مجلس النواب في سنة ١٩٩٣ م، وكذلك في سنة ١٩٩٧م.

    تزامن مع هذه الأحداث حدوث خلاف كبير جدًّا بين بدر الدين الحوثي وبين بقية علماء الزيدية في اليمن حول فتوى تاريخية وافق عليها علماء الزيدية اليمنيون، وعلى رأسهم المرجع مجد الدين المؤيدي، والتي تقضي بأن شرط النسب الهاشميّ للإمامة صار غير مقبول اليوم، وأن هذا كان لظروف تاريخية، وأن الشعب يمكن له أن يختار مَن هو جديرٌ لحكمه دون شرط أن يكون من نسل الحسن أو الحسين رضي الله عنهما.

    اعترض بدر الدين الحوثي على هذه الفتوى بشدَّة، خاصة أنه من فرقة “الجارودية”، وهي إحدى فرق الزيدية التي تتقارب في أفكارها نسبيًّا مع الاثني عشرية. وتطوَّر الأمر أكثر مع بدر الدين الحوثي، حيث بدأ يدافع بصراحة عن المذهب الاثني عشري، بل إنه أصدر كتابًا بعنوان “الزيدية في اليمن”، يشرح فيه أوجه التقارب بين الزيدية والاثني عشرية؛ ونظرًا للمقاومة الشديدة لفكره المنحرف عن الزيدية، فإنّه اضطر إلى الهجرة إلى طهران، حيث عاش هناك عدة سنوات (٢)

    وعلى الرغم من ترك بدر الدين الحوثي للساحة اليمنية إلا أن أفكاره الاثني عشرية بدأت في الانتشار، خاصة في منطقة صعدة والمناطق المحيطة، وهذا منذ نهاية التسعينيات، وتحديدًا منذ سنة ١٩٩٧ م، وفي نفس الوقت انشقَّ ابنه حسين بدر الدين الحوثي عن حزب الحق، وكوَّن جماعة خاصة به، وكانت في البداية جماعة ثقافية دينية فكرية، بل إنها كانت تتعاون مع الحكومة لمقاومة المد الإسلامي السُّنِّي المتمثل في حزب التجمع اليمني للإصلاح، ولكن الجماعة ما لبثت أن أخذت اتجاهًا معارضًا للحكومة ابتداءً من سنة ٢٠٠٢ م.

وفي هذه الأثناء توسَّط عدد من علماء اليمن عند الرئيس علي عبدالله صالح لإعادة بدر الدين الحوثي إلى اليمن، فوافق الرئيس، وعاد بدر الدين الحوثي إلى اليمن ليمارس من جديد تدريس أفكاره لطلبته ومريديه. ومن الواضح أن الحكومة اليمنية لم تكن تعطي هذه الجماعة شأنًا ولا قيمة، ولا تعتقد أن هناك مشاكل ذات بالٍ يمكن أن تأتي من ورائها(٣).

وفي عام ٢٠٠٤ م حدث تطوُّر خطير، حيث خرج الحوثيون بقيادة حسين بدر الدين الحوثي بمظاهرات ضخمة في شوارع اليمن مناهضة للاحتلال الأمريكي للعراق، وواجهت الحكومة هذه المظاهرات بشدَّة، وذكرت أن الحوثي يدَّعِي الإمامة والمهديّة، بل ويدَّعِي النبوَّة، وأعقب ذلك قيام الحكومة اليمنية بمواجهة جماعة الحوثيين الشيعية، وأسفرت المواجهة عن مقتل زعيم التنظيم حسين بدر الدين الحوثي، واعتقال المئات، ومصادرة عدد كبير من أسلحة الحوثيين.

تأزَّم الموقف تمامًا، وتولى قيادة الحوثيين بعد مقتل حسين الحوثي أبوه بدر الدين الحوثي، ووضح أن الجماعة الشيعية سلحت نفسها سرًّا قبل ذلك بشكل جيد؛ حيث تمكنت من مواجهة الجيش اليمني على مدار عدة سنوات (٤).

وقامت إحدى دول الخليج بوساطة بين الحوثيين والحكومة اليمنية في سنة ٢٠٠٨ م، عقدت بمقتضاها اتفاقية سلام انتقل على إثرها يحيى الحوثي وعبدالكريم الحوثي -شقيقا حسين بدر الدين الحوثي- إلى قطر، مع تسليم أسلحتهم للحكومة اليمنية، ولكن ما لبثت هذه الاتفاقية أن انتُقضت، وعادت الحرب من جديد، بل وظهر أن الحوثيين يتوسعون في السيطرة على محافظات مجاورة لصعدة، بل ويحاولون الوصول إلى ساحل البحر الأحمر للحصول على سيطرة بحريَّة لأحد الموانئ؛ يكفل لهم تلقِّي المَدد من خارج اليمن(٥).

لقد صارت الدعوة الآن واضحة، والمواجهة صريحة، بل وصار الكلام الآن يهدِّد القيادة في اليمن كلها، وليس مجرَّد الانفصال بجزء شيعي عن الدولة اليمنية.

لا يزال الدور الإيراني في اليمن وطبيعة العلاقة مع الحوثيين مسألة مثيرة للجدل، يميل البعض إمّا لإنكارها بالكامل والتقليل بشدّة من حقيقة وجود تحالف بينهما أو المبالغة في تقدير العلاقة وتقديم الحوثيين كألعوبة بيد الإيرانيين.

في ظلّ تطوّر وارتفاع مدى الصواريخ التي يطلقها الحوثيون نحو السعودية أثناء الحرب الحالية عادت التساؤلات والجدل حول دور إيران والحديث عن تهريب إيران أسلحة للحوثيين رغم الرقابة والحصار المفروضين على كل منافذ اليمن الجوية والبرية والبحرية، أو وجود خبراء إيرانيين طوروا من إمكانيات الأسلحة التي لازالت موجودة لدى الحوثيين (٦).

تميل بعض المقالات والأبحاث إمّا إلى التقليل من طبيعة العلاقة بين الحوثيين وإيران، فتشكّك في وجود أية روابط، وذلك بهدف التقليل من المخاوف السعودية، فتصبح حربها باليمن غير ضرورية، وفي المقابل طرف آخر يقدم الحوثي كمجرد دمية لإيران، فتصبح الحرب السعودية حربًا بالوكالة ضد إيران في اليمن لأجل أمنها الاستراتيجي. بين الأمرين تكمن وقائع كثيرة تثبت أن الواقع يقع في المنتصف بينهما.

تباينات المذهب

في البداية يميل البعض للإشارة لطبيعة التباين المذهبي بينهما وهي أن الحوثيين زيود شيعة، وهي طائفة شيعية لا توجد إلا باليمن وتختلف عن طائفة إيران الاثني عشرية الشيعية التي توجد في عدة دول إسلامية مثل العراق وباكستان وغيرهم، لكن سكان إيران يشكلون الغالبية من أتباع هذه الطائفة.

ككل الشيعة لهم رواية سياسية مختلفة عن السنة في مسألة خلافة النبي السياسية ولديهم الحاكم السياسي هو صاحب مكانة دينية ويدعى إمام، ولكن الفارق أن “الاثني عشرية” يؤمنون بوجود تسعة أئمة من أبناء الحسين بن علي بن أبي طالب، وآخرهم اختفى وسيعاود الظهور، وبالتالي لا يوجد تصور عملي للحكم السياسي حتى ظهور الإمام الغائب، لكن “نظرية ولاية الفقيه” عالجت هذا الاختلال، أما الزيدية فمختلفة لأن الإمامة لم تنقطع بغياب الإمام، لأن أي أحد من أحفاد النبي محمد يمكنه أن يدعو للإمامة وكذلك تجيز الزيدية التمرد على الإمام الظالم(٧).

هناك فارقان جوهريان في المذهبين، أولهما أن إيران غالبيتها شيعية اثنا عشرية وهو مذهب اعتنقته الدولة الإيرانية في عهد الصفويين في القرن السادس عشر ضمن عملية إحياء للهوية القومية الفارسية، لذا أصبح هذا المذهب جزءًا من الهوية القومية الإيرانية، بينما المذهب الزيدي ينحصر وجوده باليمن في منطقة الشمال، أي شمال صنعاء وحولها، وهو مذهب منتشر في أراضي قبائل همدان فقط، أي هو مذهب مناطقي- قِبلي داخل اليمن، والمنطقة التي ينتشر فيها المذهب الزيدي تدعى باليمن الأعلى، وهو تقسيم قديم يسبق الإسلام ومختلف عن تقسيم اليمن الحديث لشمال وجنوب، وهذه المنطقة هيمنت على حكم اليمن منذ القرن السابع عشر حتى الآن(٨).

الفارق الآخر هو طبيعة دور المرجعية الدينية لكلا المذهبين، فالمرجعية الدينية بإيران تمتلك مصدرًا ماليًا مستقلًا، وهو الخمس الذي يدفعه المتدينون لرجال الدين، بينما المرجعية الدينية الزيدية مثل السنية مصادرها المالية مرتبطة بالسلطة السياسية، لذا تظل تابعة للسلطة، ولا تمتلك استقلالية.

بالطبع تعرضت المرجعية الدينية الزيدية للتهميش والتضييق بعد الثورة الجمهورية باليمن الشمالي عام ١٩٦٢م، ولم تعاود النشاط إلا بداية التسعينات بسبب انفتاح المجال العام والحريات السياسية التي اعتمدها النظام اليمني بعد الوحدة اليمنية عام ١٩٩٠(٩).

بعد ثورة إيران عام ١٩٧٩، بدأت السفارة الإيرانية في الثمانينات بتقديم دعوات لشباب يمني لزيارة إيران والتعرّف على تجربة الثورة الإيرانية، واجتذبت بالفعل الكثير من الشباب الزيدي أبرزهم محمد عزان وعبدالكريم جدبان وحسين الحوثي مؤسّس الحركة الحوثية، وكذلك زارها بعض علماء الزيدية مثل بدر الدين الحوثي والد حسين المؤسّس وعبدالملك القائد الحالي للجماعة.

بدأت خطب حسين الحوثي تجمع حوله أنصارًا وأتباعًا وتمثل هذه الخطب المرجعية الفكرية للحوثيين، كما توضح حجم تأثره الفكري بنموذج الثورة الإيرانية وفكرة القيادة السياسية ذات المشروعية الدينية، وعادة كان يستشهد بالخميني ويقدمه كنموذج لمقاومة الاستعمار، وكذلك حسن نصر الله، وفي ذات الوقت يعتبر عداوة صدام حسين لأمريكا مجرد تضليل لحرف أنظار الأمة عن قيادات المقاومة الحقيقية. ثم بدأ استعارة بعض شعارات الثورة الإيرانية مثل الموت لأمريكا والموت لإسرائيل. بالطبع من الضروري معرفة الفارق بين الخميني الذي كان يُعتبر عالمًا دينيًا في مذهب التشيع، بينما حسين الحوثي صاحب معرفة دينية وثقافية متواضعة جدًا، وهذا يظهر من الفارق الكبير في أداء الخطب وطريقة طرح الأفكار(١٠).

بدأت المواجهة المسلحة بين الحوثيين وقوات الدولة اليمنية عام ٢٠٠٣ م، ومنذ الجولة الرابعة للحرب عام ٢٠٠٧ م بدأت تظهر تأثيرات حزب الله بشكل تدريجي على أساليب قتال الحوثيين. وبدأت تظهر تسجيلات فيديو فيها عمليات عسكرية للحوثيين تماثل تلك التي كان يقوم بها حزب الله ضد إسرائيل. إضافة إلى أن تركيبة الحركة من الداخل تماثل نظيرها حزب الله مثل المكتب السياسي للقيادة، وكذلك الشكل التنظيمي للتيار العسكري للحركة. كل هذا يعزز من حقيقة أن الحوثيين على تواصل مع حزب الله وتلقوا تدريبًا من قِبَل حزب الله.

وأثناء حروب صعدة أصدر علماء الزيدية في ١٨ من شهر مايو ٢٠٠٤ م، بيانًا يقولون: إن الحوثية حركة لا تنتمي للزيدية بأي حال، وكان أبرز الموقعين العلامة الزيدي أحمد محمد الشامي الذي انضم للحركة الحوثية منذ عام ٢٠١١م، مما يوضح أن غالبية الموقعين عن البيان كانوا يحابون السلطة، وليس موقفًا يعبر عن موقف عقائدي حقيقي(١١).

لا شيء يثبت ما يشاع أن الحوثية حركة تحولت للاثني عشرية عقائديًا لكنها حركة زيدية متشددة في موقفها تجاه السنة، وهو تيار الجارودية الزيدي والذي يعتبر تيارًا زيديًا هامشيًا تاريخيًا في اليمن. هذا لا يمنع عملية تحول الكثير من اليمنيين من زيود للاثني عشرية بسبب ضعف المرجعية الدينية الزيدية بعد ثورة سبتمبر ١٩٦٢ م في الشمال.

التقارب الحوثي- الإيراني

 علاقة جماعة الحوثي بإيران تكشّفت خيوطها شيئًا فشيئًا في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، بدءًا من استقطاب قيادات الحركة ومناصريها وإرسالهم إلى قم الإيرانية للتعليم الديني، مرورًا بالدعم العسكري والمالي للجماعة المتمردة التي أرادت تحويلها إلى ذراع لها في جنوب الجزيرة العربية والسيطرة على مضيق باب المندب أحد أهم ممرات الملاحة في العالم.

الدعم الإيراني مكّن الحوثيين من خوض الحروب الست التي شنتها الحكومة عليها بين عامي ٢٠٠٤ ٢٠١٠(١٢).

بعد ثورة ٢٠١١م بدأت إيران بتكثيف حضورها باليمن من خلال دعوة نشطاء وشباب الثورة لزيارة إيران أو عقد بعض المؤتمرات المتعلقة بالثورة اليمنية في بيروت. ثم بعد توقيع المبادرة الخليجية في فبراير ٢٠١٢ م صار الحوثيون الفصيل المعارض، لأنه رفض المبادرة التي لم تشمله، وكانت اتفاقًا سياسيًا بين الحزب الحاكم (حزب المؤتمر الشعبي العام) وأحزاب المعارضة (أحزاب اللقاء المشترك)، لكن هذا لم يمنع الحوثي من المشاركة في مؤتمر الحوار الوطني الذي كان يعد ضمن العملية الانتقالية التي أقرتها المبادرة.

بعد انتهاء الحوار في يناير ٢٠١٤ م بدأت البلاد تدخل في حالة جمود سياسي وحدث تململ شعبي جراء تدهور الخدمات وضعف أداء الحكومة ورئيس الدولة، مما أعطى للحوثيين مساحة جيدة للتحرك والمعارضة (١٣).

سرعان ما بدأت البلد تدخل في أزمة سياسية حادة منذ معارضة الحوثي للجرعة السعرية الزائدة للوقود باليمن بعد إسقاطه لمحافظة عمران المحاذية للعاصمة صنعاء في يوليو ٢٠١٤ م، بعدها بدأوا اعتصاماتهم المسلحة داخل وحول العاصمة. ثم بدأت تجري المفاوضات بين الحكومة والجماعة الحوثية للوصول لاتفاق ولعبت فيه سلطنة عمان دور الوسيط، وصرّح بعدها المستشار السياسي للرئيس عبد ربه منصور الدكتور عبدالكريم الإرياني بأنه لم يكن يتم إقرار أي اتفاق أو ورقة دون الرجوع لطهران(١٤).

يصعب إنكار التدخل الإيراني في تلك المفاوضات، حيث كانت تتصور إيران أن الحوثي سوف يلعب ذات الدور الذي يلعبه حزب الله من خلال اتفاق السلم والشراكة حيث يتحكم بالعملية السياسية دون أن يتحمل مسؤولية الحكم بمفرده.

وتمثلت ذروة هذا الدعم خلال الانقلاب على الشرعية، حيث لم يجد الحوثيون حرجًا في كشف علاقاتهم بإيران التي تحولت إلى شريك استراتيجي، فهبطت الطائرات الإيرانية في مطار صنعاء محملة بعناصر الحرس الثوري، إضافة إلى مواد وتكنولوجيا عسكرية(١٥).

وتشير الاتهامات أن إيران قدمت دعما لوجستيا ملحوظا خلال حروب الحوثيين مع الدولة اليمنية إيمانًا منها بأهمية اليمن الذي يتجاوز فيه أتباع المذهب الزيدي ٣٠٪ في نشر ثورتها(١٦).

كما تشير التقارير المنشورة إلى أن السفارة الإيرانية قدمت لتنظيم (الشباب المؤمن) ٦٥٠ ألف دولار دعمًا نقديًا. كما أن إيران قد أنشأت جماعة الصمود ودعمته بحشد ودعم إعلامي تمثل في قنوات المنار، العالم، الاتجاه وبرس تي في، من أجل تسويق أفكارهم.

الغريب أن جماعة الحوثي لا تزال تظن ظنًا حسنًا بإيران رغم الفوارق في المذهب والأهداف، التي تؤكد أن إيران لن تدعم قيام دولة زيدية في اليمن، وإنما كل هذا الدعم كان امتدادًا طبيعيًا للمخطط الشيعي في المنطقة (١٧).

إن الثورة الشعبية في اليمن منحت الفرصة للحوثيين لتقديم أنفسهم بصورة جديدة غير الصورة المعهودة، واستطاعوا استقطاب شخصيات ورموز وكوادر سياسية من أطياف مختلفة.

باختصار الحوثي جماعة يمنية لا تسعي لدور إقليمي، وإيران ليست لديها مصالح تحافظ عليها باليمن، بل ترى فيها موضع قدم لساحة ترى فيها إيران جبهة استنزاف للسعودية دون أية مخاطر وبكلفة منخفضة.

دور التحالف العربي في اليمن

حمَّلت السعودية القضية اليمنية عبئًا على كتفها بعد أن سقطت صنعاء بيد المتمردين الانقلابيين، وانهارت الشرعية، وتجرأ الانقلابيون على تهديد الحدود السعودية بعد أن أخذتهم غطرسة التمكين وغرور القوة.

سيناريو مرعب كان سيحدث لليمن، والدول العربية المحيطة به، خاصة المملكة العربية السعودية، بالإضافة إلى الملاحة الدولية في مضيق باب المندب الاستراتيجي، لو استمر انقلاب الحوثي والمخلوع صالح، ولم تبادر قوات التحالف العربي لدعم الشرعية في اليمن بقيادة المملكة، بالتدخل لإنهاء الانقلاب، وذلك وفق تحليلات خبراء استراتيجيين(١٨).

في هذا الجانب، رسم أستاذ العلوم السياسية السابق في جامعة صنعاء الدكتور نجيب غلاب، والأكاديمي والسياسي اليمني الدكتور حسين بن لقور المشهد المتوقع للأحداث في اليمن فيما لو لم يتدخل التحالف لإنقاذ الشرعية في مارس ٢٠١٥ م(١٩).

استهل الدكتور نجيب غلاب حديثه بتذكر مشهد استيلاء المليشيات الحوثية على العاصمة اليمنية صنعاء وفرض السيطرة على مربعات السلطة، قائلًا: “حينها خرج مسؤولون إيرانيون بتصريح مفاده: (أصبحنا نسيطر على العاصمة العربية الرابعة).

وأضاف: “بعدها قام الحوثيون بمناورات عسكرية بالقرب من الحدود السعودية، تحمل رسائل ومؤشرات واضحة للجوار، ورأينا وفودًا حوثية تزور طهران وتوقع على عدة اتفاقيات مختلفة، تزامن ذلك مع رحلات طيران إيرانية يومية للعاصمة صنعاء، كل ذلك يدل على أن ما حدث هو مخطط إيراني عبر وكيل محلي هو الحوثي”.

ورأى غلاب الذي يرأس مركز الجزيرة للدراسات، أن المخطط الإيراني كان يرى اليمن المدخل الأهم لتصدير الثورة، وتكوين نظام متطابق مع النظرية الخمينية وجعل اليمن أهم المراكز الحيوية لصورتها بحكم موقعه الجغرافي ومركزيته في الهوية العربية.

وتابع أستاذ العلوم السياسية السابق في جامعة صنعاء: “لطالما كانت المملكة ودول الخليج العربي، تُشكل المنظومة العربية الأكثر قوة وحيوية وقدرة على مواجهة التدخلات الإيرانية في المنطقة، لذلك رأت إيران أن اليمن هو الخاصرة الرخوة لاختراق المجال العربي، والجغرافيا التي ستغير الصراع الجيو إستراتيجي في المنطقة”.

سيطرة إيران على اليمن – بحسب غلاب – يمنحها قوة تأثير على أمن الخليج العربي وبحر العرب وأمن البحر الأحمر، وبالتالي محاصرة السعودية ودول الخليج، وإضعاف تأثيرها في مواجهة تصدير النفوذ الإيراني، وتحكمه في المنطقة من العراق مرورًا بسوريا وصولًا لليمن(٢٠).

من جانبه، قال الدكتور حسين بن لقور الأكاديمي والسياسي اليمني: إنه “من الصعب جدًا تصور الوضع الإقليمي فيما لو نجح الحوثي في إحكام السيطرة على اليمن في ظل انهيارات متلاحقة تضرب الدول العربية لصالح عصابات ومليشيا طائفية دفعت بها إيران لإثارة الفوضى والسيطرة على بلدان عربية بأكملها سواء في العراق أو سوريا أو لبنان”(٢١).

واستطرد: “كم كان سيكون الوضع كارثيًا، لو نجح انقلاب الحوثي، وقوات المخلوع صالح، وفرض سيطرتهم على عدن، لكن إدراك دول المنطقة وخصوصًا دول الخليج العربي بقيادة المملكة العربية السعودية استدركت الأمر، واتخذت قرارها التاريخي بدعم الشرعية في اليمن الذي سجل مرحلة جديدة في مواجهة هذا التغلغل الإيراني في صنعاء”.

واتفق نجيب غلاب، أن التدخل من قِبَل قوات التحالف كان إجباريًا في ظل تعقد الملف اليمني، وأبعاده الداخلية والإقليمية وانتهازية المنظومة الدولية، وقال: “كان الأمر سيقود إلى فوضى طويلة أو تحكم نظام طغياني كهنوتي، تديره ولاية الفقيه الإيرانية عبر منظومة مليشاوية تعادي بالمطلق الخليج وبالذات المملكة، وتضعها على مستوى الأيديولوجيا والخطاب المعلن، وفي دوائرها المغلقة العدو الأول”.

وأكد الدكتور نجيب أن “التدخل العربي عبر تحالف واسع، كان استجابة طبيعية وتلقائية واستباقية، فهي استجابة لتهديدات ومخاطر مباشرة تهدد بقاء الدول وليس مصالحها وأمنها فحسب”.

العالم اليوم بدأ يزداد وعيًا بالدور الإيراني الهدام في المنطقة، بما في ذلك الدعم الإيراني لميليشيات الحوثي للسيطرة على اليمن، وإخضاعها للهيمنة الإيرانية، وتصريحات المسئولين الإيرانيين كانت معلنة تتفاخر بالسيطرة الإيرانية على عواصم عربية، وهو ما يعتبر نموذجًا حيًا يري العالم حقيقة مبدأ تصدير الثورة الذي تعتنقه إيران، والذي يتمثل في مخطّطات إيران للاستيلاء على الدول والسيطرة عليها بواسطة ميليشيات محلية مسلحة موالية لها تأخذ منها الدعم، وتعمل بأمرها، ما يمثل احتلالًا لهذه الدول بالوكالة، فإيران تسعى لاحتلال الدول عبر وكلاء هم في الحقيقة عملاء لها، يخدمون أجنداتها، وينفذون مشروعاتها الطائفية لإحداث تغييرات ديموغرافية خطرة تهدد البنية الأساسية للدول وتهدد سلامة المنطقة بأكملها وتحدث الفتن بين الشعوب.

لم يأتِ تدخل التحالف العربي في اليمن اعتباطًا، بل جاء لحماية المنطقة من خطر مهول لم تكن تحمد عقباه، فكانت «عاصفة الحزم» و«إعادة الأمل» عمليات إنقاذ ضرورية لإخماد حريق لو ترك كان سيكبر ويلتهم المنطقة بأسرها، وهي استجابة طبيعية تجاه الأطماع الخارجية المتمثلة في التغلغل الإيراني في المنطقة الذي يهدد مصائر دولها وشعوبها، كما أن تدخل التحالف جاء عبر طريق قانوني شرعي، استجابة للشرعية اليمنية الممثلة في الرئيس اليمني عبدربه منصور، واستنادًا إلى القوانين والمواثيق الدولية، وتلبية لتطلعات الشعوب العربية في بناء قوة عربية قادرة على حماية دولها وشعوبها من الأخطار والتحديات.

 النتائج:

  • وضعت إيران عينيها على اليمن منذ سنوات طويلة تعود إلى حقبة التسعينيات عندما استقبلت بدر الدين الحوثى، زعيم الحوثيين، ولقنته أصول المذهب الاثنى عشري في الحوزة العلمية بـ”قم” وجعلته يغير مذهبه من الزيدية إلى الاثنى عشرية، ومنذ ذلك الحين وحتى الآن يمثل اليمن في الفكر السياسي الإيراني أولوية كبرى؛ لأنه المكان الذي يتوافر فيه تحقيق ثلاث استراتيجيات طالما خطط لها صناع القرار في الدوائر العليا بمؤسسة المرشد علي خامنئي. الاستراتيجية الأولى:السيطرة على مضيق باب المندب- الاستراتيجية الثانية: توسيع دائرة التحالفات الشيعية- الاستراتيجية الثالثة: تهديد الأمن القومي العربي.

استغلال فرصة لتمكين التيار الشيعي  ضد التيار السني

تمكين المذهب الزيدى في البداية لمواجهة ما يصفه الزيديين بالوهابية

إخضاع حركة الحوثي لسياسة إيران واللعب بها لزعزعة استقرار المنطقة

تنفيذ النموذج اللبناني (حزب الله) في اليمن.

  • تهتدي الحركة الحوثية في حركتها بالنموذج الإيراني الثوري وتجربة حزب الله في لبنان.
  • ترتكز سياسة الحوثيين الآن في الحفاظ على المكتسبات التي حققتها.
  • تجاهل النظام السياسي السابق في اليمن للأبعاد المذهبية والفكرية لهذه الجماعة مثَّل ثغرة لتحقيق هذه القوى مخططاتها في اليمن وفي المنطقة.
  • كانت عاصفة الحزم ومن ثم عملية إعادة الأمل الضربة المناسبة للتغلغل الإيراني في جزيرة العرب، التي لولا الله سبحانه ثم تلك العاصفتان لكانت السفن الإيرانية ترسو في ميناء عدن وتتحكم في مضيق باب المندب الإستراتيجي، وتهدد الملاحة الدولية، والأمن والاستقرار في المنطقة والعالم
  • هذا المخطط الحوثي -الإيراني لو نجح كان من شأنه تطويق منطقة الخليج العربي، وتمكين المخالب الإيرانية الدامية من جسد هذا الجزء المهم من المنطقة العربية، وتهديد الاستقرار في المنطقة ككل تهديدًا مباشرًا على أعلى مستوى من الخطورة، وإدخالها في دوامة من الفوضى والاضطرابات، والعنف، والحروب الطائفية التي كانت ستمتد إلى دول المنطقة كلها. ومن المؤكد أن ما شاهدناه خلال هذه المدة من استهداف الحوثيين للأراضي السعودية بالصواريخ الباليستية، وروح العداء السافر التي أعلنوا عنها، ما هو إلا مثال حي لما كان سيحدث لو تمكن الحوثيون من احتلال اليمن، والسيطرة على مؤسساتها العسكرية ومقدراتها، وخطورة ذلك على الأمن الخليجي، والعربي، وعلى السلام والاستقرار في العالم.

قائمة المصادر والمراجع

إيران والحوثيون مراجع ومواجع: أحمد أمين الشجاع، مركز البحوث والدراسات، الطبعة الأولي ، البيان 1434هـ.

الدور الإيراني في اليمن وانعكساته على الأمن الإقليمي: محمد حسن القاضي، مركز الخليج العربي للدراسات الإيرانية. إيران والحوثيون مراجع ومواجع: أحمد أمين الشجاع، مركز البحوث والدراسات، الطبعة الأولي ، البيان 1434ه.

الحوثيون وإيران: تحالفات السياسة وتوترات المذهب: ميساء شجاع الدين،

 https://www.opendemocracy.net/

حدائق الأحزان : مصطفى اللباد، مكتبة الشروق، القاهرة.

خيوط الظلام: عبد الفتاح البتول، صنعاء، مركز الحمير للدراسات.

 ماذا لو لم يتدخل التحالف العربي: أمل عبدالعزيز الهزاني، الشرق الأوسط، 28/3/2017م.

صحيفة الميثاق 25/6/2007م

صحيفة سبق 24/2/2017م

السياسة الدولية 28/2/2017

التقرير الاستراتيجي اليمني 2004م: المركز اليمني للدراسات الإستراتجية.

اليمن حرب صعدة الثالثة: مركز الخليج العربي للدراسات والبحوث.

من هم الحوثيون وما هي مطالبهم؟: بوعلام غبشي، فرانس24.

لكي لا ننسي: الحوثيون وصناعة الموت: سفيان العمراني،

Dresch, Paul. (1989). Tribes, government, and history in Yemen. Oxford: Clarendon Press. Ch1.

Salmoni, Barak A., Bryce Loidolt, and Madeleine Wells. Regime and periphery in northern Yemen: the Huthi phenomenon. Santa Monica, CA: National defense research institute (RAND), 2010.

ارقام الهامش :

١- من أنزل الحوثيين من جبال صعدة وأوصلهم إلى دار الرئاسة اليمنية: صحيفة العرب ،22/1/2015م .

٢ – إيران والحوثيون مراجع ومواجع: أحمد أمين الشجاع، مركز البحوث والدراسات، الطبعة الأولى، البيان 1434ه.ص 65-75 .

٣ – إيران والحوثيون مراجع ومواجع: أحمد أمين الشجاع، ص 121-125.

٤ – “الحوثيون”.. ربع قرن من الفتن والتمرد لتنفيذ أجندة خارجية في المنطقة، صحيفة سبق، 26/3/2015م .

٥ – إيران والحوثيون مراجع ومواجع: أحمد أمين الشجاع، مركز البحوث والدراسات. ص 121-125.

٦ – الحوثيون وإيران: تحالفات السياسة وتوترات المذهب: ميساء شجاع الدين،

https://www.opendemocracy.net

٧ – الحوثيون وإيران.. تحالفات السياسة وتوترات المذهب: ميساء شجاع الدين،

 https://www.opendemocracy.net/

٨ – الحوثيون وإيران.. تحالفات السياسة وتوترات المذهب: ميساء شجاع الدين،

 https://www.opendemocracy.net/

٩ – الحوثيون وإيران.. تحالفات السياسة وتوترات المذهب: ميساء شجاع الدين : 1/5/2017م،

https://www.opendemocracy.net

١٠ – الحوثيون وإيران: تحالفات السياسة وتوترات المذهب: ميساء شجاع الدين،

 https://www.opendemocracy.net/

١١ – حروب الحوثيين الست: الجزيرة ، 21/10/2009م ،

http://www.aljazeera.net/news/reportsandinterviews/2009/10/21/%D8%AD%D8%B1%D9%88%D8%

١٢ – التقرير الاستراتيجي اليمني 2004م: المركز اليمني للدراسات الإستراتجية.

١٣ – العلاقة بين الحوثيين وإيران، موقع محيط، ، 26/8/2016م،

 http://almoheet.net/%d8%a7%d9%84%d8%b9%d9%84%d8%a7%d9%82%d8%a9-%d8%a8%d9%8a%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d9%88%d8%ab%d9%8a%d9%8a%d9%86-%d9%88%d

١٤ – من هم الحوثيون وما هي مطالبهم؟ بوعلام غبشي، فرانس24.

١٥ – اليمن حرب صعدة الثالثة: مركز الخليج العربي للدراسات والبحوث..

١٦ – إيران والحوثيون مراجع ومواجع: أحمد أمين الشجاع، مرجع سابق .

١٧ – المرجع السابق: ص 245.

١٨ – ماذا لو لم تتدخل قوات التحالف العربي لدعم الشرعية في اليمن؟: سبق :14/2017م،

https://sabq.org/%D9%85%D8%A7%D8%B0%D8%A7-%D9%84%D9%88-%D9%84%D9%85-%D8%AA%D8%AA%D8%AF%D8%AE%D9%84-%D9%82%D9%88%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%AD%D8%A7%D9%84%D9%81-%D8%A7%D9%84%D8

١٩ – ماذا لو لم تتدخل قوات التحالف العربي لدعم الشرعية في اليمن؟: أسمهان الغامدي، جريدة الرياض الإلكترونية، 15/2/2017م،

٢٠ –  http://www.alriyadh.com/1571167

٢١ -كل ما يخص الشأن اليمني: موقع سبلة عمان،

http://avb.soman.net/showthread.php?t=2666233&page=12&s=b9db343f6a1c334e20d1cf375756c0b4، http://www.alriyadh.com/1571167

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق