الدراسات

دراسة تاريخية وقراءة تحليلية حول تدخلات الدولة الفارسية في شؤون الدول العربية خلال فترتي (البهلوية الثانية والخمينية)

الأحواز نموذجا

مقدمة

تعتبر التدخلات في شؤون الدول الأجنبية إحدى أهم أدوات السياسة الخارجية الإيرانية لبسط السيطرة ومد النفوذ داخليًا بوسيلة أو بأخرى، وذلك بغرض تحقيق هدف قديم يُدعى مشروع الإمبراطورية الفارسية الذي يُعد حلمًا قوميًا فارسيا رغم اختلاف طبيعة الأنظمة الحاكمة.

تأتي الجمهورية الإسلامية الإيرانية كإحدى دول الجوار الأقرب للمحيط العربي الكبير من الحدود الشرقية، ولكن الروابط لا تقتصر على الامتداد الجغرافي، بل تتخطي إلى العلاقات التجارية والثقافية وأيضًا تصل إلى درجة الصراع العسكري المتبادل.

مثلت جغرافيا إيران عاملًا مهمًا في معضلة الصراع التاريخي في المنطقة على اعتبار أنها هضبة تحيط أغلب حدودها مرتفعات شاهقة؛ فيما كانت بمثابة عراب المصالح الغربية، ولاسيما الأمريكية قبيل نجاح ثورة فبراير/ شباط عام ١٩٧٩.

ربما تغير شكل نظام الحكم في طهران وأدواته، بل وتحالفاته كثيرًا بعد ثورة حدثت قبل ٤٢ عامًا، غير أن الخطاب القومي الاستعلائي ظل على وتيرة واحدة تجاه الخارج، بينما برزت إيران كقوة فاعلة ومنافسة على مستوى الإقليم والعالم.

لعب كل من الخطاب الثوري والمذهب الشيعي- السياسي دورًا محوريًا في تشكيل السياسة الخارجية لنظام إيران الجديد بعد عام ١٩٧٩، حيث تحركت على الدوام داخل تكتلات دول الجوار في مسعى لتوسيع مكتسبات تلك الثورة، والعمل على فتح جبهات جديدة لتحقيق أهدافها.

التدخل الإيراني إقليميًا لم يكن أيضًا وليد نتاج الثورة في نهاية سبعينيات القرن الماضي، بل تعود جذوره إلى بدايات القرن الـ ١٧ إثر محاولة احتلال البحرين (١) ثم الانسحاب منها عقب التفاهم مع بريطانيا العظمى آنذاك.

أدى تبني إيران أيدلوجية سياسية قائمة على أفكار ومعتقدات الخميني المرشد الأول للثورة الإسلامية إلى زيادة القلق دوليًا خشية تعاظم نفوذ طهران، لاسيما وأن الدولة الفارسية الجديدة تبقي على تلك التوجهات ثابتة في الفكر الإيراني (٢).

تدخلات إيران الخارجية إقليميًا تحددها منهجية السياسة القائمة تجاه دول الشرق الأوسط والتي ترى أن الهضبة الإيرانية قاعدة انطلاق لمشروع قومي بصبغة فارسية-شيعية وأدوات غير فارسية نحو إيجاد نظام جديد يخلو من التواجد الأمريكي والإسرائيلي، وأي منافس إقليمي آخر بما يضمن الزعامة لطهران وحدها.

في الآونة الأخيرة، وخصوصًا مع نتاج أنظمة الحكم التي تشكلت وانهارت بعد ثورات الربيع العربي قبل ٨ أعوام، نشطت إيران باعتبارها تهديدًا للمنطقة العربية، حيت سعت لضمان مصالحها الاستراتيجية داخل بلدان مجاورة “العراق، سوريا، اليمن، لبنان، البحرين”. إما بالتدخل عسكريا أو دعم جماعات إرهابية مسلحة تابعة لها وكذلك دوائر سيطرة موالية داخليًا.

تختلف أهداف التدخلات الإيرانية وبسط النفوذ بحسب الوضع الجغرافي والسياسي داخل بعض هذه البلدان، حيت تواصل إيران على سبيل المثال دعم نظام بشار الأسد في سوريا عسكريًا واقتصاديًا لاستغلال الأزمة السورية برمتها كورقة ضغط إزاء التفاوض في الملف النووي.

وتفعل الأمر ذاته داخل اليمن عبر جماعة أنصار الله “الحوثيين” الذين يتبعون نفس المذهب المعمول به في طهران، غير أنها ترغب في تسويق تدخلاتها داخل دول الجوار في الخليج العربي التي تتواجد بها مكونات شيعية.

مشكلة البحث ومنهجه

تحاول إيران الفارسية لعب دور إقليمي في دول الجوار العربي بأدوات ووسائل مختلفة، كما أن النفوذ الإيراني في المنطقة خلال السنوات الأخيرة يسير في اتجاه متصاعد ومتزايد، وهذا الأمر يثير إشكاليات عديدة، حيث لديها أطماع قديمة في المنطقة وتريد من خلالها تحقيق مشروعها القومي ذي الصبغة الدينية- المذهبية.

تدور منهجية البحث حول تحليل تاريخي لأسباب استمرار مشكلة النزعة الاستعلائية الخطابية لدى طهران طوال عقود مضت ولحد الآن تجاه الجوار العربي، إضافة إلى العوامل التي تؤدي إلى تدخل إيران المباشر في المنطقة، وكذا ماهية مصالحها الإقليمية، ومدى تحقق المشروع الإيراني.

أهمية الدراسة

تنبع أهمية هذه الدراسة البحثية في حيوية الموضوع وخصوصًا عندما يطرح في الفترة الراهنة التي تشهد متغيرات إقليمية ودولية عديدة، وأيضًا في التطرق لمثل هكذا موضوعات تمس واقعنا العربي المعاصر إزاء طبيعة سياسات كيان جغرافي قديم مجاور له.

مصطلحات بحثية

التدخل:اصطلاح يستخدم في مفهوم عام للتعبير عن عمل تقوم به دولة ما، تتناول به على أي وجه من الوجوه مسألة تدخل في اختصاص دولة أو دولة أخرى.

ووصف القانون الدولي “التدخل” على أنه تعرض دولة ما إلي دولة أخرى من خلال التعرض لأمورها الداخلية والخارجية دون وجود سند قانوني لذلك، فيكون هدف هذا التدخل هو محاولة تلك الدولة فرض سياسة ما على الدولة المعترضة أو إجبارها على اتباع أمر معين في شأن من شؤونها الخاصة.

وبحسب القانون الدولي؛ فهناك عدة صور للتدخل تتجلى كالآتي:

التدخل السياسي: من خلال إملاءات تفرضها الدولة المتدخلة سواء بطريقة رسمية أو غير رسمية أو الدعوة لمؤتمر.

التدخل من قبل دول مجتمعة ضد دولة أخرى: ويكون هذا التدخل ذا علاقة بمصالح الجماعة، كأن يصدر قرار عن الجمعية العامة للأمم المتحدة أو مجلس الأمن بحق دولة ما مخالفة لقرارات الأمم المتحدة (٣).

 خطة الدراسة

تنقسم هذه الدراسة البحثية إلى فصلين، وهما على النحو التالي:

أولاً: “سياسة إيران الخارجية تجاه الجوار العربي” من حيث السياسة الخارجية الإيرانية تجاه المنطقة ككل، وأبعاد المشروع الإيراني في المنطقة.

ثانيًا: “طبيعة الخطاب الاستعلائي تجاه المنطقة العربية” من حيث صورة الشخصية العربية في المأثور الشعبي الإيراني والأدب الفارسي، وكذلك التعامل الرسمي تجاه إقليم “الأحواز” في جنوب وجنوب غرب جغرافية إيران.

موضوع البحث

أولًا:إيران تعتبر إحدى أكثر الدول إثارة للجدل في الشرق الأوسط بشكل عام، حيث يحدها غربًا الأحواز المحتلة والعراق ودول الخليج العربي، إضافة إلى أنها تحد قرابة ١٥ دولة على مجمل حدودها، الأمر الذي يجعل عملية صنع القرار في السياسة الخارجية عملية معقدة ومتعددة المصادر (٤).

وتعد تلك الدولة فاعل إقليمي قوى منذ بداية الفترة الثانية في عهد الدولة البهلوية حيث ولاية الشاه محمد رضا بهلوي، الذي تراوحت تحالفاته على كافة الجبهات وكذلك عداءاته، وبعد الثورة الإسلامية برز دورها الإقليمي من خلال تطلعاتها في المنطقة وسعيها لتكون قوة مهيمنة.

 واتبعت طهران سياسة خارجية نشطة، حيث تعددت التحالفات بينها وبين دول أو بين دوائر سيطرة داخل دول، وذلك لتحقيق أهداف ثورتها وتصديرها للدول المجاورة، ومحاولة نشر مبادئها وظهور ما تطلق عليه “المشروع الإيراني” في المنطقة وبالتالي أصبحت مصدر خطر يهدد أمن واستقرار المنطقة (٥).

ترى إيران أن تحركاتها الإقليمية واهتمامها المتزايد بالجوار العربي يؤدى إلى تثبيت الدور السياسي الأمني لها في المنطقة، بل ويزيد من الأهمية الإستراتيجية لها في النظام العالمي، لذلك زاد الاتجاه الإقليمي لديها.

وتتسم السياسة الخارجية الإيرانية بطبيعة معقدة ومتشابكة، حيث يظهر الغموض والإبهام في جوانب كثيرة منها، حيث يتداخل فيها الديني بالقومي والثورية بالبرجماتية، كما أنها تتميز عن غيرها باختلاف المحددات والأبعاد والأهداف والتطورات وتوزيع الأدوار والمراوغة، وقد انعكست هذه الصفات على طبيعة السياسة الإيرانية تجاه المنطقة العربية (٦).

شكل “الدستور الإيراني” المحرك الأول والأساسي لسياسة إيران الخارجية، سواء العامة أو الخاصة بالشرق الأوسط والمنطقة العربية، وذلك من خلال عدة مواد، منها المادة “١٥٢” والتي تحدد المسار العام لسياسة إيران الخارجية بشكل عام، وأيضا نجد الفقرة “١٦” من المادة الثالثة التي بينت الواجبات التي على حكومة إيران وهى أن “تنظيم السياسة الخارجية للبلاد على أساس المعايير الإسلامية والالتزامات الأخوية تجاه جميع المسلمين والحماية الكاملة لمستضعفي العالم”.

وبإخضاع هذه الفقرة للتحليل نرى أن إيران ستعتمد التدخل في كل دولة يعيش فيها طائفة شيعية بحجة حماية المستضعفين، وبما أن في دول الخليج العربي باعتبارها الجوار الأقرب، أقلية شيعية فإن الدولة الإيرانية ستعمل على التدخل في الشؤون الداخلية لهذه الدول بناء على عقيدتها في وجوب حماية المستضعفين (٧).

وحملت ديباجة نفس الدستور وتحت عنوان “الجيش العقائدي” العبارة الآتية: “لا تلتزم هذه القوات المسلحة بمسؤولية الحماية وحراسة الحدود فحسب، بل تحمل أعباء رسالتها الإلهية، وهي: الجهاد في سبيل الله والنضال من أجل نشر أحكام الشريعة الإلهية في العالم”، وبناء على هذه العقيدة فإن زعزعة أمن الجوار العربي والإسلامي كافة سيكون هدفا رئيسيا من أهداف الدولة الإيرانية للوصول إلى غايتها (٨).

ويأتي مبدأ “تصدير الثورة” على رأس أولويات السياسة الخارجية الإيرانية منذ قيام الثورة الإسلامية، وخصوصًا إلى المنطقة العربية والشرق الأوسط؛ فكانت السياسة الخارجية تتحرك بناءً على البعد الديني والمذهبي في الظاهر وتعتمد على أسلوب تصعيد التوترات وعوامل بث التفرقة والانقسام وذلك كما حدث في العراق (٩).

ويمثل مبدأ “المصلحة القومية” المحرك الأكثر أهمية لسياستها الخارجية، حيث تستثمر إيران موقعها الإستراتيجي والاقتصادي كونها ثاني أكبر مصدر نفطي عالميا كأدوات في الحفاظ على مصالحها، ثم يليه مبدأ تعزيز قوة إيران وتأثيرها الإقليمي وذلك من خلال سعيها على الهيمنة والسيطرة على الشرق الأوسط وفرض زعامتها على المنطقة العربية، وكذلك السيطرة والتأثير فى المعابر المائية فضلا عن تحريك أقليات الشيعة في العالم (١٠).

تتركز سياسات إيران الخارجية على البعد الجغرافي في المقام الأول، حيث تقع في موقع متميز مفتوح على البحار جعلها تسيطر على ممرات مائية مهمة وحيوية وقد كانت لهذه المنافذ تأثيرات كبيرة على طبيعة العلاقات الإيرانية مع دول الخليج العربي، كما أنها عملت على إنشاء قوة بحرية من خلال بناء القواعد العسكرية على سواحلها.

ويعد المرتكز التاريخي من العوامل المهمة في سياسة إيران الخارجية، فهو يتلازم مع المرتكز الجغرافي في رسم وصياغة سياستها تجاه المنطقة العربية، وقد اعتمدت إيران في ظل الأنظمة المتعاقبة على مبدأ التعامل الفوقي مع العرب منطلقة من العامل التاريخي الذي كانت لإيران فيه، في عهد الإمبراطورية الفارسية، سلطة على بعض الدول العربية بحكم كونها إمبراطورية كانت تتسم بحب التوسع والهيمنة والسيطرة العسكرية.

مرتكز الديموجرافيا، وهو يعبر عن التركيب الإثني للمجتمع الإيراني فقد اعتمدت السلطة السياسية في إيران على مبدأ التوسع الخارجي من خلال الهيمنة والسيطرة على القوميات غير الفارسية، حيث استغلت طهران وجود بعض الجاليات الإيرانية في العراق ودول الخليج العربي التي هاجرت بدوافع اقتصادية فأخذت تشجع على الهجرة إلى تلك المناطق بشتى الوسائل، وقد مارست إيران هذه السياسة منذ القرن الـ ١٩ واستمرت عليها إلى ما بعد النصف الأول من القرن الـ ٢٠ (١١).

المرتكز العقائدي: وهو يعتبر المحدد الأساسي لسياسة إيران الخارجية، حيث تستغل إيران المذهب الشيعي في اختراق الدول العربية، حيث ترى في الفكر الإسلامي السني مشروع تعريب وفي الشخص العربي عدوًا ثقافيا وتاريخيًا، بينما تقوم في التعامل الخارجي على استغلال عواطف الشيعة ومحاولة ربطهم بها من خلال الخطاب الطائفي الحماسي (١٢).

طبيعة المشروع الإيراني بالمنطقة، تشير إلى تنوع خطط نظام طهران وأدواتها لتحقيق مشروعها التوسعي في المنطقة العربية على الرغم من تعاقب الأنظمة، حيث بدأ هذا المشروع باحتلال الأحواز والجزر الإماراتية الثلاث في القرن الماضي (١٣).

ولم تُخفِ طهران هدفها ونيتها من تحركها العسكري والسياسي والأمني الذي يستهدف الدول العربية عامة، حيث صرح عدد من مسؤوليها عن أهداف إيران التوسعية، ولعل أكثر تلك التصريحات صراحة وشفافية تصريح “علي يونسي” مستشار الرئيس الإيراني حسن روحاني، عندما قال: “كل منطقة الشرق الأوسط هي تابعة لإيران، واليوم قد تحققت الإمبراطورية الإيرانية، وعاصمتها بغداد، وهي مركز حضارتنا وثقافتنا وهويتنا كما كان في الماضي. وإن شعوب المجاورة لإيران هم بالأصل إيرانيون وانفصلوا عن الإمبراطورية الإيرانية” (١٤).

وذهب “حسين سلامي”، المساعد الأول للحرس الثوري الإيراني، ليؤكد بوضوح الاستراتيجية التوسعية الإيرانية، حين قال: “إن الحدود الأمنية الإيرانية توسعت إلى البحر المتوسط، ولم تستطع كل محاولات أعداء إيران إيقاف حركتنا” (١٥).

ومن أجل وصول طهران لأهدافها رسمت الخطة الخمسينية، التي بموجبها تسعى للسيطرة على جميع الدول العربية خلال ٥ مراحل بحلول ١٠ سنوات. وحسب هذه الخطة، فإن أركان الدولة تعتمد على ٣ ركائز، وهي: السلطة التي بيد الدولة، العلم والمعرفة عند العلماء، والاقتصاد والثروة عند التجار والرأسماليين (١٦).

وخططت إيران أن تستهدف تلك الأركان الثلاث في الدول العربية من خلال الوقيعة والفتنة بين تلك الجهات، والتوغل بالحكومات عبر العملاء، وتحريك العلماء ورجال الدين ضد حكوماتهم، بناء الحسينيات وشراء البيوت والأملاك، وتأسيس أحزاب وخلايا تجسسية ومليشيات عسكرية.

وتحاول طهران جاهدة عبر مليشياتها فتح طريق بري لها يمتد من إيران مرورًا بالعراق وسوريا ولبنان وصولاً إلى البحر الأبيض المتوسط، في إطار خطة “الكوريدور” التي رسمتها طهران لتحقيق أهدافها التوسعية في المنطقة العربية (١٧).

استطاعت إيران الهيمنة على بعض الدول العربية والتوغل الواسع في البعض الآخر، نتيجة عدة عوامل، أهمها ازدواجية المجتمع الدولي في التعامل مع أزمات المنطقة، وغياب مشروع عربي لمواجهة التحديات والمخاطر، التي تعصف بالمنطقة.

قضية الشعوب غير الفارسية التي تشكل نحو ٧٠ % من قوة سكان إيران البشرية وعلى رأسها قضية الأحواز، تعتبر أهم نقاط ضعف إيران، لكن لم تؤخذ بعين الاعتبار في ردع التوسع الإيراني الخطير (١٨).

ثانيًا:هناك إشكالية حقيقية في العقلية الإيرانية عند تعاطيها مع دول الجوار الخليجي بشكل خاص والعربي بشكل عام، بالرغم من تغير النظام السياسي الحاكم في طهران، حيث تهيمن على المخيلة الفارسية صورة الآخر العربي المعادي لها منذ عصور ما قبل الإسلام.

ورغم وجود فوارق حضارية حاليًا بين كل من المجتمعين العربي والإيراني تظل هناك نظرة دونية من قِبَل الشخصية الفارسية تجاه العرب، وهذه النظرة يتم توارثها حتى إن تغيرت الظروف المحيطة.

وأصبح واقع هذه الدول وخصوصًا الخليجية منها، متقدمًا على الجانب الإيراني في كثير من الأصعدة، إلا أن الغرور القومي والنظرة الاستعلائية لم تتغير، وبالتالي نجد أن الجانب الإيراني مستسلم تمامًا لذلك، وأصبحت استراتيجيته تجاه هذه الدول تدور حول إفرازات العقلية القومية المرتبطة بالماضي وشوائبه (١٩).

وتظهر صورة العرب في الأدب الفارسي الحديث، بوصفها جزءاً من الإجابة عن سؤال الذات الإيرانية، حيث شكل مفهوم “الإيراَنيَة” هاجساً أدبياً، بل ومشكلة سياسية واجتماعية انعكست في الأدب، بوصفها مشكلة البحث عن الهوية التاريخية والثقافية والقومية، فلجأ كتاب الأدب الإيراني الفارسي الحديث إلى تصوير إيران كأمة واحدة، من خلال تعريفهم للعربي بوصفه الآخر، وهو تعريف مقلوب للإيراني بوصفه الذاتي بمصطلحات العرق واللغة أحيانًا، وبمنظور الآخر بمصطلحات الدين والتاريخ والثقافة في أحيانٍ أخرى، وهو مسعى شكّل جانبًا من خلق القومية الإيرانية في القرن العشرين المنصرم (٢٠).

وتعد النزعة القومية الإيرانية هي تيمة ملحة في الأدب الفارسي الحديث، نلتقطها من خلال وصف التاريخ الاجتماعي واللون المحلي والعادات واللهجات وغير ذلك. وتعني النزعة القومية الولاء والإخلاص للأمة، وحسب “شاهرخ مسكوب”، فإنه منذ مجيء الإسلام إلى إيران، تأسس الوعي القومي الإيراني على اللغة الفارسية وعلى تاريخ ما قبل الإسلام، بالنظر إلى عاملي التاريخ واللغة، وعليه تمّ تعريف إيران كأمة من خلال اللغة والتاريخ المشتركين، لكن واقع الحال يشير إلى أن إيران بلد ذو تنوع إثني كبير، فهناك الفرس، وهناك جماعات قومية أخرى من الأتراك الآذاريين والتركمان والأكراد واللور والبلوش والعرب والطبريين والأرمن والآشوريين، وهم مميزون على الصعيد الثقافي، ولكل جماعة منهم لغة وثقافة مشتركة، تميزها كثيرًا أو قليلاً عن الجماعات الأخرى في إيران. وكانت مقاطعات خوزستان وبوشهر وبندر عباس (الأحواز) وجيلان ومازندران (طبرستان)، تتمتع عمليًا بالسلطة المستقلة قبل عام ١٩١٩.

ومع بداية الوعي القومي الحديث، سعى المفكرون العلمانيون إلى تأسيس تعريف جديد لمفهوم الإيرانية، بُني على أنقاض ماضي ما قبل الإسلام، فصوَّر بعضهم إيران ساسانية وأخمينية دمّر حضارتها المزدهرة “البداة المتوحشون”، وادعى بعضهم أن الإسلام دين غريب فرضته على “الأمة الآرية النبيلة” أمة “سامية”، وبالتحديد “حفنة من آكلي السحالي، الحفاة العراة، بدو يقطنون الصحراء، إنهم العرب المتوحشون” (٢١).

وتتعدد الأنماط السلبية عن صورة العربي سواء في المأثور الشعبي أو الثقافة الإيرانية؛ فملحمة الفردوسي أو “الشاه نامه” تنتهي بقدوم العرب المسلمين والقضاء على إيران الساسانية واحتلالها، وصورت العرب على أنهم قوم أقل مدنية وأقل ثراء من الإيرانيين.

وكذلك تظهر صورة العربي البائس، غير المتمدن، مقابل الإيراني المتنعم والحضاري في كتاب “سفرنامه” للرحالة ناصر خسرو، وهو عمل أدبي كلاسيكي، ظهر في القرن الـ ١١.

وقد شهدت إيران الحديثة، مع القرن العشرين، سياسات نظام رضا شاه التي تركزت على إخضاع الشعوب غير الفارسية، حيث عمل عسكريًا على بعثرتهم كي يشكلوا أقلية في كل موقع، وفُرض على الرجال والنساء ارتداء الثياب والقبعات الأوروبية بدل الملابس التقليدية المميزة لكل إثنية، وحرّم “رضا خان” الذي صار فيما بعد “رضا شاه بهلوي” استخدام التقويم القمري الإسلامي، واستعاض عنه بالتقويم الشمسي.

وجرى تمجيد إيران ما قبل الإسلام على أيدي النظام البهلوي، ولُعن العرب المسلمون لتسببهم في انحدار إيران من العظمة التي كانت عليها في مرحلة ما قبل الإسلام، بينما سعى النظام البهلوي إلى تغيير الهوية الإثنية للشعوب غير الفارسية في إيران، بهدف جعلها جزءاً من الأمة الإيرانية الحديثة، واتبع سياسة تفريس إيران، من خلال إصلاح اللغة وتنقيتها من المفردات ذات الأصول العربية (٢٢).

غير أن الأمور تغيرت في سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين المنصرم، فبدلاً من العربي جاء الآخر الغربي، ليوضع مقابل الذات الإيرانية، ومع قيام الجمهورية الإسلامية جرى إدراج الإسلام الشيعي بوصفه جزءًا من الهوية الثقافية الإيرانية.

وتنعكس معضلة الصراع التاريخي بين الفرس والعرب إلى حالة العنصرية الإيرانية تجاه مواطني إقليم الأحواز، حيث تمتد تاريخيًا إلى عقود مضت.

 بعد أن قام الفرس باحتلال ذلك الإقليم الواقع جنوب وجنوب غرب البلاد، انتهجوا سياسات تمييزية عدة، منها تهجير الآلاف من الأحوازيين إلى مناطق نائية في مدن شمالية، ومنعهم من ارتداء الزي العربي.

واستمرت تلك السياسات العنصرية تجاه الاحوازيين داخل جغرافية إيران، من خلال تغيير أسماء مدنهم، وطمس هويتهم وإنكار الوجود العربي، حتى وصول المرشد الإيراني الأسبق الخميني إلى سدة الحكم في العام ١٩٧٩، وسرعان ما وقعت “مجزرة الأربعاء الأسود” في مدينة المحمرة، و من ثم مارست طهران جرائم أخرى في باقي المدن الأحوازية (٢٣).

وهناك واقعة عنصرية ضد العرب مثيرة للجدل مؤخرًا حدثت عبر البث التلفزيوني الرسمي في إيران، حيث عرضت القناة التلفزيونية الثانية الرسمية مشاهد موجهة للأطفال تتجاهل المكون العربي ضمن برنامج تلفزيوني تحت عنوان “كلاه قرمزي” أو ذو القبعة الحمراء بالتزامن مع أعياد رأس السنة الإيرانية “النوروز” (٢٤).

وهذه الواقعة ليست الأولى، بل سبقتها استفزازات مماثلة عبر الصحف، والمسلسلات الدرامية، والإعلاميين الرسميين تستهدف إنكار الوجود العربي في الأحواز، حيث ورد في صحيفة “اطلاعات” الإيرانية الحكومية عام ١٩٨٥، نعت للأحوازيين بـ “الغجر الرحل”، و”المهاجرين”، أعقبها هبة شعبية عرفت باسم “انتفاضة الكرامة”.

وتشير المعطيات إلى أن الأحوازيين يواجهون العنصرية الفارسية، بسبب الحقد الفارسي على العرب لأنهم لم ينسوا هزيمتهم أمامهم في موقعة القادسية “١٣ شعبان ١٥ هـ -١٦-١٩ نوفمبر ٦٣٦ م” ، إلى جانب انتهاج سياسات “التفريس”.

ويحظر ارتداء الزي العربي في الدوائر الحكومية، والحرمان من التعلم بالعربية، وتغيير أسماء المدن العربية الأحوازية وأسماء الأحياء والشوارع من العربية إلى فارسية، ومنع المواطنين العرب من إكمال الدراسات العليا، وتولي المناصب القيادية والقضائية باستثناء الموالين للنظام.

كما ارتفعت نسبة البطالة في بعض مدن الأحواز إلى نحو ٧٠٪، إلى جانب تشييد عشرات السدود وتجفيف الأنهار والأهوار، – المسطحات المائية التي تغطي الأراضي المنخفضة-، الأمر الذي نجم عنه أزمة بيئية وتفشي الأمراض بعد بهدف تحويل مجرى الأنهار الواقعة بهذا الإقليم العربي إلى المدن الإيرانية ذات الأغلبية الفارسية، بهدف إحداث نوع من التغيير الديموجرافي” (٢٥).

غير أن تلك السياسات العنصرية انطوت أيضًا على توطين القومية اللورية المختلفة صعبة الانصهار مع العرب، وهو الأمر ذاته الذي يتشابه مع سياسات محمد رضا بهلوي شاه إيران الأسبق حينما جاء بـ”اليزديين” من مدينة يزد الإيرانية، وحاول تعريبهم وصهرهم مع العرب، ولكن باءت بالفشل في نهاية المطاف.

وتتجلى عنصرية نظام طهران تجاه العرب الأحوازيين، حيث إعدام المئات من أئمتهم الدينيين و نشطائهم السياسيين، ونفي الكثير منهم إلى مدن ذات أغلبية فارسية.

وحاول النظام الإيراني اتهامهم بالانتماء إلى تنظيمات متطرفة بغية قمعهم وقتلهم، فضلاً عن اضطهاد الصابئة المندائيين الأحوازيين كونهم عربًا وغير مسلمين وحرمانهم من حقوقهم ، بحسب الدستور الإيراني، تعتبر دية الصابئي ربع دية المسلم.

وتفوق العنصرية الفارسية نظام “النازية”، وفقًا لدراسة أجريت نهاية عام ٢٠١٦، حلت فيها إيران الثانية عالميًا في العنصرية، ولا تسبقها سوى الهند، وذلك وفق استطلاع شمل نحو ٨٠ دولة، قام به مجموعة من الباحثين السويديين، للتعرف على تعامل الدول مع الأعراق المتنوعة داخل تركيبتها السكانية (٢٦).

الهوامش والمراجع:

  1. تعود هذه الواقعة إلى القرن السادس عشر الميلادي عندما خضعت جزيرة البحرين لحكم الإمبراطورية الصفوية، غير أن الأسرة الحاكمة للبحرين سيطرت على الجزيرة منذ عام 1820. وفي عام 1957، قاد شاه إيران رضا بهلوي البرلمان لمناقشة تدابير للاستيلاء على البحرين، كما أشار إلى إمكانية تجديد الادعاءات الإيرانية حيال المملكة الخليجية عقب الانسحاب البريطاني من شرق السويس. غير أن استفتاء شعبيا بحرينيا جرى في العام 1971 قرر تأسيس البحرين كدولة مستقلة دون معارضة من الشاه أو البرلمان الإيراني.وقد جاء الاستفتاء بعد محادثات مع بريطانيا، التي بدأت ترتّب لانسحابها من الخليج العربي في الستينات من القرن الماضي، صحيفة “العرب” اللندنية في عددها بتاريخ 28/7/2018.
  2. المصدر السابق، نفس تاريخ العدد المذكور.
  3. التدخل من وجهة نظر القانون الدولي إلى أرض الواقع، موقع الديار، نوفمبر/ تشرين الثاني 2013، متاح على الرابط التالي:

 http://www.addiyar.com.

  1. السياسة الخارجية الإيرانية، متاح على الرابط التالي:

 http://www.aljazeera.net

  1. نفس المصدر السابق.
  2. نفس المصدر السابق.
  3. إبراهيم الفاخر، المشروع الإيراني وأدواته الاستراتيجية، مركز المزماة للدراسات والبحوث، فبراير 2014 م :

 http://almezmaah.com

  1. علاء محمد العبد مطر، أيدلوجية الثورة الإيرانية وأثرها على توجهات السياسة الخارجية الإيرانية تجاه دول الخليج العربي (1979-2003)، رسالة ماجستير، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بالقاهرة عام 2004، ص 20.
  2. عبدالله فهد النفيسى، المشروع الإيراني في المنطقة العربية والإسلامية، دار عمار للنشر والتوزيع، عمان، 2014.
  3. المصدر السابق.
  4. مصطفى اللباد، قراءة في مشروع إيران الإستراتيجي تجاه المنطقة العربية، شؤون عربية، عدد129، 2007، ص36
  5. نفس المصدر السابق.
  6. الجزر الإماراتية الثلاث، ثلاث جزر إستراتيجية تقع شرقي الخليج العربي، وبينما تقول الإمارات إنها جزء من أراضيها وتطالب إيران -التي تسيطر عليها منذ 1971- بإرجاعها، تؤكد طهران أن ملكيتها للجزر “غير قابلة للنقاش”.

استولت عليها إيران في 30 نوفمبر/ تشرين الثاني عام 1971، بعد أيام من انسحاب قوات الاستعمار البريطاني منها، وقبل يومين من استقلال الإمارات عن بريطانيا، وكان يسكنها آنذاك نحو 300 نسمة يعيشون على صيد السمك ورعي الماشية.رغم صغر مساحة الجزر الثلاث، لكنها تشرف على مضيق هرمز الذي يمر عبره يوميًا حوالي 40% من الإنتاج العالمي من النفط، ويربط بين خليج عُمان والخليج العربي المعبر الرئيسي إلى المحيط الهندي. ومن يتحكم في هذه الجزر يسيطر على حركة المرور المائي في الخليج العربي، متاح عبر الرابط التالي:

http://www.aljazeera.net/encyclopedia/issues/2015/6/22/%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%B2%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D9%85%D8%A7%D8%B1%D8%A7%D8%AA%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AB%D9%84%D8%A7%D8%AB

  1. وكالة أنباء الطلبة الإيرانية “إيسنا”، مارس/ آذار 2015، متاح عبر الرابط التالي: https://www.isna.ir/news/93121709862/یونسی-نتانیاهو-در-اظهاراتش-به-عظمت-نفوذ-ایران-اعتراف-کرده-است
  2. وكالة أنباء الجامعة الإسلامية الحرة “آنا”، 14/8/2017، متاح عبر الرابط التالي: http://ana.ir/fa/news/17/202971/جنگ-را-از-کارون-به-شرق-مدیترانه-و-دریای-سرخ-انتقال-داده%E2%80%8Cایم-ایران-در-دو-جنگ-جهانی-در-برابر-دنیای-استکبار-ایستادحسن%20راضي،%20مشروع%20إيران%20التوسعي..%20من%20″الأناكوندا”%20إلى%20″الكوريدور”،%20سكاي%20نيوز%20عربية،%2026نوفمبر/%20تشرين
  3. حسن راضي، مشروع إيران التوسعي.. من “الأناكوندا” إلى “الكوريدور”، سكاي نيوز عربية، 26نوفمبر/ تشرين الثاني عام 2017، متاح رابط:

 https://www.skynewsarabia.com/blog/999837-%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9-%D8%A7%D9%95%D9%8A%D8%B1%D8%A7%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%88%D8%B3%D8%B9%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%94%D9%86%D8%A7%D9%83%D9%88%D9%86%D8%AF%D8%A7-%D8%A7%D9%84%D9%83%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%AF%D9%88%D8%B1

  1. ممر “إيران – العراق – سوريا” تحت التنفيذ في انتظار الإعلان الرسمي، العين الإخبارية، 8/4/2018، متاح رابط:

https://al-ain.com/article/iran-terrorism-iraq-syria

  1. مشروع إيران التوسعي.. من “الأناكوندا” إلى “الكوريدور”، مصدر سابق.
  2. العقلية الاستعلائية تقود استراتيجية طهران تجاه المنطقة، محمد السلمي، الشرق الأوسط، 1 أكتوبر/ تشرين الأول 2018، متاح رابط: https://aawsat.com/home/article/1411936/محمد-السلمي/العقلية-الاستعلائية-تقود-استراتيجية-طهران-تجاه-المنطقة
  3. 22 صورة العرب في الأدب الفارسي الحديث، تأليف: جويا بلندل سعد، ترجمة: صخر الحاج حسين، الناشر: دار قدمس ـ دمشق، بيروت 2007 صـ 160 لـ 170.

23.العرب … “عقود العنصرية” في إيران، هشام رشاد عبد الرحمن، المركز الديموقراطي العربي للدراسات الاستراتيجية، الاقتصادية، السياسية 29 مارس/ آذار 2018، متاح عبر الرابط التالي:

https://democraticac.de/?p=53370

  1. معارض إيراني لـ”العين الإخبارية”: غليان شعبي ضد الملالي، العين الإخبارية، 22 أبريل/ نيسان 2018، متاح رابط:

https://al-ain.com/article/ahwazrepression-hot-summer-against-the-mullahs

  1.  العرب … “عقود العنصرية” في إيران، مصدر سابق.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق