الدراسات

الانتهاكات الإيرانية بحق الأحوازيين و آليات المساءلة أمام اللجنة الأوروبية لحقوق الإنسان

الصفة الإلزامية لإجراءات التقاضي-

المقدمة

يشكل القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان مجموعتان متكاملتان ومتميزتان من القواعد القانونية، ويهتم كلاهما بحماية أرواح الأفراد وكرامتهم. وللتفريق بين مهام القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان، لابد للناشط المعني بتوثيق الانتهاكات أن يفرق بين مهمة القانون الدولي الإنساني التي تنحصر في النزاعات المسلحة فقط،  وبين قانون حقوق الإنسان، الذي يطبق في كل الأوقات سواء في حالات السلم أو الحرب.

ينطبق كل من القانون الدولي الإنساني وقانون حقوق الإنسان في النزاعات المسلحة. ويكمن الاختلاف الرئيسي بينهما في التطبيق، إذ أن القانون الدولي لحقوق الإنسان يسمح لدولة ما أن تعلق مؤقتاً عدداً من حقوق إنسانية إذا كانت تواجه حالة طوارئ. في حين لا يمكن وقف سريان القانون الدولي الإنساني. وبالتالي لا يمكن لأية دولة أن توقف مؤقتاً أو تسقط حقوقاً أساسية معينة يجب أن تحترم في جميع الظروف، وتشتمل على الحق في الحياة، وحظر التعذيب والعقوبة أو المعاملة اللا إنسانية، وتحريم الرق أو الاستعباد، ومبدأ المساواة وعدم رجعية القانون وحق حرية الفكر والوجدان والدين.

تُلزم الدول قانوناً باحترام القانون الدولي الإنساني، وقانون حقوق الإنسان وتنفيذهما. إلا أنّ آليات الإلزام تختلف حسب الإقليم الذي يعترف بهذه الإلزامية، وهو ما يميز كل من اللجنة الأوروبية لحقوق الإنسان، والمحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، اللتين انبثقتا من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان. وسنحاول في هذه الدراسة تسليط الضوء على أحد هذه الهيئات وهي اللجنة الأوروبية لحقوق الإنسان.

قبل الخوض في أعمال هذه اللجنة ودورها في توثيق انتهاكات حقوق الإنسان، وذلك قبل تقديمها إلى المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، لابد من التعرّف على الأساس القانوني الذي شرعن لهذه اللجنة آليات عملها ودورها الإلزامي في محاسبة الدول التي تنتهك حقوق الإنسان.

أولاً- الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان: خطوة إقليمية نحو تأكيد الطابع الإلزامي لمحاسبة منتهكي حقوق الإنسان.

حتى يتحقق للناشط الأحوازي القدرة على توثيق الانتهاكات الإيرانية، ومن ثم تحقيق إلزاميتها ، يقتضي مساءلة إيران أولاً حول طبيعة نظامها السياسي والدستوري، ومدى مطابقة هذا النظام للمعايير الدولية، وقدرته في الامتثال للقانون الدولي الإنساني، ومدى إدراج أحكامه في قوانينها الوطنية من أجل تنفيذ التزاماتها أمام الهيئات والمنظمات الدولية، وإحالة كل من ارتكب انتهاكات خطيرة لهذا القانون إلى العدالة.

 يتضمن قانون حقوق الإنسان أحكاماً تقتضي من الدول اتخاذ تدابير تشريعية وغيرها من الإجراءات المناسبة لتنفيذ قواعده ومعاقبة مرتكبي الانتهاكات. فقانون حقوق الإنسان أكثر تعقيداً من القانون الدولي الإنساني، وخلافاً لهذا الأخير، يشتمل قانون حقوق الإنسان على معاهدات دولية و إقليمية. ويشكل الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي اعتمدته جمعية الأمم المتحدة عام ١٩٤٨ الصك القانوني العالمي الرئيسي، الذي تعتبر إيران أحد أطرافه. إلا أنّ الإشكالية تثور في معرض عدم قدرة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في أن يكون ذو طبيعة ملزمة. لولا الخطوات الإقليمية التي قامت بها أوروبا منذ الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، التي انبثقت عنها اللجنة الأوروبية لحقوق الإنسان، والمحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان.

 وبالتالي فإن لجنة حقوق الإنسان واستناداً للاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، أصبحت المقدمة النظرية التي تضطلع بالمرحلة الأولى لرفع الدعوى إلى المحكمة الأوروبية، من خلال الطبيعة الفردية لانتهاكات حقوق الإنسان، حيث تعطي اللجنة الحق لأشخاص بعينهم في تقديم الشكوى، التي تستند إلى نصوص المعاهدات العالمية، والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية، والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، والمعاهدات الأخرى التي تتعلق بمنع التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللا إنسانية أو المهينة والمعاقبة عليها، والقضاء على التمييز.

تشكل الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان (European Convention on Human Rights (ECHR) معاهدة دولية تهدف لحماية حقوق الإنسان والحريات الأساسية في قارة أوروبا، حيث وضع مسوَّدتها مجلس أوروبا – المُكوَّن حديثاً آنذاك – سنة ١٩٥٠، وبدأ تطبيقها في ٣ سبتمبر سنة ١٩٥٣. وقد وقعت على الاتفاقية جميع الدول الأعضاء في مجلس أوروبا، ويُتوقَّع من أي دولة منضمَّة حديثاً أن توقع عليها في أقرب فرصة متاحة (1). وقد تأسَّست وفقاً لهذه المعاهدة المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان في مدينة ستراسبورغ الفرنسية، حيث يحقُّ لأي مواطن عاديٍّ في أوروبا يعتقد أن إحدى الدول الموقِّعة على الاتفاقية انتهكت حقوقه، أن يقدم دعوى في المحكمة، وتعد كل دولة توقِّع على الاتفاقية مجبرة على الالتزام بأي قرارٍ تصدره المحكمة، ومن واجبها تنفيذ أي حكم يصدر. وتقوم اللجنة الأوروبية لحقوق الإنسان” بمراقبة الأحكام الصَّادرة وتشرف على تنفيذها في الدول المعنية.

  • الناشط الأحوازي وأهمية اللجنة الأوروبية لحقوق الإنسان:

 يمكن اعتبار تأسيس محكمة لحماية حقوق الناس العاديِّين ميزة فريدة في اتفاقية دولية كهذه، وهي تمثِّل وسيلة نادرة تفتح الباب للنشطاء الأحوازيين – الرعايا والمجنسين – في أوروبا بالحصول على حقهم في رفع الدعوى ضد الانتهاكات الإيرانية.

ما زالت الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، أحد أهم معاهدات حقوق الإنسان الدولية، كونها الوحيدة التي تمنَح حماية للأفراد على هذا المستوى. ويحقُّ أيضاً لحكومات الدول أن ترفع دعاوى على دولٍ أخرى عبر محكمة حقوق الإنسان، إلا أنَّه من النادر اللجوء إلى هذه الميزة. وقد لعبت الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان دوراً هاماً في تطوير الوعي حول حقوق الإنسان في أوروبا، و تمَّ إنشاء هذا النظام الإقليمي أو القارِّي لحماية حقوق الإنسان في جميع أنحاء أوروبا، وهي في ذلك تحقق هدفين:

الأول:  تطبيق نصوص الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وتحويل صفته الأدبية إلى صفة ملزمة، ما يساعد على وضع حد للانتهاكات الواسعة لحقوق الإنسان، والعمل على تجنُّبها مستقبلاً.

الثاني: أنّ الاتفاقيَّة الأوروبية لحقوق الإنسان، تعتبر محاولة لحماية الدول الأعضاء في الاتحاد الأوربي ، والحفاظ على مبادئ وقيم الديمقراطية في جميع أنحاء أوروبا التي ستطبَّق فيها الاتفاقيَّة.

وعلى أساس ذلك، واستجابةً للدعوة التي أطلقها ميثاق الأمم المتحدة، اجتمع أكثر من ١٠٠ برلماني أوروبي من الدول الاثنتي عشرة الأعضاء في الاتحاد الأوروبي في ستراسبورغ في فرنسا صيف ١٩٤٩ لعقد أول اجتماع لتأسيس الجمعيَّة الاستشارية لصياغة ميثاق حقوق الإنسان وتشكيل محكمة العدل الخاصة به، وترأس النائب والمحامي البريطاني السير ديفيد ماكسويل فييف اللجنة القانونية والإداريَّة في هذه الجمعيَّة، ولكونه عضواً رئيسيَّاً ومدعياً عاماً في محاكمات نورمبيرغ، فقد كان شهد بنفسه كيف يمكن تطبيق العدالة الدولية بفعالية وحزم.

  • الحالة الاحوازية وسبل القفز فوق إقليمية عمل اللجنة الأوروبية لحقوق الإنسان:

صحيح أن الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، حصرت عمل اللجنة في الأطراف المُوقِّعة على الاتفاقيَّة، وبالتالي فإن حدود الولاية القضائيَّة هي ولاية إقليمية ضمن الدول الأوروبية الموقعة، وفي حالات خاصَّة يجوز توسيع هذا الالتزام لتأمين الحقوق خارج حدود الدولة ليشمل أماكن نفوذ أو أراضي دول أجنبيَّة. إلا أنّ المادة الثانية من الاتفاقية التي ركزت على بند “حق الحياة لكلِّ شخص”، ولا يشمل الشخصيَّات الاعتباريَّة كالشركات والأحزاب السياسية، الأمر الذي يعطي الناشط الأحوازي الذي يحمل جنسية الدول الموقعة، أن يقوم بتقديم الانتهاكات الشخصية، التي وقعت بحقه إلى اللجنة الأوروبية لحقوق الإنسان، قبل تقديمها إلى المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، التي ستبحث بالولاية القضائية أو الاختصاص القضائي للدولة التي وقع فيها الانتهاك.

على سبيل المثال لا الحصر، تشكل محاولة اغتيال السياسي الأحوازي حبيب جبر، قضية إنسانية تتعلق بمحاولة انتهاك حق الحياة، الذي تضمنته نصوص الاتفاقية الأوروبية، حين نصت على ” الامتناع عن القتل غير الشرعي” و ” التحقيق في أي وفيات مشبوهة” و ” التدخل لمنع حدوث خسائر في الأرواح في بعض الحالات الخاصَّة” (2). وبالتالي يحق للشخص الأحوازي الذي يحمل جنسية الدولة الأوروبية ووقع بحقه انتهاك لحقوق الإنسان، أن يتقدم بصفته لمحاسبة إيران، ومحاسبة مسؤوليها، وحرمانهم من دخول المجال الإقليمي للاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، واحتجازهم ومقاضاتهم في حال تواجدهم على أراضيها. كما تضمنت المادة الثالثة من الاتفاقية ذاتها، تحريم التعذيب، أو أي شكل من أشكال المعاملة أو العقوبات غير الإنسانيَّة أو المهينة، ولا توجد استثناءات أبداً أو أي قيود على هذا الحق، وينطبق هذا الحكم أيضاً على حالات استخدام الشرطة للعنف الشديد وسوء ظروف الاحتجاز والسجن، و زاد اهتمام المحكمة بأي شكل من شكل إساءة المعاملة، بل نصَّت أيضاً أنَّ بعض أشكال إساءة المعاملة اليوم قد تعتبر تعذيباً يعاقب عليه القانون.

وبالتالي فإن جرائم الاغتيال التي ارتكبت في على الأراضي الأوروبية بحق الأحوازيين، أو محاولات الاغتيال ترتب استناداً للاتفاقية الأوروبية فعل حاصل، يعطي الناشط الأحوازي الحق في تقديم وثائق انتهاكات حقوق الإنسان أمام اللجنة الأوروبية لحقوق الإنسان، التي تقوم بتوثيقها قبل رفع الدعوى أمام المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، التي تشكل أحد الوسائل الملزمة للمساءلة وتحقيق العدالة الدولية لقانون حقوق الإنسان، حيث نصت المادة الخامسة من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان على الحريَّة الشخصيَّة والأمن الشخصي بقولها: ” أنَّ لكلِّ شخص الحق في حريَّته الشخصية وأمنه الشخصي، ويجب حماية هذه الحريَّة وعدم المساس بها إلَّا في حالات الاعتقال القانوني، والذي يتمُّ بسبب شبهة مُقنعة لارتكاب جريمة أو للسجن تنفيذاً لعقوبة أقرَّها القضاء، ومن حق المحتَجز معرفة أسباب الاعتقال أو أي تهمة يواجهها، ومعرفة الإجراءات القضائية المتبعة، وتعويض مناسب في حال كان الاعتقال أو الاحتجاز ينتهك هذه المادة”. ثم اتبعتها في بالنص على المحاكمة العادلة، حيث تنص المادة السادسة على ” حق المُتَّهم في الحصول على محاكمة عادلة، ويشمل ذلك جلسة استماع علنيَّة أمام محكمة مستقلة ومُحايدة في غضون فترة زمنية معقولة، وافتراض البراءة، وغيرها من الحقوق التي تُشكِّل حدَّاً أدنى للمتهمين بارتكاب جريمة مثل: الوقت الكافي والتسهيلات اللازمة لإعداد دفاعهم، الحصول على التمثيل القانوني، الحق في فحص الشهود ضدهم ومواجهتهم، حق الحصول على مترجم شفوي مجاني ” (3). كما سمحت المادة السادسة عشرة الخاصة بتقييد النشاط السياسي ” بأن الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي لا يمكنها اعتبار رعايا الدول الأعضاء الأخرى أجانب.

ثانياً- آليات عمل اللجنة الأوربية لحقوق الإنسان إزاء انتهاكات القانون الدولي الإنساني:

  أدى زيادة الدول الأعضاء في مجلس أوروبا إلى زيادة عدد الدول الأطراف في الاتفاقية الأوربية لحقوق الإنسان، الأمر الذي نتج عنه تحديات جديدة للمحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، استدعى النظر للأخذ بالقانون الدولي الإنساني إذا تم الطلب من المحكمة ذلك. وهو ما وضع اللجنة الأوربية لحقوق الإنسان أمام الحالات المتعلقة بالقانون الدولي الإنساني، إلى جانب اختصاصها الأصيل في الانتهاكات الفردية لقانون حقوق الإنسان. وبالتالي القدرة على محاسبة الدول خارج إقليم أوروبا من خلال الاحتكام إلى القانون الدولي الإنساني في إطار الاتفاقية الأوربية لحقوق الإنسان كمعاهدة جعلت من حقوق الإنسان قيمة عالمية ملزمة. وبالتالي تسري الاتفاقية الأوربية لحقوق الإنسان على ما يقوم به أو يغفله أي طرف متعاقد في أي نزاع مسلح يقر فيه هذا الطرف المتعاقد بمسؤولية حكومته (4).

وبالرغم من ضمانات إنفاذ القانون الإنساني من خلال اللجنة الأوروبية لحقوق الإنسان، استناداً لنظام الاتفاقية الأوربية لحقوق الإنسان، يمكن القول بأن هذه الضمانات لم تستغل بالكامل، ومن أحد الأسباب الظاهرة، هو أنه لم يعرض على اللجنة الأوروبية لحقوق الإنسان حتى اليوم سوى القليل جداً من الحالات التي يسري عليها قانون المنازعات المسلحة (5). والمقصود هنا إدخال دور القانون الدولي الإنساني استناداً للقضايا تتعلق بحق تقرير المصير، حيث يمكن للناشط الأحوازي أن يستفيد من الحالة الأحوازية كقضية شعب، وذلك بتوثيق الانتهاكات التاريخية التي تتعلق بحق تقرير المصير، أو الحصول على أية وثيقة أو اعتراف دولي أو إدانة تتعلق بهذا الحق، كما حصل في تصريحات المفوضية السامية لحقوق الإنسان حول الإعدامات السرية بحق الأحوازيين، وقد أثيرت هذه القضية أكثر أمام الرأي العام العالمي في قضية الناشط هاشم شعباني و هادي راشدي. لاسيما وأن اللجنة الأوروبية لحقوق الإنسان بدأت بإعطاء الفرصة لمراعاة القانون الدولي الإنساني، كما حدث أثناء الغزو التركي لقبرص، حيث قامت اللجنة الأوروبية لحقوق الإنسان في الكثير من الأوقات، بإعطاء الفرصة لتحليل الأوضاع التي تتعلق بزج معايير القانون الدولي الإنساني، حيث ساهم حل الشكاوى في تطور آليات عمها، عندما أصبح انتهاك حقوق الإنسان مرتبط بقضية سياسية أو بحق تقرير الشعوب لمصيرها السياسي.

يعد نموذج التواجد التركي المستمر في شمال قبرص من أهم النماذج، التي نقلت اهتمام اللجنة الأوروبية لحقوق إلى القانون الدولي الإنساني، وذلك في القضية الشهيرة المعروفة بـ ” قضية لويزيديو ضد تركيا” في  ٢٣ مارس / آذار ١٩٩٠، التي كان سببها استمرار حالة الطوارئ في جنوب شرق تركيا. حيث استطاع الناشط ” لويزيديو ” من مقاضاة تركيا استناداً لمبادئ وقواعد القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني (6)، ثم أكدتها قضية ” أكسوي ضد تركيا”  بالحكم الصادر في ١٨ سبتمبر / أيلول ١٩٩٦. وقد ذكرت المحكمة الأوروبية في أحكامها الصادرة بسبب نظام حكم الطوارئ القائم في تلك المنطقة، ” أن الاضطرابات الخطيرة، و المنازعات العنيفة في منطقة جنوب شرق تركيا المندلعة منذ عام ١٩٨٥  بين قوات الأمن وحزب العمال الكردستاني، أدى إلى خضوع ١٠ مقاطعات من ١١ مقاطعة في جنوب شرق تركيا لأحكام الطوارئ طوال تلك الفترة. ومع ذلك وبالرغم من عدم إعطاء المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان لحكم قطعي، بسبب الدفوعات والأدلة التي اشتغلت عليها الحكومة التركية، إلا أنها شكلت سابقة قضائية أعطت الفقه القانوني نموذجاً بارزاً لقدرة اللجنة الأوروبية لحقوق الإنسان في النظر بإنفاذ القانون الدولي الإنساني.

  • اللجنة الأوروبية لحقوق الإنسان وإمكانية الناشط الأحوازي في تطبيق القانون الدولي الإنساني:

أوضحت اللجنة في الكثير من قراراتها أنها غير معنية بالنظر في قضايا ليست من اختصاصها، كتلك المتعلقة بشأن القضايا المتعلقة بالقانون الدولي الإنساني، وعدم اختصاصها بالقضايا التي تتعلق بممارسات الدول، كونها تتعلق بانتهاكات الأفراد.إلا أن الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان بالاستناد للمعاهدات والمواثيق الدولية، أصبح مجالاً قابلاً للاجتهاد، بسبب خاصية الاجتهاد في الفقه القضائي الدولي،  لاسيما في مسألة النظر في الانتهاكات التي تسببها أحد القضايا تشكل خطراً على حقوق الأفراد. لذلك يرى بعض أعضاء اللجنة الأوروبية لحقوق الإنسان، أن ذلك يشكل سابقة وفرصة لأن تُعطى قواعد القانون الإنساني دوراً قوياً وإلزامياً. ولعل ما حدث في سياق غزو تركيا لقبرص، أحد أهم السوابق في هذا الإطار.

الحالة ذاتها، يمكنها أن تشكل مشروعية يستفيد منها الناشط الأحوازي كسابقة قضائية للجنة الأوروبية لحقوق الإنسان، بحيث يمكنه الاعتماد عليها كحالة عرفية جرى النظر فيها، خصوصاً وأن غالبية قواعد القانون الدولي هي بالأساس قواعد عرفية جرى استخدامها بالتواتر. وبالتالي يمكن للناشط الأحوازي، الاستفادة ليس من الانتهاكات الفردية بحق الأحوازيين في أوروبا – سواء كرعايا أو مجنسين- وذلك بالقفز فوق هذا النطاق الإقليمي، ليتعداه إلى تقديم وثائق الانتهاكات بطريق آخر، يتعلق بانتهاكات تتعلق بماهية القضية الأحوازية كقضية سياسية، أفرزت المزيد من الانتهاكات بحق الأفراد الأحوازيين. وبالتالي مساءلة إيران بشكل ملزم في إطار القانون الدولي الإنساني، المعني بمساءلة الدول في إطار انتهاكها للمعاهدات والمواثيق الدولية المعنية بتطبيق القانون الدولي الإنساني.

وفي هذا الخصوص، ينطلق الناشط الأحوازي في طريق آخر يتعلق بإثبات الاحتلال الإيراني للأحواز أولاً، ومن ثم الولوج بانتهاكات هذا الاحتلال من خلال ملاحظة قواعد القانون الدولي بشأن معاملة السكان في المناطق المحتلة، التي تتضمنها بشكل خاص لائحة لاهاي لعام ١٩٠٧ واتفاقية جنيف الرابعة المؤرخة ١٢ أغسطس / آب ١٩٤٩، وهي بلا شك قادرة على المساعدة في حل مسألة ما إذا كانت الإجراءات التي تتخذها قوات الاحتلال لتقييد الالتزامات التي ينبغي لها الوفاء بها من حيث المبدأ – بموجب الاتفاقية الأوروبية – حيثما تمارس سلطتها القضائية بحكم القانون أو بحكم الواقع.

وعلى هذا الأساس، يبدو استخدام القانون الإنساني كموجه  لحالات الانتهاكات والاضطرابات والتوترات الداخلية، كما حدث مؤخراً من قبل اللجنة الأمريكية لحقوق الإنسان في قضية ” أبيلا ضد الأرجنتين” (7)، في  ١٨ نوفمبر / تشرين الثاني ١٩٩٧،  حيث واجهت اللجنة الأوروبية لحقوق الإنسان، تحدياً يتعلق بمقتضيات الوضع الذي يتطلب بشكل خاص إجراء خارج ولاية اللجنة تتعلق باستخدام القانون الإنساني، سواء بالاستناد صراحة على اتفاقيات جنيف، أو باستخدام لغة نابعة من القانون الإنساني، كحماية السكان المدنيين، و استخدام أسلحة القتال بشكل غير متناسب ضدهم.

ومن أمثلة تطبيق القانون الدولي الإنساني من خلال الاتفاقية الأوربية لحقوق الإنسان، تدمير الممتلكات ونزوح السكان المدنيين، والاحتجاز ومعاملة المحتجزين، وتنفيذ العمليات العسكرية وأعمال القتل غير المشروع، و تدمير الممتلكات ونزوح السكان المدنيين.فعلى سبيل المثال شغلت القواعد المتعلقة بحماية السكان المدنيين في المناطق المحتلة ذات أهمية قصوى في شمال قبرص، ففي هذه القضية وجدت اللجنة الأوروبية لحقوق الإنسان، انتهاكات جسيمة نتيجة لطرد القبارصة اليونانيين من منازلهم ونقلهم إلى أماكن أخرى، وإلزام الأفراد المدنيين بالبقاء في مراكز للاحتجاز وفي منازل خاصة وحرمان واسع النطاق للقبارصة اليونانيين من ممتلكاتهم، تماماً كما يحصل بعمليات التغيير الديمغرافي الذي تقوم به السلطات الإيرانية، وبالرغم من أن أغلبية أعضاء اللجنة الأوروبية، يرون أن القانون الدولي الإنساني لا يمكن الاعتماد علية كإطار مرجعي- حسب قواعد اختصاص اللجنة- إلا أنّ أحد الأعضاء أشار إلى وجود التزامات مناسبة في القانون الإنساني لمعالجة تلك القضايا أمام اللجنة الأوروبية، مثل المادة ٤٩ من اتفاقية جنيف الرابعة.

وفي القضية القبرصية ذاتها وفي دعوى ثالثة ضد تركيا،  ذكر أحد أعضاء اللجنة الأوروبية لحقوق الإنسان في رأي منفصل له: ” أن انتهاكاً للمادة ٤٩  من اتفاقيات جنيف المؤرخة ١٢ أغسطس/آب ١٩٤٩ بشأن حماية الأشخاص المدنيين”، كما ذكر أيضاً ” أنه من المؤسف أن اللجنة الأوروبية لحقوق الإنسان لم تشر إلى تدمير الممتلكات الثقافية في قبرص، وقال إن اللجنة كان عليها واجب تطبيق المادة ١ من البروتوكول الأول في ضوء الاتفاقيات والاتفاقات العديدة المتعلقة بحماية الممتلكات الثقافية،استناداً لاتفاقية لاهاي لعام ١٩٥٤ لحماية الممتلكات الثقافية في حالة النزاع المسلح (8).

كما أثارت اللجنة الأوربية لحقوق الإنسان في سياق المنازعات الداخلية أ قضايا مشابهة متعلقة بتدمير الممتلكات ونقل وطرد المدنيين. إذ وجدت المحكمة في ثلاث حالات من جنوب شرق تركيا أن قوات الأمن كانت مسؤولة في سياق عمليات عسكرية عن تدمير منازل مقدمي الشكاوى، الذين اضطروا نتيجة لذلك  إلى مغادرة قراهم . مع ذلك، لم تشير المحكمة إلى أية أسئلة فيما إذا كان هذا النوع من الأوضاع هو ما قد تنطبق عليه البروتوكول الإضافي للحقوق المدنية والسياسية. لذلك فقد اقتصر تحليل المحكمة لأفعال قوات الأمن، فوافقت المحكمة في إحدى القضايا على نظر الشكوى في ظل المادة ٣ المتعلقة حظر المعاملة غير الإنسانية. وقد وجدت أن أفعال قوات الأمن التي تضمنت تدمير منازل مقدمي الشكاوى مع سبق الإصرار وبطريقة مهينة، مما أدى إلى إخلائهم من قريتهم قسراً، و أنه ينبغي تصنيفها على أنها معاملة غير إنسانية.

وقد تبدو الإشارة إلى سوء المعاملة غير المعتادة، نظراً لأن حظر سوء المعاملة هو مبدأ مطلق لا يسمح بأي حال  تقييده أو تبريره، وهى نقطة أكدتها اللجنة والمحكمة في سياق النزاع سواء كان النزاع داخلياً أو دولياً، بحيث تعد أفعال قوات الأمن انتهاكاً للقانون الإنساني،  كما يتضح أن أفعال قوات الأمن تلك ستظل دائما غير متفقة مع الاتفاقية الأوروبية، ومتعارضة مع نص غير قابل للتقييد. وبالتالي فقد رأت اللجنة ” إن ما حصل انتهاكاً يستلزم التعرف على مرتكبيه ومعاقبتهم”(9).

  خاتمة 

مما تقدم نستنتج، أن هناك مجموعة من القضايا التي ظهرت مؤخراً، التي نجحت بتطوير آليات التقدم للجنة الأوروبية لحقوق الإنسان، و أن التداخل بين القانون الدولي الإنساني والاتفاقية الأوربية لحقوق الإنسان،  قد أصبح أمراً ذا أهمية بالنسبة لآليات واختصاص اللجنة. وبالتالي أصبحت اللجنة الأوروبية لحقوق الإنسان- بالإضافة لاختصاصها الإقليمي في الدفاع عن حقوق الأفراد أو الرعايا الأوروبيين –  مهيأة للنظر في سياق القانون الدولي الإنساني في مناطق خارج الإقليم الأوروبي. وبالتالي أصبح أمام الناشط الأحوازي طريقان، أحدهما يتعلق بالاختصاص الإقليمي ( كرعايا ومواطنيين أوروبيين). وثانيهما بالاعتماد على السابقات التي أدت إلى قبول انتهاكات القانون الدولي الإنساني، ويالتالي الانتهاكات من قبل الاحتلال الإيراني، على اعتبار أن اللجنة الأوروبية لحقوق الإنسان لم تغلق باب إجراءات القانون الدولي الإنساني، حسب الآراء التي يبديها أعضائها كل حين.

لقد شكلت السابقات التي بين يدي اللجنة الأوروبية لحقوق الإنسان وآراء أعضائها تطوراً كبيراً، بل ولاقت ترحيباً وقبولاً أسهم في وضع إطار أكثر قوة لحماية الحقوق، وبخاصة في النزاعات المتعلقة بحق تقرير المصير، كما هو الحال في القضية الأحوازية، بل ووفر ذلك سلاحاً قوياً في إنفاذ القانون الإنساني، الأمر الذي يضع المحكمة الجنائية الدولية أمام حقائق ما ستتمخض عنه اجتهادات اللجنة الأوروبية، والأهم من ذلك ما ستقدمه المحكمة الأوربية لحقوق الإنسان، التي ستضع أحكامها الإلزامية والجريئة، بداية فعلية لإلزامية المساءلة في الدعاوى المقدمة سواء في قانون حقوق الإنسان أو مجال القانون الدولي الإنساني.

المصادر:

  1. Robin C.A. White. The European Convention on Human Rights. Oxford University Press.p1-3
  2. PROTECTING THE RIGHT TO A FAIR TRIAL UNDER THE EUROPEAN CONVENTION ON HUMAN RIGHTS A handbook for legal practitioners 2nd edition prepared by Dovydas Vitkauskashttps://rm.coe.int/protecting-the-right-to-a-fair-trial-under-the-european-convention.
  3. Vitkauskas, G. Dikov Protecting the Right to a Fair Trial under the European Convention on Human Rights. A Handbook for Legal Practitioners. 2nd Edition, prepared by Dovydas Vitkauskas Strasbourg, Council of Europe, 2017.
  4. انظر : دي.فايس برودت وب. ل. هيكس، ” تطبيق قانون حقوق الإنسان والقانون الإنساني في المنازعات المسلحة “، 30 سبتمبر / أيلول 1998، المجلة الدولية للصليب الأحمر، ينــايـر/ كانون الثاني – فبراير/ شباط 1993, ص 120-138.
  5. من أهم هذه الدعاوي هي تلك التي جاءت في سياق الغزو التركي لقبرص عام 1974. وتضمنت الشكاوى الواردة من مناطق فرضت عليها حالة الطوارئ شكاوى واردة من ايرلندا الشمالية وجنوب شرق تركيا.
  6. انظر: قضية لويزيديو ضد تركيا، 23 مارس / آذار 1990، سلسلة المحكمة الأوربية لحقوق الإنسان ص 310.
  7. انظر : ” قضية أبيلا ضد الأرجنتين”، 18 نوفمبر / تشرين الثاني 1997، لجنة الدول الأمريكية لحقوق الإنسان، التقرير رقم55/97، القضية 11، الفقرة 149، ص 137.
  8. قضية قبرص ضد تركيا، الطلب رقم 8007/77, تقرير 4 أكتوبر/ تشرين الأول 1983, القرار 12/92/ DH ، تاريخ 2 أبريل / نيسان 1992، منشورة في التقرير الأوربي لحقوق الإنسان، ص557 و558.
  9. انظر: ت. جراديتزكي، ” المسؤولية الجنائية الفردية عن انتهاكات القانون الدولي الإنساني التي ترتكب أثناء المنازعات المسلحة غير الدولية “، المجلة الدولية للصليب الأحمر، العدد 322، مارس / آذار 1998، ص 29 . وكذلك المادتين 49 و50, اتفاقية جنيف الأولى، والمادتين 50 و51 من اتفاقية جنيف الثانية، والمادتين 129 و130من اتفاقية جنيف الثالثة،  والمادتين 146 و147 من اتفاقية جنيف الرابعة، و والمادتين 85 و86 من البروتوكول الإضافي الأول.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق