الدراسات

انتفاضة التي اعقبت غلاء الوقود: أثر الصراع الأمريكي ـ الإيراني على أوضاع طهران الداخلية

هدفت الولايات المتحدة الأمريكية من عقوباتها على إيران إلى زعزعة الاستقرار الداخلي في طهران، على أساس أن تردي الأوضاع الاقتصادية المترتبة على العقوبات سيؤدي إلى تزايد النقمة الشعبية ضد النظام؛ ما يدفع المجتمع إلى القيام بموجات انفجار اجتماعي تزيح النظام وتسقطه، من دون الحاجة إلى الطرق التقليدية في إسقاط الحكومات عن طريق العمليات العسكرية، أو تمويل حركات انقلاب داخلية، أو حتى تقوية مراكز إحدى جبهات المعارضة.

ولئن أعلن الرئيس ترامب في غير مرة أنه لا يستهدف إسقاط النظام([1])، وهو الأمر نفسه الذي شدد عليه مستشاره “المُقال”([2]) للأمن القومي جون بولتون([3])، إلا إن الخبرات التاريخية للتعاطي الأمريكي مع مثل تلك الحالات تشي بأن العقوبات في صيرورتها النهائية تؤدي إلى إسقاط النظام بفعل النقمة الاجتماعية الداخلية.

أولا: الموقف الداخلي من تصاعد الصراع مع الولايات المتحدة

مع انتخاب الرئيس دونالد ترامب المعروف بخطابه المعادي للنظام الإيراني الثيوقراطي، وبعد خروجه أحادي الجانب من الاتفاق النووي يوم الثلاثاء الموافق ٨ مايو ٢٠١٨م، ثم توقيعه عددا من حزم العقوبات على إيران وتصنيفه الحرس الثوري منظمة إرهابية، ارتبك الداخل الإيراني وانقسم بين فريقين أحدهما يرى بضرورة التهدئة والذهاب الفوري إلى الحوار مع واشنطن؛ تجنبا لمزيد من الصدام والخسائر الاقتصادية والاستراتيجية، بينما مال فريق آخر إلى التصعيد والتصادم، وهو ما تم بالفعل.

اختلاف حول التفاوض مع واشنطن

وترتب على ذلك ليس فقط حسم الخيار الاستراتيجي الإيراني على المستوى الأعلى في التصعيد مع الولايات المتحدة الأمريكية، بل تجاوز ذلك إلى حدوث نقاش داخلي حول ما إذا كان يجب السعي إلى إجراء مباحثات جديدة مع واشنطن وكيفية القيام بذلك، لكن الملاحظ أن الذي يقود جبهة التصعيد هو المرشد الأعلى، معتل الصحة، آية الله علي خامنئي، الذي وجّه في غير مرة انتقادات واسعة إلى كل من الرئيس حسن روحاني ووزير الخارجية محمد جواد ظريف لجنوحهما إلى التهدئة، ولعل هذا كان أحد أهم أسباب لجوء ظريف إلى خيار الاستقالة المدوية في ٢٥ فبراير ٢٠١٩.([4])

هذا التوجه السياسي فاقم من الصراع الداخلي بين معسكر ما وُصف بأنه دبلوماسية التسول([5])  (سعد آباد + الخارجية) الذي يرى بضرورة التهدئة والتفاوض، وبين معسكر بيت القيادة (مؤسسة المرشد + الحرس الثوري) الذي يريد الوصول إلى حافة الهاوية مع الولايات المتحدة، مستخدما في ذلك كل وسائل القوة المتاحة وتموضعه الجيوستراتيجي عند مضيق هرمز.

ولعل برهان ذلك الاتهامات المتواصلة من خامنئي إلى روحاني وظريف بالوقوع “ضحية لخداع الأمريكيين” خلال المفاوضات النووية التي استمرت من أغسطس ٢٠١٣ حتى يوليو ٢٠١٥، لأنه لم يكن من الجدير بإيران الوثوق بإدارة أوباما أو إجراء محادثات مع واشنطن أساسا، وهو الخطاب الذي يردده أغلب خطباء جمعة طهران في كل أسبوع، ولذلك أصبح واضحا أن خامنئي لم يكن يدرك إدراكاً تاماً أن الاستضافة الفرنسية لوزير الخارجية محمد جواد ظريف في قمة مجموعة الدول السبع ستتحول إلى جهد باريسي رفيع المستوى لاستئناف المحادثات، خاصة أن ظريف نفسه رغم خطابه الهجومي على واشنطن، إلا أنه يؤمن بجدوى التفاوض المباشر كبديل للخيارات الأخرى.([6])

وعندما نشر مراسلو وكالات الأنباء تقاريهم من فرنسا حول رد ترامب الإيجابي إزاء عقد اجتماع محتمل مع جواد ظريف أو حتى مع حسن روحاني في نيويورك، بمباردة فرنسية من الرئيس إيمانويل ماكرون، بدا خامنئي وكأنه يصد “صانعي السلام” الإيرانيين، وهو الأمر نفسه الذي كرره مرارا عندما حذر رجال دولته من أن المفاوضين الأمريكيين “يخفون الخناجر وراء الظهور”.([7])

وقد تبنى التلفزيون الإيراني هذا النهج وبث فيلما وثائقيا بعنوان “الذرة” هاجم فيه المفاوضين والدبلوماسيين الإيرانيين واتهمهم بالخيانة، الأمر الذي أدى إلى حدوث حالة من حالات الانشقاق والانقسام ليس فقط حول السياسات الخارجية العامة للبلاد؛ ولكن حول جدوى اتهام المخالفين في الرأي بتهم الفساد في البرلمان. وبرزت من تلك الجبهة النائبة في مجلس الشورى الإيراني “البرلمان” طيبة سياوشي، التي قادت جانبا من المعارضة الداخلية لتوجهات السياسة العليا في البلاد، ورأت أن هذا الاتهام يصب في خانة إضعاف الفريق الدبلوماسي المفاوض في الشأن النووي، ما من شأنه أن يضر بمصالح البلاد الاقتصادية والاستراتيجية.([8])

كذلك رأى قطاع من الكتب والمحللين الإيرانيين أنه على الرغم من الثناء الدولي على جهاز السياسة الخارجية الإيرانية، فإن التيارات الحساسة داخل البلاد لا تريد رؤية نجاح البلاد في الساحة الدولية وتحاول أن تدمر ظريف وزملاءه. فيوما يصفونه بأنه ضعيف ومهزوم، ويومًا آخر يزيدون من الانتقاد حد اتهامه بالخيانة والتجسس. ومن غير الواضح أنهم لا يعرفون ما تعنيه المصالح الوطنية وما يرون أنه كرامة البلد.([9])

هذا الانتقاد الحاد للدوائر الأمنية العليا في إيران بلغ حد أن قال السياسي الإصلاحي والأستاذ الجامعي أحمد شيرزاد “إن أداء الدبلوماسية والسياسة الخارجية للبلاد على مدى السنوات الخمس الماضية كان على درجة أنه إذا طُلب من أي مراقب للدبلوماسية أن يكون محايدًا بشأن أداء الجهاز الدبلوماسي، فسوف يتم الإشادة به بالتأكيد. لذلك إذا كنا نريد أن نحكم بنزاهة وعدالة، فقد كان ظريف ورجاله في جهاز السياسة الخارجية قادرين على اجتياز العصر الذهبي للسياسة الخارجية في الجمهورية الإسلامية. وليس سراً أن وزير الخارجية الإيراني يتمتع بمكانة عالية في الساحة الدولية بفضل دبلوماسيته الذكية واليوم في عهد ظريف نرى أن الدول الأخرى على اتصال دائم بطهران أكثر من أي وقت مضى.([10])

التعاطي مع العقوبات الأمريكية

لم يقف الخلاف والانشقاق عند هذا الملف، بل تجاوزه إلى ملفات أخرى ومنها التعامل الرسمي مع العقوبات الأمريكية، وبرزت في مراكز الدراسات والتحليلات السياسية في الصحف توجهات تُحمِّل الحكومة مسؤولية تردي الأوضاع المعيشية للمواطنين وقالت إن الفساد الداخلي أشد أثرا على البلاد من العقوبات التي فرضها دونالد ترامب اعتبارا من أغسطس ٢٠١٨.

الأهم من ذلك اتهام الحكومة بأنها تعيش في حالة من التراخي واللا مبالاة والصمت إزاء التعامل مع العقوبات وعدم البحث عن بدائل تحد من تداعياتها الكارثية، وفي ذلك رأى عدد من المحللين والكتاب الإيرانيين أن أداء الحكومة حتى نهاية عام ١٣٩٦ش (فبراير ٢٠١٧م) كان يبعث على الرضا النسبي للشعب وكان هذا في حد ذاته استجابة لكل المطالب الشعبية بعد أزمات الاقتصاد في العهود السابقة، ولكن مع احتجاجات يناير في تلك السنة التي بدأت بها بعض التيارات الداخلية، تغيرَ الوضعُ، واستثمرت الولايات المتحدة تلك الظروف للقيام بإجراءات عقابية ضد إيران من جانب واحد، واستهدفت العقوبات الاقتصاد الإيراني مرة أخرى، وعليه ازداد السخط العام مع تدهور سبل المعيشة.([11])

ومع انتشار الاحتجاجات، خرج الناطق الرسمي باسم الحكومة، الذي كان يترأس في الوقت نفسه منظمة التخطيط والميزانية، وقال إن كل تلك المطالبات الشعبية جسيمة لدرجة تجعلها غير قابلة للتنفيذ في وقت واحد، وهو ما أدى إلى استمرار تقاعس الحكومة عن التعامل مع العقوبات لمدة عام كام، سواء في وسائل الإعلام، حتى أوائل عام ١٣٩٨ش (٢٠١٩م) عندما قرر الرئيس حسن روحاني أخيرًا تعيين علي ربيعي، متحدثا رسميا للدولة، ومع تعيين ربيعي، تغيرت الأمور قليلاً، واستجابت الحكومة إلى النقد الشعبي بذكاء أكبر، ومع ذلك، لا تزال الحكومة صامتة بشأن المضي قدما في التعامل الجاد مع العقوبات.([12])

ليس هذا فحسب، بل وصف بعض المحللين والكتاب الحكومة بأنها “مجموعة من أصحاب السلطة غير المسؤولين”، ففي الوقت الذي تواجه فيه البلاد مشاكل في السياسة الداخلية والخارجية، يحاول السياسيون الاكتفاء بالبحث عن مخرج من الوضع الحالي، ويعتقد البعض منهم أن الوضع ليس حرجًا ويمكن إدارته من دون رفع العقوبات، ومن دون فتح المجال للتفاوض مع الولايات المتحدة الأمريكية.

على سبيل المثال: يرى السياسي الإصلاحي، سيد مصطفى تاج زاده، أن الحل الوحيد للخروج من الوضع الاقتصادي المتردي الحالي لإيران هو اعتماد استراتيجية “أقصى شراكة” في مواجهة السياسة الأمريكية القائمة على “أقصى ضغط”، كما أن المشكلة الكبرى لدى الحكومة الإيرانية أنها لا تشعر بأن هناك أزمة يجب التعامل معها فورا لوقف معاناة الناس المعيشية.([13])

وإزاء التصعيد الأمريكي في مجال العقوبات أصبح مجتمع السياسات الإيرانية منقسمًا حول سبل مواجهتها، وتولدت نظرتان حول وجود ـ أو عدم وجود ـ أزمة من الأساس وهما:

الأولى: تقبل وجود بعض المشاكل ولكنها لا تعتبر الموقف حرجًا، وتعتقد هذه الفئة أن جميع المجتمعات تتعامل مع مثل هذه المشكلات في مجالات الاقتصاد والسياسة الداخلية والسياسة الخارجية، وبالتالي لا يمكن أن يوصف الوضع الحالي بأنه “أزمة”.

الثانية: أن البلاد تواجه مشاكل خطيرة وأن تراكم هذه المشاكل قد يسبب أزمة كبيرة على المديين المتوسط والبعيد، والأخطر من كل ذلك أن النقطة التي يتجاهلها كثير من السياسيين الذين يمليون إلى أصحاب الرأي الأول هي: أهمية “الشعور بالأزمة”، ذلك أن أغلب التعاطي الحكومي مع مشاكل المواطنين يتسم بعدم المسؤولية واللا مبالاة.([14])

الاتفاق النووي واحتجاز السفن

امتد الخلاف الداخلي في التوجه السياسي الخارجي ليشمل مسألة خفض إيران التزاماتها تدريجيا إزاء خطة العمل الشاملة المشتركة JCPOA “الاتفاق النووي”، ومدى جدواه، خاصة أن الخطوات الثلاث التي تمت في الأيام الأولى لأشهر مايو، ويوليو، وسبتمبر ٢٠١٩م، لم تسفر عن إجراء دولي/ أوروبي ذي بال، كما أنها زادت من تشديد واشنطن عقوباتها على طهران في أكثر قطاعاتها الاستراتيجية والاقتصادية حساسية، وعلى رأسها النفط والبتروكيماويات وتجارة المعادن وتشغيل الموانئ والتأمين وإعادة التأمين، والأهم من ذلك كله، هو الإضرار الجسيم بسمعة المؤسسة العسكرية الأبرز في البلاد، من خلال تصنيف الحرس الثوري منظمة إرهابية، وأخيرا وضعْ المرشد علي خامنئي، ووزير الخارجية محمد جواد ظريف، على قوائم العقوبات والتعامل معهما كشخصيتين إرهابيتين محظورتين.([15])

وبالرغم من الاعتراض المجتمعي على الخطوات الثلاث باعتبارها استفزازا للمجتمع الدولي والولايات المتحدة الأمريكية على سبيل التحديد، وتقويضها جهود الوساطة الأوروبية، إلا أن هناك أصواتا رأت بجدوى تلك الخطوات وقالت إنها تأخرت كثيرا وكان يجب على إيران أن تخرج من الاتفاق النووي جملة واحدة بمجرد خروج دونالد ترامب من الاتفاق في مايو ٢٠١٨ وأن البلاد تمهلت كثيرا قبل القيام بهذه الخطوة.([16])

الأمر نفسه انسحب على الصراع مع بريطانيا في وقائع احتجاز السفن، فبينما رأى جانب من مجتمع الخبراء في إيران بعدم جدوى التصعيد مع بريطانيا بحكم أنها إحدى الدول الأوروبية المؤيدة لإيران، والتي تعمل على تفعيل الآلية المالية الغائية SPV وأنه ليس من المفيد في هذا الوضع التعامل الصلب معها، رأى جانب آخر من السياسيين أن الإجراءات الإيرانية باحتجاز سفن تابعة لبريطانيا أعاد المجد القومي والكرامة الوطنية إلى الأمة الإيرانية، التي رأت بريطانيا وأمريكا في حالة من “الذل والمهانة والضعف”.([17])

على هذا النحو يمكن القول إن أكثر القضايا حساسية في السياسة الخارجية الإيرانية انعكست على الأوضاع الداخلية، وأظهرت بونا حادا وتناقضا كبيرا في ردات الفعل، خاصة حول السياسة المثلى الواجب على طهران اتباعها للتعاطي مع تلك الملفات، ومن خلال تلك الحالة يمكن التنبؤ بمزيد من الانشقاق الداخلي في البنى السياسية والفكرية الإيرانية في المراحل المقبلة، خاصة إذا أقدمت طهران على خطوات تصعيدية مع الإدارة الأمريكية أو مع الأطراف الأوروبية والأسيوية الوسيطة، وأخيرا إذا أقدمت على الخطوة الرابعة في سيرورة خفض التزاماتها إزاء الاتفاق النووي مطلع نوفمبر ٢٠١٩.

ثانيا: إجراءات إيران لتفادي سقوط النظام إزاء الصراع مع أمريكا

في ضوء شعور النظام الإيراني بالانشقاق الداخلي على خلفية جملة تلك التطورات المتلاحقة، وكي يتفادى السقوط أو تعرض البلاد لموجات احتجاجية عارمة أخرى على غرار خبرة انتفاضة ديسمبر ٢٠١٧/ يناير ٢٠١٨م، اتخذت طهران إجراءات عدة للحد من التداعيات الكارثية لحزم العقوبات الأمريكية.

حملات القضاء على الفساد

اعتمدت إيران سياسة حملات القضاء على الفساد رامية من وراء ذلك إلى تهدئة الرأي العام الداخلي، وشملت تلك الحملات عددا كبيرا من المسؤولين متوسطي الدرجات الوظيفية أو مسؤولين كبار أو أبنائهم، ولعل آخر من شملتهم تلك الاتهامات، السيدة “شبنم” ابنة محمد رضا نعمت زاده، وزير الصناعة والمناجم والتجارة السابق، التي تم إعلان إلقاء القبض عليها يوم الأحد ٨ سبتمبر ٢٠١٩ م، بتهم فساد واستغلال نفوذ والدها إبان وجوده في موقع المسؤولية، كما اتهمت في واقعة “بانک سرمایه”، واتهمت كذلك بالاشتراك في مافيا لاحتكار سوق الأدوية وجني ملايين الدولارات بالطرق غير القانونية، وصدر بحقها قرار اعتقال.([18]

لكن أهم من شملتهم تلك الحملات، هو: أحمد عراقجي، معاون محافظ البنك المركزي الإيراني لدائرة العملات الأجنبية، الذي اتهم بالتلاعب بسعر الصرف والاتجار في العملات الأجنبية بالسوق السوداء، ومن الملاحظ أن الرجل أدلى بحوار إلى وكالة أنباء فارس ـ إحدى ذراعين إعلاميتين لمؤسسة الحرس الثوري ـ واتهم الرئيس حسن روحاني، وأمين عام مجلس الأمن القومي الإيراني، “الأحوازي” علي شمخاني، بأنهما هما اللذان حضاه على هذا السلوك.([19])

الملاحظ أن تلك الحملات بدأت في وقت مبكر، حتى قبل خروج الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من خطة العمل الشاملة المشتركة، ومن الواضح أن النظام الإيراني كان مستعدا لتطبيق تلك الاستراتيجية، من خلال إلقاء القبض على مسؤولين كبار في مؤسسة الحرس الثوري، وفق ما قاله نائب رئيس مجلس الشورى (البرلمان) علي مطهري، حين أكد في مقابلة مع صحيفة لوموند الفرنسية، اعتقال عدد من كبار قادة الحرس الثوري بتهمة الفساد المالي والاقتصادي. وقال علي مطهري في المقابلة التي أعاد نشرها من خلال موقعه الرسمي على الإنترنت إن “اعتقالات تمت في الحرس الثوري في إطار حملات التطهير الحكومية داخل المؤسسة”، على الرغم من أن نائب رئيس دائرة استخبارات الحرس الثوري، حسين نجات، وصف التقارير التي تناولت اعتقال عدد من جنرالات الحرس، بأنها “تزييف وكذب من بعض وسائل الإعلام المنتمية للعدو”.([20])

وترتب على تلك السياسات شمول الحملات عدد من رجال الدين كذلك، ومنهم مسؤولين من رجال الدين بالعاصمة طهران، بتهمة الفساد المالي. وقد اعتقلت السلطات الأمنية مدير الأوقاف الدينية بالعاصمة طهران، الشيخ غلام رضا محمد زاده، الذي يعد من أهم الشخصيات المقربة من الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد، إلى جانب مسؤول مكتبه، بسبب اتهامات بالفساد، بالإضافة إلى مدير أوقاف مقاطعة لواسان، رجل الدين مجيد كيياي، ورجل الدين مهدي زين علي مدير أوقاف مقاطعة شميرانات التابعة لمحافظة طهران، بتهم مماثلة.([21])

وفي الأشهر الأخيرة أصدر المدعي العام بطهران قرارا بالقبض على ٢٨٢ متهماً، وحظر ٨٦٠ شخصا من السفر، وإصدار ١٣٨ لائحة اتهام، ومقاضاة ١٢١ آخرين، على خلفية قضايا فساد، شملت ١٣ شخصاً في ملف صناعة البتروكيماويات و ٢٩ في ملف تجارة العملات، و ٤ أشخاص في ملف تجارة اللحوم والمطاط، و ٨ في ملف الجمارك، و ٢٠ آخرين في ملف استيراد السيارات وتسجيل المركبات. وفي أغسطس ٢٠١٩ اعتقلت السلطات الإيرانية النائبين في البرلمان، فريدون أحمدي، ومحمد عزيزي بتهمة “تعطيل سوق السيارات” بسبب قضايا فساد ورشاوى واختلاس.([22])

كما ألقت السلطات في إيران القبض على رئيس منظمة الخصخصة في طهران لتورطه بقضايا فساد مالي، بالرغم من كونه يحظى بحماية الرئيس حسن روحاني نفسه، وهو الذي رفض مثوله أمام البرلمان في مايو الماضي للمساءلة حول قضايا الفساد المتهم فيها.([23])

سياسات ومسارات موازية

الواقع أن النظام الإيراني لم يكتف بهذه السياسة لإثبات مواجهته الفساد المترتب على الأزمات الاقتصادية في ضوء العقوبات الأمريكية التصاعدية، بل لجأ إلى عدد من السياسات الأخرى الموازية لتلك الحملات ومنها: التصعيد البالغ ضد الولايات المتحدة الأمريكية دعائيامن خلال حشد وسائل الإعلام لمهاجمة ليس فقط شخص الرئيس ترامب ووصفه بالمجنون والهمجي والأحمق، بل الهجوم الشامل على الولايات المتحدة الأمريكية ووصفها بأنها بلاد الخروج من المفاوضات ونكص العهود ونكثها.([24])

إلى جانب ذلك لجأت إيران إلى إجراءات زعزعة الاستقرار الملاحي في مضيق هرمز وجنوبي الخليج العربي وشمالي خليج عمانوشهدت الشهور التي تلت إعلانها بدء تقليص التزاماتها في الاتفاق النووي عددا من العمليات التخريبية للناقلات، صحيح أنها لم تعلن مسؤوليتها عن تلك الوقائع، غير أن كل المؤشرات تشي بأن إيران هي التي قامت بها من خلال استعادة خبرات حرب الناقلات في الثمانينيات، ووقتها لم تعلن طهران عن مسؤوليتها فيها، إلا بعد أن قامت البحرية الأمريكية بالتقاط مقاطع مصورة لزوارق عليها عدد من عناصر الحرس الثوري بينما يزرعون المتفجرات في بطون الناقلات.([25])

ويلاحظ كذلك اعتماد إيران على مسار موازي آخر وهو إبقاء الباب مفتوحا أمام محاولات الوساطة الدولية والإقليمية محققة من وراء ذلك، أولا: الحفاظ على استدامة وجودها كجزء من المعادلة الدولية، وثانيا: توجيه رسائل إلى الرأي العام الداخلي أنها دولة مرغوبة من المجتمع الدولي وأنها قبلة رؤساء الدول والحكومات ووزراء الخارجية حول العالم، ما يعني اللعب على العامل القومي وتغذية الشعور بالكبرياء الوطني لمداراة الآثار المترتبة على العقوبات الأمريكية والصدام مع واشنطن في الخليج العربي.

جملة ما أعلاه أن الصراع الأمريكي ـ الإيراني أثر تأثيرا بالغا على الأوضاع السياسية الداخلية في طهران، وأجبر النظام الإيراني على اعتماد سياسات داخلية وخارجية هدفها الحد من الآثار الكبرى المترتبة على الارتطام بالولايات المتحدة الأمريكية، ومن المرشح أن تتفاقم تلك المشكلات الداخلية ويزيد الانشقاق السياسي والفكري حول جدوى الصدام مع واشنطن ونجاعة الإجراءات الحكومية لمواجهة تداعيات هذا الصدام.

محمد محسن أبو النور: من مصدرها المنتدى العربي للسياسات الإيرانية

ـــــــــــــــــــــــ

([1]) ترامب: لا نسعى لتغيير النظام في إيران ونرحب بجهود اليابان للوساطة، روسيا اليوم، الاثنين، 27 مايو 2019م، ويمكن مطالعة التقرير من خلال الرابط التاليhttp://bit.ly/2m8GSEZ

([2]) مساء الثلاثاء 10 سبتمبر 2019م، أعلن الرئيس دونالد ترامب من خلال حسابه الرسمي على موقع تويتر للتغريدات المصغرة إقالة مستشاره للأمن القومي جون بولتون، لكن بولتون دوّن بعدها على الموقع نفسه أنه هو الذي عرض الاستقالة على الرئيس وليس العكس.

([3]) واشنطن: لا نسعى لتغيير النظام في إيران، الحرة، الأربعاء 22 أغسطس 2018م، يمكن مطالعة التقرير من خلال الرابط التاليhttps://arbne.ws/2m8G2bj

([4]) استعفای ظریف؛ ‘از نظر روحانی جمهوری اسلامی یک وزیر خارجه دارد’، بى بى سى فارسى، 07 اسفند 1397ش، لینک خبر آنلاینhttps://bbc.in/2kAGRcl

([5]) دبلوماسية التسول، هو اصطلاح أطلقه رئيس منظمة الدفاع المدني الإيراني البرجادير، علام رضا جلالي، في العام 2013 إبان المباحثات النووية وعاد إلى الواجهة مؤخرا في الصحافة الإيرانية الرسمية التابعة لمكتب المرشد تعبيرا عن رفض نوايا حسن روحاني الذي أعرب عن استعداده للجلوس مع ترامب على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة سبتمبر 2019.

([6]) Carmi, Omer, Is Iran Negotiating Its Way to Negotiations?, policywatch 3172, washington Institute, August 30, 2019.

([7]) Ibid.

([8]) سياوشي، طيبة، نظام و عملكرد صداوسيما، اعتماد، یکشنبه ۱۷ شهریور ۱۳۹۸ش.

([9]) شجاعی، حمید، مذاکره با آمریکا پرستیژ ملی را خدشه‌دار می‌کند، آرمان ملی، ۱۳ شهريور ۱۳۹۸ش، شماره: 533.

([10]) منبع گذشته.

([11]) سپهوند، حجت، سكوت در برابر تخريب‌ها؛ انفعال‌ ادامه دارد، آرمان ملی، شماره: 529، 9 شهريور 1398ش.

[12]) منبع گذشته.

([13]) لطف‌الهی، محمد حسین، آنها كه اختيار دارند پاسخگو نيستند، آرمان ملی، ۱۷ شهريور ۱۳۹۸ش، شماره: 536.

([14])  منبع گذشته.

([15]) آمریکا رهبر ایران و دفتر او را تحریم کرد، بى بى سى فارسى، 03 تیر 1398ش. لینک خبر آنلاینhttps://bbc.in/2m890YB

([16]) كريمى، علی اکبر، مزایای کاهش گام به گام تعهدات برجامی از سوی ایران، مرکز پژوهش ها مجلس شوراى اسلامى، 17 شهريور 1398ش. لینک خبر آنلاینhttp://bit.ly/2kCNYko

([17]) ادیانی، سید علی، توقیف کشتی انگلیسی بزرگترین شوک سیاسی و امنیتی، مرکز پژوهش ها مجلس شوراى اسلامى، 6 شهريور 1398ش. لینک خبر آنلاینhttp://bit.ly/2lMUh5q

([18]) شبنم نعمت زاده بازداشت شد، ايلنا، دوشنبه یکشنبه ۱۷ شهریور ۱۳۹۸ش، لینک خبر آنلاینhttp://bit.ly/2kBRDiy

([19]) فساد در إيران.. متهم فساد ارزی در ایران می‌گوید با دستور روحانی و علی شمخانی اقدام کرده است، مرداد ۲۷, ۱۳۹۸ ش، صداى آمريكا. لینک خبر آنلاینhttp://bit.ly/2lKuHxA

([20]) مطهری موضوع دستگیری چند فرمانده سپاه به اتهام فساد مالی را تأیید کرد، راديو فردا، 1 مهر ۱۳۹۶.  لینک خبر آنلاینhttp://bit.ly/2kqNrlM

([21]) مدیرکل اوقاف استان تهران توسط نیروهای امنیتی و قضائی بازداشت شد، خبرگزاری دانشگاه آزاد اسلامی، سه شنبه ۳۰ بهمن ۱۳۹۷ش. لینک خبر آنلاینhttp://bit.ly/2kDvNLB

([22]) حسين، عامر، فتح ملفات الفساد مستمر بإيران.. اعتقال 282 وحظر سفر 860، العربية نت، 3 مارس 2019. رابط التقريرhttp://bit.ly/2lGi46Q وانظر: حميد، صالح، اعتقال نائبين بإيران بتهم فساد واختلاس.. ونشطاء: مسرحية، العربية نت، 23 أغسطس 2019. رابط التقريرhttp://bit.ly/2kcIQU6

([23]) اعتقال رئيس منظمة الخصخصة في إيران لتورطه بقضايا فساد مالي، روسيا اليوم، 14 أغسطس 2019م، رابط الخبرhttp://bit.l/2k7tIqT

([24]) لجبازی ترامپ و خروج احمقانه از برجام؛ عامل تنش در جهان، شبكه العالم، چهارشنبه 20 شهريور 1398ش. لینک خبر آنلاینhttp://bit.ly/2m8dHBH

([25]) FCO, 8/5842, Iran/ Iraq – Kuwaiti Islands, letter from RA M Hendrie to middle east department, No. w90 233 3671, 29 March 1985.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق