الدراسات

أساليب الخداع في انتزاع المعلومات في سجون المخابرات الایرانیة

لما كان غالبية اعترافات المناضلين المعتقلين في التحقيق تنتزع عن طريق العملاء، أو من يطلق عليهم مصطلح “العصافير”، الذين يخدعون المناضل المعتقل. هذه الدراسة من إعداد أسرى المقاومة في فلسطين تم نشرها مسبقا في موقع المقالات. دخلنا فيها بعض التعديلات لكي تكون مناسبة للوضع الأمني في الاحواز. يتعلق الموضوع هنا بالصراع القائم بين النظام الايراني، المتمثل في جهاز الأمن الداخلي “الحرس الثوري والمخابرات”، وبين المناضل الذي يقع في الأسر، حيث يخضع لجولات تحقيق مختلفة الأشكال، من أجل انتزاع اعترافات ومعلومات من هذا السجين أو ذاك، حيث تنقسم هذه المواجهة إلى قسمين رئيسيين :
أولا، المواجهة المباشرة مع ضابط التحقيق، والتي تدور داخل مكاتب التحقيق.
ثانيا،  وهو الأخطر، وهي المواجهة غير المباشرة، حيث يستخدم ضابط المخابرات بعض العملاء للقيام باستدراج المناضل المعتقل، وأخذ واستدرار معلومات كاملة منه، وهؤلاء العملاء يسمون “العصافير” أو “الصراصير”. وهذه الظاهرة “العصافير” هي الأشد خطرا وفتكا بالمقاومين أثناء مرحلة التحقيق، وتعتبر أهم مرحلة من مراحل التحقيق وأخطرها، حيث إن معظم وأغلب الاعترافات تؤخذ عند هؤلاء العصافير، الذين يقومون بدور خفي وخطير جدا، من خلال تنفيذ دور الشرفاء والمخلصين عبر تمثيليات مسرحية يقومون بتمثيلها على المناضل المعتقل، حيث إن هذه المصائد والمخادعات تنطلي – للأسف الشديد – على أغلب المقاومين المعتقلين.
ويمكن القول: إن غالبية الاعترافات في التحقيق تؤخذ عن طريق هؤلاء الحثالة من العملاء “العصافير”، وسنتكلم هنا بإيجاز عن بعض أشكال مصائد العصافير، ولكن قبل الحديث عن العصافير سنذكّر ببعض الأمور الواجب معرفتها مسبقا قبل الخضوع للتحقيق المباشر مع ضابط المخابرات أو المحققين للحذر منها مسبقا :

١-  قضية التلفون أو الجوال الخاص بالأخ المعتقل، حيث إن المخابرات تحرص على أخذ ومصادرة التلفون الخاص بالمناضل أثناء عملية اعتقاله، حيث يقومون بتسجيل أرقام التليفونات الموجودة في الشريحة، والتحقيق بشكل دقيق حول أصحابها، مما يضع المعتقل في موقف ضعيف أثناء التحقيق، فضلا عن إمكانية قيام النظام الايراني بتسجيل بعض المكالمات التي قمت بها أو استقبلتها، فتجدها أمامك كشاهد عليك.
٢-  إيهام المعتقل بأن القضية كلها مكشوفة بتفاصيلها، ومخاطبته في إطار العموميات، وكأنهم يعرفون كل شيء.
٣-  ينقسم ضباط المخابرات إلى قسمين أثناء عملية التحقيق، أحدهما يمثل دور الصديق والحريص عليك، الذي يكثر من الحديث المطول والحوار المستفيض مع المعتقل، خاصة في قضية تهم المعتقل فكريا، في ظلّ ادعاءات ومزاعم باطلة، بأنه حريص عليه ومستعد لكتابة تقرير إيجابي عنه مع ملف القضية يحسّن وضعه في المحكمة، فيما يمثل الآخر دور الشرير العنيف.
٤-  التركيز على “الاعتراف التطوعي”، وأنه سوف يحاكم إذا أصر على إنكاره، ومن الأفضل له الاعتراف، لأن ذلك يخفف عنه الحكم.
٥-  العمل على تضارب أقوال أبناء القضية الواحدة، وإيهام كل واحد منهم أن باقي أفراد مجموعته قد اعترفوا اعترافا كاملا، ولا جدوى من إنكاره، وأن إنكاره – فقط – يعذب صاحبه، ويبقيه في التحقيق مشبوحا على الكرسي دون فائدة- فقط – بسبب عنادك أنت.
٦-  إيهامه أنهم على غير عجلة من أمرهم، وأنه سيبقى في التحقيق ستة أشهر حتى يعترف بعد طول عناء وتعب، حيث يكون مصيره، في النهاية، الاعتراف. 
٧-  تحذيره بأن كل قضية تقع مستقبلا وكان يعلم في التحقيق بها، سوف يحاكم عليها.
وبادئ ذي بدء يجدر التعرف على بعض أشكال مصائد العصافير:

أولا، العصافير في الزنازين بين أربعة أشكال:

الشكل الأول:حيث إن المعتقل بعد أن تمضي عليه فترة من الوقت داخل غرف التحقيق والمواجهة المباشرة، يتم إنزاله إلى الراحة أو النوم داخل زنزانة، وغالبا ما يكون ذلك آخر أيام الأسبوع يومي الجمعة والسبت، حيث يكون العميل موجودا داخل هذه الزنزانة، أو يأتي بعد دخول المعتقل إليها بوقت قصير، وليس المهم أن يأتي بل المهم أن تجتمع أنت وإياه داخل الزنزانة، حيث يمثل دور مناضل معتقل مثلك وأنه نازل من التحقيق للراحة، وتبدو عليه آثار التعب والإرهاق والسهر مثلك تماما، بحيث لا تستطيع تمييزه من حيث الشكل بأنه مرهق فعلا، ويبدأ هذا العميل “العصفور” بالحديث معك بأن له مدة كبيرة في التحقيق ولم يعترف على شيء، وأنه سوف يفرج عنه قريبا وقد يكون غدا، وأنه مستعد للمساعدة بحيث يقوم بتوصيل أخبارك للأهل وباقي أفراد مجموعتك في الخارج، وإذا أردت أن تحذر أفراد مجموعتك في أمور معينة أو ما شابه من هذا الحديث، أو أن يعرض عليك جهاز تلفون كي تتحدث به مع أشخاص يخصّونك في الخارج، ويدعي أنه قد هرّب هذا الجهاز أو أدخله معه عند الاعتقال ولم يتم تفتيشه جيدا، كي يوقع بك ويسمعك ويسمع ما تريد أن تقوله، ثم يقوم بنقل ذلك إلى المخابرات.
الشكل الثاني:العميل الذي يكون معك في الزنزانة ولا يتحدث بشيء، ودائما ما يكون نائما، حتى تضطر أنت للحديث معه وهو غير مبال، لإيهامك بأنه غير مهتم بكل ما تقول، مما يدفعك للثقة به والاسترسال في الحديث معه حول قضيتك.
الشكل الثالث:العميل الذي يحاول الحديث معك حول قضيتك بكل أسلوب، ومحاولة معرفة التفاصيل، وهو دور معروف، ولكن الخطير في الأمر أنه بعد أن يجلس معك ينتقل إلى زنزانة أخرى مع أحد أفراد قضيتك، ويقول له: إنه كان معك في الزنزانة وأن ابن قضيتك قد اعترف بكل شيء، ويحدثه ببعض العموميات حول القضية، وهذا أخطر ما في الموضوع، حيث يوهمك بأن أبناء القضية قد اعترفوا بكل شيء ولا داعي للصمود.
الشكل الرابع: العميل “العصفور” الذي يمثل دور الناصح الأمين، حيث يقوم بتحذيرك من العملاء “العصافير”، وضرورة عدم التحدث عن قضيتك وأهمية ألا تكتب شيئا عنها، ويشرح لك بشكل مطول حول “العصافير”، وأنك الآن في المرحلة التي تسبق ذهابك إلى “العصافير”، وبعدها سوف تخرج إلى السجن الحقيقي، ويشرح لك عن السجن الحقيقي، وأن به رجال مناضلين ويذكر بالفعل بعض الأسماء لك ، وفي الحقيقة فهو يشرح لك عن بعض”العملاء” الذي هم بانتظار انتزاع المعلومة منك، وأن هذه المرحلة تهيئة لك وتجهيزك للذهاب إلى العصافير ليس إلا، وهو دور حقيقي يمثل خطورة كبيرة. 

ثانيا، العصافير” في أقسام المعتقلين: 


حيث توجد عدة غرف ويكون بها عدد من المعتقلين قد يبلغ العشرات، وينقسم إلى قسمين، حيث يتم إبلاغ المناضل أنه قد أنهى مرحلة التحقيق وسوف ينقل للأقسام الآن، والتي تكون أقساما للعصافير على شكلين:

الأسلوب الأول ينقسم الى ثلاثة اشكال:

الشكل الأول:أن يكون معظم سكان القسم من العملاء “العصافير”، حيث تذهب إلى غرفة داخل القسم معظم سكانها عملاء “عصافير” يمثلون دور سجناء قدماء داخل السجن بأشكال توحي بأنهم وطنيون، وقد يكون معظمهم يتكلمون عن القضية ويقرأون القرآن بشكل جيد، ويمثلون دور العابدين، يصومون النهار ويقومون الليل، ويتسمّون بأسماء إسلامية لها تاريخ، ويقوم أحدهم بتمثيل دور المناضل الكبير والعديد يتبعونه. هنا عادة ما يكتبون الأسئلة الى المعتقل الجديد وتكون معظمها عن معلومات لم يعترف عليها، وأسرارا تنظيمية، وعن “شبه الخسارة داخل التحقيق”، أي كم أخذوا (المحققين) منك في التحقيق، وعلى كم اعترفت، ٥٪ أو ١٠٪، وما إذا كانت هناك أشياء أخرى لم تعترف عليها، وعن مجموعات السلاح وما شابه ذلك .. يعني عن كل ما يخفيه المعتقل وتبحث عنه المخابرات، وإذا لم يتعاطى المعتقل معهم يقومون بتهديده أو معاقبته بالمقاطعة وعدم الكلام مثلا، وعزله عن باقي السجناء وتهديده بالتحقيق معه لأنه عميل، ويمارسون عليه دور الإرهاب والتهديد والوعيد وأنه مدسوس عليهم، وهذا مجرد تهديد فحسب ولا ينفذون أي شيء من ذلك.
الشكل الثاني:أن يكون معظم القسم الذي يسكنه السجناء من السجناء الشرفاء، حتى ممن يعرفهم المعتقل المعتقل داخل وأثناء التحقيق والزنازين، أو حتى بل قد يكونون ممن يعرفهم خارج السجن، مما يسكب الثقة والطمأنينة في النفس، حتى يدخل المعتقل داخل غرفة كل أفرادها شرفاء، حيث يكون منهم أميرا للغرفة وآخر موجها أمنيا من الشرفاء، ولكن يكون العملاء – فقط- من الذين يعملون في النظافة داخل القسم، ويوزعون الطعام، ويأخذون الأوراق والرسائل والتقارير الأمنية من شخص إلى آخر، ومن غرفة إلى أخرى، وهنا يضغطون عليه وحتى قد يهددونه ببعض التهديدات إن لم يلتزم بطلبات التنظيم، وخصوصا الموجه الأمني، الذين عادة ما يطلب منه كتابة تقرير أمني، وهذا هو أخطر أسلوب، حيث إن الشرفاء يقومون بدور العملاء من حيث لا يعلمون، مما يسهل الانخداع بهم والسقوط في مصائدهم، ويتولى عمال النظافة “العصافير” الذين يقومون بتوزيع الطعام و نقل الرسائل، نقل هذه التقارير إلى ضابط المخابرات مباشرة وليس إلى التنظيم، ثم تقوم المخابرات بطلب المعتقل لجولة تحقيق أخرى يقومون فيها بمفاجأته بالتقارير.
الشكل الثالث:وهو الشكل السهل حيث يكون معظم الموجودين في الغرف من العملاء، وقد تكون هناك غرفة أو اثنتان بعدد غير كبير، وهذا الشكل يعمل على كشفه لك لإيهامك أنك ذهبت ومكثت عند العصافير وأنهيت قضية العصافير برمتها تمهيدا لإيقاعك في الفخ ..هنا يتم نقل المعتقل إلى أحد هذه الأقسام في المعتقل، حيث يكون معظم نزلاء القسم من العملاء، الذين قد يستخدمون واحدا من أسلوبين:
الأسلوب الأول: تدخل إلى القسم الذي يتواجد به عدد من المعتقلين، على رأسهم رئيس القسم من السجناء والذي يتعامل مع الإدارة ويتحدث معها حول أمور وحاجيات القسم، ومسؤول البند، ويخاطبونك بأن فترة الموقوفين حساسة ولا يجب الحديث فيها عن قضيتك أو تنظيمك، أو الحديث عن الفكر السياسي، ويحذرونك من كتابة أي شيء حول قضيتك، وأن ذلك ممنوع منعا باتا وأنه يسمح لك فقط بالحديث – فقط- مع مسؤول القسم دون الكتابة، وذلك من أجل تسوية قضيتك، أو محاولة وضع الإخوة في الخارج في الصورة، ليقوموا بدورهم بتصحيح الخلل الذي حدث وإنقاذ ما يمكن إنقاذه.

الأسلوب الثاني:

حيث يكون معظم القسم من العملاء، الذين يجلسون حلقات للحديث ويبدأ كل واحد منهم في الحديث عن قضيته، وتدور معظم الأحاديث حول قضايا تشبه أو تماثل قضية المعتقل الجديد، مما يساعد على جرّه وتشجيعه على الحديث في قضيته، وكشف أسرار ومعلومات عنها.
وهناك شراك تنصبها المخابرات للمعتقل تكون متتالية ومتتابعة، مثلا شراكين أو ثلاثة ، وتتعمد المخابرات كشف هذه الشراك للمعتقل حتى يعتقد أنه قد مرّ بالمصائد، واجتاز أسلوب العصافير، ثم ينصب له شرك رابع محبوك بإتقان يقع فيه السجين بعد أن ظن أنه قد تجاوز مرحلة شراك العصافير في المرات الثلاث الأولى، فالمخابرات لا تكتفي بشرك أو اثنين فقط، وهذه الأساليب متطورة، وتتبدل وتتغير وتتجدد باستمرار، بحيث لا تبقى المخابرات على أسلوب واحد، ولذلك يجب افتراض وتوقع كل شيء، وليس أفضل من الصمت … الصمت … الصمت.
ويجدر بالمعتقل التنبه إلى ملاحظة مهمة جدا، وهي أنك إذا اكتشفت العملاء “العصافير”، فالأصل ألا تشعرهم بأنك عرفتهم وكشفتهم، بل عليك أن توهمهم بأنك قد انخدعت بهم، ويمكنك أن تعطيهم معلومات مضللة، بحيث توصل – عن طريقهم- للمخابرات معلومات تخدمك وتبرئك، أما إذا شعروا بأنك قد اكتشفتهم فسيقومون بعمل شرك آخر لك.
وهناك شرك آخر قد يواجهه المعتقل. فقد تدخل إلى الزنزانة، وتجد بها شخصا عميلا يمثل دور معتقل مرهق جدا، وأنه قد أنهى كل جولات التحقيق، ويريد أن ينام ولا يريد الحديث مع أي شخص، وأن له مدة طويلة في التحقيق، الأمر الذي يوحي للمعتقل بأنه صادق ومسكين، فيبادر بالسؤال عن التحقيق ومراحله، وهنا يتثاقل العميل في الإجابة “لأنه مرهق ولا يريد الحديث مع أي شخص”، ويقول للمعتقل بعد سؤاله له عن المدة التي قضاها في التحقيق وجولات التحقيق: إنه لم يبق لك سوى جولة واحدة، وهي جولة “العصافير”، ثم بعدها تخرج إلى السجن عند الشباب والسجناء القدماء، ويقوم بتحذيرك من العصافير، بل ويشرح لك طرق عملهم، وعندما يذهب المعتقل عند “العصافير” يكتشفهم بسهولة نتيجة لتحذير هذا العميل داخل الزنزانة. وهذا هو الشرك الحقيقي والأصلي وتكون المرحلة التي سبقتها توطئة للشرك الأخير.
وهناك أسلوب حديث يستخدمه العملاء، وهو استخدام الاتصالات بعد أن انتشرت التلفونات داخل السجون بشكل مهرب وغير قانوني، حيث يطلب العملاء من المعتقل الجديد أن يتصل بمن يعرفهم في الخارج وبأفراد مجموعته حتى يحذرهم ويخبرهم بأمره ويطلعهم على حاله.

إرشادات عامة حول قضية التحقيق والعصافير:

١-يجب التركيز على عدم الاعتراف، حتى لو أوهموك أن القضية مكشوفة وأن أبناء القضية قد اعترفوا بكل شيء، ولا يغرنّك تحدثهم ببعض العموميات عن العمليات التي تتهم بها المجموعة.
٢-الإحاطة علما بأن التهديد بقانون “الاعتراف التطوعي” غير صحيح، وعلى المعتقل اليقين بأن عدم الاعتراف يفيد جدا في تخفيف الحكم.
٣-إن دور الصديق والشرير الذي يقوم به المحققون، يجسّد مسرحية مكملة لبعضها البعض، فكلهم يعمل من أجل هدف واحد، وهو سحب الاعتراف وتحطيمك أنت وتنظيمك.
٤-التأكد أن التحقيق بأغلبه يعتمد على العامل النفسي أكثر من العامل الجسدي.
٥-عدم الالتفات لما قد يقوله لك المحقق من عبارات تستهدف خداعك مثل : اصمد يا بطل أيام وأسابيع، وأنهم سوف يقولون عنك بطل في صمودك، ولا لوم عليك إن اعترفت بعد هذه المدة.
٦-لا يعني مواجهتك بابن قضيتك واعترافه أمامك نهاية المطاف وأنه لا بد من الاعتراف، وهنا يجب الصمود وعدم الاعتراف، وهذا أمر واقع وليس مستحيلا، وهناك نماذج من المناضلين أصحاب الهمم العالية سطرت أسطورة في هذا المجال، وصمودك يفيدك أنت وابن قضيتك.
٧-عليك أن تدرك أنك خاضع للتحقيق في كل فترة الزنازين، وأن كل الخطوات التي تتم معك ليست صدفة، وأن من تقابلهم في الزنازين ليسوا صدفة، وأنهم، في أوج التحقيق، بعد ٣-٥ أيام من الشبح على الكرسي ينزلونك إلى زنزانة انفرادية لوحدك فترة قد تصل إلى عشرة أيام لوحدك، حتى تشعر أنك تحتاج للحديث مع أي شخص يأتي عندك، وحينها يأتون إليك بعميل “عصفور” يدخل معك في الزنزانة، فيكون اندفاعك للحديث بشكل كبير، ويمكن القول: إن معظم من يأتون عندك في فترة الزنازين يكونون من العصافير.
٨-إن التنظيم الحقيقي داخل السجن، لا يطلب من أحد أية معلومات لم يعترف بها عند المخابرات نهائيا، ولا تحت أي ظرف أو مسمى.
٩-إن عبارات الاتصال بالإخوة في الخارج، من أجل إصلاح الخلل وإنقاذ ما يمكن إنقاذه وتقليل الخسائر وتحذير الإخوة لتقنين الضربة، كلها عبارات مخابراتية لا يستخدمها إلا العملاء من العصافير.
١٠-إن عبارات التهديد التي تستخدم ضد المعتقل، مثل معاقبتك ووضعك تحت الحالة الأمنية وبأنك مدسوس علينا وسوف نحقق معك، أو التهديد بالقتل أو الضرب، لا يمكن أن يستخدمها التنظيم الحقيقي، إنما هي عبارات كلها من صنع العصافير العملاء.
١١-وهي ملاحظة مهمة، حيث إن الرغبة الكامنة في نفس المعتقل داخل الزنازين والتحقيق لإكمال مشواره النضالي، والاستمرار في العمل، وتعويض ما خسره في التحقيق، تجعله يقع فريسة سهلة في شباك العصافير العملاء، من خلال عرضهم عليه المساعدة والاتصال بالخارج وإكمال العمل وتعويض الخسائر، وهنا شر البلية، ولذلك يجب أن يعلم المعتقل أن وقوعه في الأسر قد أنهى كل أشكال العمل مع إخوانه في الخارج، وأنه يعيش واقعا جديدا، ومرحلة جديدة، تستلزم السرية التامة، وعدم محاولته الاتصال بالخارج تحت أي ظرف، وخاصة أثناء فترة التحقيق.
١٢-من اللافت للانتباه، أن بعض الإخوة الذين يملكون بعض المعلومات عن “العصافير” ينتبهون للشكل وليس للمبدأ، حيث يكونون حذرين إزاء شكل وأسلوب محدد من أشكال وأساليب العصافير فإذا تغير الشكل وقعوا بسهولة فريسة لهم .. وهنا لا بد من تعليم الأخ المبدأ وليس الشكل، وهو “السرية التامة وحجب المعلومات بشكل كامل عن أي إنسان تحت أي مسمى أو هيئة.”
١٣-إن من يخدعون من الإخوة، ويقعون فريسة سهلة للعصافير العملاء، يخدعون بسبب قيام هؤلاء العملاء بإتيانهم والحديث معهم باسم التنظيم أو مجلس الحركة، و ما شابه ذلك، حيث يقود احترام المعتقلين لهذه المسميات، عن جهالة، للوقوع في حبائل العملاء بكل سهولة. وهنا نقول بكل صراحة، أن التنظيم داخل السجن، وكل مؤسساته، لا يطلب على الإطلاق أية معلومات سرية لدى الأخ لم يعترف عليها عند المخابرات.
١٤-إن الهالة والتضخيم التي تنسج حول شخصية رجل المخابرات أو المحقق هالة مصطنعة، من أجل بث الرعب والخوف في نفس المعتقل، ليكون ضعيفا أثناء المواجهة مع ضابط المخابرات والمحقق أثناء جولات التحقيق، والحقيقة أن رجل المخابرات هو عبارة عن موظف مدرب على الخداع فقط، يكون همّه -في نهاية المطاف- العودة إلى البيت والزوجة بعد أن يقضي ساعات عمله اليومي.
١٥-لا بد من التنويه أنه يوضع أجهزة تنصت داخل الزنازين أو في الفتحات (فتحات التهوية)، التي تكون على هيئة شبابيك بين الزنازين، فليكن المعتقل على حذر من ذلك.
١٦-عدم الإنجرار وراء أساليب الحرب النفسية التي تمارس ضدك، فقد تسمع أثناء وجودك في مكاتب التحقيق أو الشبح على الكرسي أصوات ضرب وصراخ وطرق أبواب بصوت عال جدا، وهذا كله مصطنع لبث الخوف والرعب في نفس السجين، وليس له رصيد من الحقيقة والواقع.
١٧-قد يهددونك إذا لم تعترف باستخدام التحقيق العسكري، وهذه أكذوبة لأنك خاضع للتحقيق العسكري من أول لحظة تطأ فيها مكان التحقيق.
١٨-قد يخرج المعتقل أثناء مكوثه عند العملاء “العصافير” لمقابلة المحامي أو الصليب، فلا يجوز أن يعتبر ذلك عامل ثقة، ويعتقد خطأ أنه موجود عند سجناء شرفاء.
١٩-وهي نصيحة غالية جدا ومهمة للغاية، فإذا اعتقل أحد أفراد مجموعتك أو أي شخص تربطك بع علاقة تنظيمية، فمن الخطأ القاتل أن تعوّل على صموده وأنه لن يعترف عليك، وعليه تتصرف بشكل طبيعي وكأنه لا شيء عليك، وتنام في بيتك وتذهب إلى عملك بشكل طبيعي، وهنا الطامة الكبرى التي نحذر بشكل كبير منها، حيث يجب التحرك والعمل منذ اللحظة الأولى على أساس أن المعتقل قد اعترف بكل شيء، وأنك قد أصبحت مكشوفا ومطلوبا لقوات الحرس الثوري والمخابرات، وهذا الحذر يجب أن يبقى ملازما لك فترة طويلة تصل إلى عدة أشهر وليس لأيام أو أسابيع حتى تتأكد من أن المعتقل لم يعترف عليك، ولا يتأتى ذلك إلا بعد عدة أشهر، حتى يثبت أنه في سجن طبيعي ويتصل بك بإحدى الطرق والأساليب، ويطلعك على طبيعة قضيته.
٢٠-عدم الانخداع بما قد تلجأ إليه المخابرات في التحقيق من أشكال وأساليب مختلفة، ومنها تخويف المعتقل بجهاز كشف الكذب، ويتمثل في وضع المعتقل على جهاز تسمّه المخابرات جهاز كشف الكذب، وهو عبارة عن جلوس المعتقل على كرسي، ويقوم المحقق بوضع جهاز شبيه بجهاز فحص الدم وكذلك بشبك أسلاك في أطراف الأصابع، وقبل الفحص بيوم يعطيك المحقق أسئلة خاصة بقضيتك لتقوم بدراستها بشكل جيد، ثم يقوم بتوجيه هذه الأسئلة لك في اليوم التالي، لتقوم بالإجابة عليها بعد أن يصوّر لك دقة هذا الجهاز ومصداقيته وعظمته ويمجد به كثيرا، وهذا الجهاز يعطي إشارات للتوترات العصبية وإفرازات العرق، ودائما -بشكل مقصود- يعطي صفة الكذب للمعتقل، لذلك يجب على املعتقل تحريك أي جزء من جسمك بدون أن يلاحظ المحقق، وبعد العرض على الجهاز يتم نقل السجين إلى غرفة التحقيق ليواجهه المحقق بشكل عصبي بأنه كذاب، وما ذلك إلا خدعة حتى يقتنع المعتقل وتنطلي عليه حيلة كشف الكذب، وأنه لا مجال إلا قول الحقيقة. 
٢١-توقع وجود أجهزة تنصت في أي مكان تجتمع به مع ابن قضيتك (زنزانة أو غرفة ترحيل أو عيادة أو بوسطة أو مكتب أو غرفة محامي أو أو زيارة)، فيجب الحذر وعدم الحديث.

الختام

وفي الختام تبقى الملاحظة الأهم، وهي أن المعلومات السرية أمانة لا يجوز التفريط فيها، لا شرعا ولا تنظيما ولا نضاليا لأي شخص كان، مهما كان شكله أو صفته أو صورته أو لقبه، وكل من يفرط في هذه الأمانة فهو متجاوز لحدود النضال. وللأسف، ومع كل ما ينشر ويتداول من دراسات وتوعية، فإنه يسقط في شراك العملاء “العصافير” كثير من المعتقلين وكذلك بعض السجناء القدماء المجربين. إذ تجد أن أحدهم قد قرأ دراسة أو تحذيرا لهذا قبل يومين من اعتقاله لكنه سرعان ما يقع فريسة سهلة في حبائل العملاء وكأن شيئا لم يكن. فما السبب يا ترى؟ هل لدى العملاء سحر يسحرون به الناس؟ أم إنه حب الظهور والرياء والاستهتار بمصير الآخرين وحب النفس؟!  أسئلة كثيرة لها جواب واحد فقط يعرفه الجميع.
لهذا يجب أن يبقى شعاري كمناضل أنه ليس لأحد أن يطلع على سري، حتى وإن كان أكبر مسئول تنظيمي، ما دمت أنا في السجن.
                  

*العصافير: هو المصطلح الذي أطلقه المعتقلون الفلسطينيون على العملاء. ويرجع سبب التسمية إلى طريقة تسليم هؤلاء العملاء أنفسهم لإدارة السجون؛ حيث أنهم ينتظرون قدوم إدارة السجن من أجل العدد، أو تفتيش المعتقلين، فيستغلون الموقف ويهربون إلى إدارة المعتقل وهي تشبه فرار الطائر من عشه. ويقال عندما يسلم شخص نفسه لإدارة المعتقل فلان طيّر، أو عصفر.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق