الدراسات

الدين وأداؤه السياسي في المجتمع الأحوازي

دراسة مخصصة حول تأثير الإسلام السياسي الإيراني على المجتمع الأحوازي

الملخص:

لقد خصصت الدراسة في مطاويها مسألة أداء الدين في المجتمع الأحوازي، علىأن لو كان للدين أداء في العناية والاهتمام بالإنسان الأحوازي بصفة خاصة، وبالإنسان بصفة العموم فما هو حجم ذلكالاهتمام؟ وبناء على هذا الاعتبار فالبحث في سياق تاريخي يكشف عن أداء الدين في الفترة المشعشية ( ١٤٣٦- ١٧٢٤ م) التي أسست دولة وضربت المسكوكات باسمها. وقد كان الدين جوهر الدولة المنظورة في عصور الإسلام التقليدية، بينما برصادة واقعية وكتمثل لما هو حاصل في القرن العشرين ــ الواحد والعشرين، يترادى أداء الدين في السياسة في العالم الحديث. ومن جهة أخرى بخصوص بحث الدين والسياسة تخصص الدراسة تأثير التدين والإسلام الإيراني على التدين الأحوازي في مجالي (العقيدة ـــ الإيمان) و(الاستلاب العنفي) والأخير من منظور الباثولوجيا الدينية ( Religious pathology) ظاهرة اجتماعية سلبية يبرزها الإسلام الإيراني الإرهابي كمسبّب بإمكانه تغيير البنية الدينية العربية الأحوازيةسلبا. ومن منظور اجتهادي شخصي لدي: أرفض مقولة ترابط الدين والسياسة، وهي عندى فاقدة للمبررات ولا مقبولية لها في التشريع، ولها محصلة خطيرة كونها ناتجة عن ترابط مفتعل عليل! أدت إلى انتشار ظواهر سلبية عديدة منها:  الإلحاد ومحاولة إعدام الدين من الهوية العربية طبعا عند شريحة معينة من الشعب الأحوازيإضافة إلى ما أشير إليه أعلاه، وهي المسألة الختامية التي تبحثها الدراسة. 

المصطحات المفتاحية: التدين، الإسلام، سوسولوجيا التدين الأحوازي الحديث، ولاية الفقيه، الدين والسياسة، المجتمع الأحوازي ، مفكرون أحوازيون جدد ، الدولة المشعشية ( ١٤٣٦- ١٧٢٤ م) ، نقد السياسة الإسلامية ، التطرف الديني ، الإرهاب الإسلامي الإيراني ، الباثولوجيا الدينية ( Religious pathologyالبنية الدينية العربية الأحوازية.

سؤال الدراسة:

سوف تجيب الدراسة على إشكالية مقولة الترابط بين الدين والسياسة وتكشف أن الأصل في هذا الحيز: (لا ترابط ولا تلازم)من منظور اجتهادي عندي في فهم الشريعة ( الكتاب والسنة والعقل)، وأن الترابطية المفتعلة بين الدين والسياسة تبقى سياقا تاريخانيا في دولة الأحواز المشعشعية ( 1436- 1724م) وكذا ولاية الفقيه، كما أن ولاية الفقيه تسببت في ترادي تدين المجتمع الأحوازي مما أنتج عاهات دخيلة بالإمكان رصدها من وجهة منظورية للباثولوجيا الدينية قد تؤدي على المدى البعيد إلى تغيير البنية الدينية العربية الأحوازية على مستوى الدين والتدين والمجتمع الأحوازي.

المقدمة:

 القول بترابط الدين ( الإسلام المؤيرن) مع السياسة وإمكان بناء مجتمع نامي وحديث على هذا الأساس في الأحواز هو في ذاته ينافي الحياة الجديدة ( Life New ) ومطالب الإنسان في العصر الحديث، ولا يمكن تقبل هذه الرؤية إطلاقا، والإصرار عليها انتهاك للقيم الاجتماعية والسياسية والإنسانية التي نِيلت بالتنوير والعقلانية والخطابات الحديثة.

وأن تكوين هذه الدولة إضافة عن مغايرتها للأعراف البشرية المعتمدة في السياسة والاجتماع وحقوق الإنسان، إنها تساعد على تصاعد الإسلام الأصولي وفوبيا الإسلام ( Isalmophobia) في الغرب الصديق.. وحديث دعوى الترابط بين الدين والسياسة حديث لم ينته بعدُ لا أقل في المنطقة (= الشرق الأوسط) بناء على تواجد إيران الإرهابية (١٩٧٩-…م) فيمكن الاجتهاد بقول ما أن نظرية ولاية الفقية هذه العاهة التي تطبقها الخميني (١٩٠٢ -١٩٨٨م ) في تاريخ الشيعة الحديث في نهايات القرن العشرين، وهي بعقدها الرابع فقد حملت تجارب خطيرة ومسيرة عدائية للمجتمعات الغربية، والعربية بخاصة. وأن الشعب الأحوازي الأكثر جنوحا إلى الدين من بين الشعوب المتواجدة في خارطة إيران السياسية بحسب الإحصائيات،فقد تأثر بطبيعة المعايشة والمداخلة بالإسلام المؤيرن بهذه المزعومة الواهية؛ إسلام ومزعومة لا رباط لهما بالهوية الدينية الأحوازية بصفة خاصة.

ومن واقع الرصد لمسيرة جمهورية الخميني المزعومة ( ولاية الفقيه- الجمهورية الإسلامية) الأربعينية ومحصلتها السلبية في المتاجرة بالدين [1] وانتهاك حقوق الإنسان، وزعزعة الأمن الإقليمي كإثارة الصراع العقائدي، أو تدعيم الإسلام السياسي السني العربي لتشويه الاعتبارات الكلامية والفقهية عند غير الشيعة.. وغير ذلك من أمور لا تعد من مظاهر الأخلاق إن تم إعمالها في السياسة، كالتوسع في صلاحيات ولي الفقيه خارج الدستور ( العمل بما فوق الدستور!) في إيران، وهي بطبيعة الواقع من أشكال الممارسة السلبية على ما يطلق عليه الفقيه السلطان[2] ( الولي الفقيه) ونوع من أنواع طغيان رجل الدين، الرجل الذي تظاهر قديما ( حتى قبل ١٩٧٩ م) بالتقوى والزهد والطهارة بينما اليوم يقف في قائمة المنافسة السوداء على السلطة الرسمية في استلام رئاسة الدولة أو تكوين منظمات ومؤسسات وجيوش وميليشيات وفِرق وتنظيمات للحرب أو التوظيف كعميل للاستخبارات ( وزارات اطلاعات جمهوري اسلامي ايران)!! على أن لم يبق من مسمى رجل الدين (المصداق) بالمعنى التقليدي شيء يصدق عليه اليوم نتيجة ما يمارسه في الإسلام السياسي واللأخلاق والاتجار بالدين.

ومن اللامبرر من وجهة نظر العقل الحديث أن ولاية الفقيه التي وظفت الدين وفسرته انطلاقا من أصول وقواعد لصالحها كالقاعدة الأصولية التراثية: (حادثة لا بد من أن يكون لها حكم) وقريب منه ما هو عند أهل السنة (أن كل حادثة أو تحدث إلى أن تنقضي دار التكليف لا بدّ أن يكون لها حكم عند الله) [3] أصبحت تمارس سياسة الماكيافلية بمعنى[4] وآخر!

 ثم هذه القاعدة بالذات في ضوء التحليل الوصفي تكشف لنا عن نظرة دينية متطرفة تجاه الدين  فيها منطق شمولي (Holistic) تحاول فيه ولاية الفقيه التدخل بكل حادثة في الحياة والاجتماعية والسياسية والثقافية. وهذه الدعوى لا يقر بصحتها فلاسفة الدين ولا المتكلمون الجدد، وأعتدها من أشكال التوهم ودعوة إلى الظلام التاريخي ( ظلامية الكنيسة – الشعب =ظلامية الخلافة=ظلامية الإمامة) وأنظر إلى دعاتها بأن لهم نوايا ومصالح يعتزمون نيلها بعمامة الدين ومساعي للانشغال بغير رموزه ( محراب الجامع وصفوف التدريس الديني وعباءة الافتاء) [5]. وبناء على هذا الاعتبار تبدأ إلزامات المفكر الأحوازي واقتضاءاته الفكرية لتحليل ونقد الوضع الاجتماعي الأحوازي في عتمة الدين المؤيرن ( ولاية الفقيه| الجمهورية الإسلامية) وما تنهتي إليه الأوضال حاضرا ومستقبلا بصفة العموم والخصوص. يقول Pierre Bourdieu في تحليله عن باثولوجيا الدين المؤدلج ورجال الدين إن سعي (رجال الدين في تحويل منظومة ما بعد الطبيعة إلى أيديولوجية ورأس مال متجسد فيكون نصيبهم من النجاح أكثر وسعيهم في نقل المجتمع إلى خارج صعيد الأعراف والتقابيد الاجتماعية أنجح وهذا التمكين في الرأس المال المتجسد يساعد رجال الدين في الاستيلاء على الأحداث [والمتغيرات] الاجتماعية وعلاقلات القدرة، والجو الديني أرضية أعم وأوسع من الأمكنة  الدينية[6].

في الحقيقة أن عاهة مسماة بالجمهورية الإسلامية ( ولاية الفقيه) يمكن أن تتضح مفاسدها وأضرارها في ضوء فهم العالم الجديد الذي يناهض كل ضرب من التفكير الآحادي المنغلق أو الدوغمائية (Dogmatism) الموروثة، بناء على أن البشر اليوم من خلال عدة علوم وفلسفات وفنون ومهارات وامتلاك تجارب تاريخية عديدة وانفتاح آفاق واسعة أمامه لا يمكنه أن يسلم الإنسان والمجتمع ومتعلقاتهما بعد كل هذا التقدم والتفوق إلى رجل دين يتجار بالدين مَخْشول، ومزعومته ( ولاية الفقيه) ذي الذهنية المقدِّسة للتراث بسلبياته وإيجابياته؛ لا يرتضي بالعقلانية ولا المعقولية ولا التنوير، ولم يزل يحلم بمناصرة موضوعات متهالكة كالإمامة والخلافة أو النيل من مناهضي رموز مذهب لا يتفق معه إلى غير ذلك من رؤية بائدة سالبة. ثم إن الخطابات الدينية فقدت أهميتها، وخطاب الإسلام السياسي الأكثر رفضا بعد تجربة ولاية الفقيه نفسها في إيران [7] وأول الرفض بدأ من الشعوب غير الفارسية نفسها في خارطة جمهورية إسلامية إيرانية مزعومة. ولا أتصور غاب عن متابعي تاريخ الإسلام الإيراني الحديث أداءات سياسة ولاية الفقيه الخارجية في المجتمعات العربية وتدخلها السافر في شؤون سياسة الخليج العربي والدول العربية بذريعة الإسلام! والدفاع عن الله! أو أكذوبة نصرة المظلوم بغطاية الدين! والسؤال الآن فهل هذه الأفعال الجنونية صدرت عن مجانين؟ لا وكلا، إن القائمين يفعلون ذلك من دافع الدين ومسألة اليقين الديني؛ الدين في مثل هذه الأحوال يحول المتدين الأصولي (Fundamentalism) إلى حضيض الطبيعة الوحوشية وعندها سوف لن يقيم اعتبارا للأعراف الإنسانية والاجتماعية،وهذا هو شكل من أداء الدين السلبي الذي طالما خُصصت له دراسات سابقة. وبين هذه الأفعال وغيرها إلى جانب تصور ولاية الفقيه الشمولية والمنغلقة والممثلة للإسلام السياسي بالتمام، لا يمكن عدم اعتبارها ( الحكومات إيران عموما) غير عاهة عسيرة واقفة بوجه تطلعات وطماح الشعب الأحوازي الجديدة وقناعات الإنسان الأحوازي وقِيَمه العصرية والتي لم يعد بالإمكان صياغتها على نوعية مشعشعيّة ولا حتى كعبيّة  ( الحكم المشعشعي والحكم الكعبي) مثلا، وأهمها بالتحديد الثقافة والسياسة ومتعلقاتهما حاليا، على أن تكون هذه المتعلقات قد نشأت بالاستناد إلى العقل العرفي والعلوم الإنسانية والحقوق والفلسفات الحديثة؛ أو العقل المستقل ( المستقلات العقلية) في فهمه عن مقولة الوحي؛ العقل الذي يُستند إليه في تبديد كل جربزة وخربشة دينية (= كنظرية ولاية الفقيه في السياسة ونظرية قواعد الشريعة هي الحقوق المدنية) وظلم سياسي وظلام اجتماعي مبرر بعمامة وجبة ونظرية دينية. وعليه فهذه العاهة وتجربتها المدنسة والموسخة للتقاليد والأعراف الإنسانية الجديدة أثرت سلبا على تدين الفرد في المجتمع الأحوازي الذي شهد في ثقافته الاعتدال في العقائد والفكر مثلما تشهد جملة أحداث وأحوال مرّت به في نظام زمني تباعي مختار: (أموي وعباسي ومغولي وكعبي)، بل عُرف بالعقل الاعتزالي (= فلسفة عقلية)أساسا في الفترة العباسية.

كما بالإمكان فهم نتاج هذه العاهة كمضمون سلبي ( Connotation Negative) على شرائح الشعب الأحوازي بخاصة المتدين المنغلق في ضوء التحولات الأخيرة في العالم كونها ( ولاية الفقيه) أول تطبيق للإسلام السياسي في الشرق في نهايات القرن العشرين معادية للأعراف الدولية الحديثة والمجتمعات المدنية؛ إذ إن استلاب شريحة من الشعب الأحوازي لها بقي شبه معدوما، لكنه في الوقت ذاته محصورا في الانتماء الحرس الثوري ومنظماته الإرهابية.. بناء على غياب التنوير الديني ( Religious Enlightenment) على أن الإسلام بكل تأكيد (  بالحجية القطعية) كدين سماوي ليس له منظومة سياسية ولم يرشح رجل الدين إلى تكوين حكم ودولة، وأساسا هذه المسائل تم إحالتها إلى الناس ( الشعب) في الكشف أو اختيار الأصلح والأولى والأنسب في الحكم وكذا تدوين الدستور المدني بالاعتبار من العرف البشري.

هل من ترابط بين الدين والسياسة:

ليس بالإمكان أن تنقاد الانفعالات الوجودية ( الشعور والمؤًّثر النفسي..) إلى الخلو من الهموم أو إلى سكون النفس وثمة آثار لا تنتهي من حال إلى حال في الظلم والطغيان الاجتماعي والسياسي والانتهاك لحقوق الإنسان؛ يتشظى هنا وهناك لمزيد من التدمير والتعتيم والإهانة في جغرافيا عالم الإسلام تحت عناوين متعددة كالحكم الإسلامي والجماعات الدينية والحركات الإسلامية والنظيمات الجهادية والأحزاب الإسلامية… ويحاول مؤسسو أو زعماء هذه المصطلحات إيجاد ترابط بين الدين ومنظومة الحكم ( الإسلام والسياسة). ويمكن الاجتهاد أن ما يسمى نظام جمهورية ولاية الفقيه في إيران، أي النظام المؤسّس على أسّ مقولة الدين في السياسة كما يعرفها الاتجاه الأصولي ــ الفقهي، والإسلام السياسي كما يعرفها علم السياسة، ونظام الحكم الديني ( Theocracy) كما تعرفها أدبيات الغرب، ليس له اعتبار عرفي إنساني حديث، أجل، الأديان الإبراهيمية لها مبادئ معينة تعنى بالأخلاق والبناء الاجتماعي والإنساني والروحي كما لسائر الأديان. فمثلا الأديان الإبراهيمية تركز على أخلاق الفضيلة (Virtue Ethics) وفيها جنوح نحو العدالة ونبذ الاستبداد… إلا أن هذا لا يكفي لكي تتكوّن دولة ونظام حكم سياسي باسم الأديان أو تصادر حرية الإنسان بين وضع أحكام دينية ( حرام وحلال ومكروه ومستحب..)، وهي أحكام يتقبلها المتدين التقليدي وتسوغ له، بينما لا يمكن تحجيم حرية العلماني أو ذي النزعة الإنسانية البحة بواسطها وإجباره على قبول التدين أو مشايعة الديننة.. وتقييده بالأحكام على أنها مسار السعادة والفلاح. ولو حصل هذا بواسطة قوة قاهرة اجتماعية يدعمها نظام الحكم أو الدولة فعندها نحن أمام شكل من أشكال النظام الديني السياسي ـ الأصولي وتاريخه معلوم لا حاجة إلى سرده.

وبهذا الاعتبار فالنموذج الإيراني حاليا لكونه من أبرز أشكال النظام الديني ـ السياسي فقد أثبت طوال أربعة عقود (١٩٧٩ – …) فشل إمكان تكوين نظام الحكم بـ أحكام فقهية! و وقواعد أصولية! ومنبر خطابة دينية! وفتوى وعمامة! وبصورة عامة أبواب الفقه الإسلامي التي افتقدت الاتساق مع الزمان والمكان، ولذلك يبقى البديل في إدارة المجتمعات وخطط الأمن والحماية والتنمية ونشوء الدولة.. هي النماذج التي يتعمدها الإنسان بالمواضعة (= الأعراف الإنسانية) أولا، وأن تحظى بالتصويت والاختيار من الشعب ثانيا كما في الديمقراطية مثلا.

وأما في العودة إلى نقطة البداية وهي نظام الحكم الديني ( Theocracy) في إيران، فقد أعتبره مسألة متناقضة شبيه بما نطلق عليها في المنطق الرمزي تسمية ( Contradiction) حيث تشير إلى التهافت الذاتي، وبالأولى البطلان لعدم إمكان وضع مفهومين متناقضين في مقولة؛ إذ إننا نرصد في التحليل:

الجمهورية: حكم الشعب وحرية اختيار نظام الإدارة.

والإسلامية: تطبيق إرادة الله، ونقض إرادة الشعب في اختيار نظام الإدارة!

ولا أدرى كيف نفهم صدق المسألة المتناقضة على أنها منطقية أولا، ثم أنها موضع قبول الإسلام ثانيا؟ وهل الإسلام يوافق على اللامعقول واللامنطقي والمتناقض كما نفهمه من خلال الإداء والتطبيق والعمل في نظام الجمهورية الإيرانية؟ والمعلوم أن فهم الإسلام تابع للمصادر والمعارف والآليات وهو كدين سماوي إبراهيمي غير متناقض في ذاته. بل أساسا لا يمكن لله تعالى كمُنزل للأديان أن يبدي أمرا متناقضا في خطابه أو تعاليمه، هذا محال من وجهة المنطق الإنساني وكانت الإبانة المنطقية لـ Ludwig Wittgenstein (بأن الله يستطيع أن يخلق كل شيء ما عدا ما كان متناقضا لقوانين المنطق) [8]  من أصدق المواقف الكلامية، ولو لم يعتدها بنفسه كلامية إطلاقا. ومن أبرز عينات التناقض للواقع المعاش القول بالحرية نظريا ونقضها عمليا في ممارسات الجمهورية الإيرانية، نقض حرية التعبير وحرية اختيار الأديان والمذاهب والاتجاهات السياسية والاجتماعية والاقتصادية.. وانتهاكات في أثناء التصرف مع مطالبات الشعوب غير الفارسية الإنسانية، والتمريس في القمع الاجتماعي والسياسي والاقتصادي أو محاولة تبرير القمع بأحكام الفقه الإسلامي للأجهزة الأمنية والاستخباراتية في الاعتقال والاختطاف والاغتيال وإيجاد المحرقات. وقد جعلت الجمهورية بنظامها الديني الشُمُوليَّ الغريب (Totalitarianism) كل هذه الممارسات في جواز من الحوزة العلميةوالفتوى والمرشد الأعلى ووكلائه. ومهما يكن من الأمر تكفي نظرة عابرة على فهم طبيعة اللاترابط المنطقي والديني بين الإسلام ونشوء منظومة حكم سياسي بما هو أسع مما تقدم.

واليوم في ذكرى أربعين عاما على نكبة جمهورية الخميني (١٩٧٩-  …م)؛ الثورة التي ما كان لها أن تكون جمهورية دينية ولا ولاية الفقيه وذلك لأن الثورة كانت شعبية وتحالفا لليبراليين واليساريين والجماعات الدينية المتطرفة؛ سعت التحالفات كافة إلى الإطاحة بالشاه محمد رضا البهلوى (١٩٥٩- ١٩٨٠م) نتيجة الفساد والقمع والسياسة العلمانية المتطرفة.

وفي أحوال هذه الأزمة الذابحة تعاطف الخمينى (١٩٠٢- ١٩٨٩م) مع غالبية المتدينين المتطرفين وخادع الشعوب غير الفارسية بخطابات ظاهرها العدل والحياة الكريمة. وعولت هذه الشعوب في النهاية على وعوده لها على أنه المخلص الأمين لإنقاذها من استبدادية الشاه، وأن لا إجبار على تنفيذ الأحكام الشرعية إلا أننا نلاحظ أن الثورة المتحالفة تحولت إلى جمهورية إسلامية! فيما مع وجود علمانيين وليبراليين.. والدليل على أن الصورة لم يراد منها أن تكون إسلامية كثرة مقابلات الخميني في باريس التي لا تشير إلى تكوين نظام فقهي ــ كلامي يتولى شأن الحكم والسياسة بعد الإطاحة بالشاه! وكذا أن مسودة الدستور الجديد لم يعتمد نظرية ولاية الفقيه وكلما في الأمر أن ثورة الشعوب نهضت على الشاه للأسباب المشار إليها.. ولا علاقة لها بأي دافع ديني للتطبيق ولا همّ لها على أي حكم شرعي فيا بعد الثورة. والآن بعد مضي أربعة عقود من الجمهورية وقصورها وانتهاكاتها في الاقتصاد والسياسة والاجتماع واللاترابط الذي أريد منه أن يترابط بين الدين والسياسة لقد وجهت الجمهورية ضربات قاضية إلى جسد الدين ( الإسلام) والتدين! وكما ألمحت في دراسات سابقة فالحل الوحيد والأكثر اختبارا وتطبيقا هو فصل الدين عن السياسة وعدم شرعنة الثيوقرطية المستندة إلى الفقاهة ورجال الدين! وكما ألمحت في محله أن شأن مرجعه: العقلانية والعلوم الإنسانية والحقوق وعلم السياسة وفلسفة السياسة وفلسفة الحقوق.. ولا ترابط بينها وبين أحكام فقهية ومواقف كلامية.

الدين والدولة المشعشية ( ١٤٣٦- ١٧٢٤م):

      من خلال المنظور التاريخي الذي نمتلكه بشأن أوضاع الأحواز العقائدية والسياسية والاجتماعية والعلمية، يمكن الاجتهاد أن ثمة مسألة لم يخصص لها البحث وهي أنه كان للدين أداء جوهري وأولي في إنشاء الدولة المشعشية على يد السيد محمد بن فلاح المشعشع (١٤٦٢ –١٥٠٠م) وكما نشهد فإن بداية الحكم كان مقارنا مع فترة من عصور الكنيسة الظلامية (١٢١٧- ١٨٣٤م ) في أوربا، وبذلك فكان الدين هو العلم الأعلى والمعرفة الأولى في واقع الاجتماع والسياسة والثقافة قبل تكوين علم السياسة وبدء العلمانية وحقوق الإنسان برؤى فلاسفة ومفكرين كتوماس هوبز ( ١٥٨٨ – ١٦٧٩ م) وجون لوك (١٦٣٢ –١٧٠٤ م)  وجان جاك روسو ( ١٧١٢ – ١٧٧٨ م) برصادة عمومية. ومعنى ذلك أن هناك فهم تاريخي حدد ترابيطية الدين بالسياسة وسواء حقق إيجابا أم سلبا فذلك فهم لقد ولّت عصوره. ونحن ندرس ذلك الفهم حاليا كظاهرة تاريخية لا واقع عيني ملزم في كل العصور. وبناء على هذا المنظور فالدين في تلك العصور حظي بمكانة أولية وكان أداؤه لا مثيل له بالنسبة لمجتمعات وشعوب تعيش بنمطية تقليدية ــ كلاسيكية، لا كما نعيش اليوم في نفيض من التقليد والفهم التراثي للدين الذي جعل الترابط بين السياسة والدين قديما. ولو أن المسألة بالنسبة إلى الشعب الأحوازي كجزء من شعوب الشرقية بنزعة الإسلام، وبعد انقطاع دام ما يقرب من مائتي عام مع الدولة المشعشية الدينية لا يزال غير واع لما يحدث في العالم الجديد من سياسة وحقوق.. أو بالأصح مورست عليه سياسات ليكون غير واع بذلك. ولكن عودة على المنطلق يمكن الاجتهاد فإن الدين (الإسلام العربي) في عصر الدولة المشعشعية بإدراك تاريخي كان الأكثر تأثيرا في نشوء الدولة أو استقلال الأحواز من الدولة الصفوية (١٥٠١-١٧٣٦ م) والدولة العثمانية (١٢٩٩–١٩٢٣ م) في فترات معينة، بل بعزيمة حكام الأحواز المتدينين دام الملك حتى انتهى بالحكم من قبل الإمارة الكعبية. ولو ترصد حياة المؤسس السيد محمد بن فلاح المشعشع (١٤٦٢ –١٥٠٠ م) لأبان للباحث أن هذا المتصوف والفقيه وصاحب الرياضة الروحية والمكاشفة الإشراقية إلى جانب اعتكافه في جامع الكوفة سنة كاملة قبيل القيام بإنشاء الدولة والتخطيط لها [9] ليصاب الإنسان بالذهول في أن الدين كيف يؤدي وظائف عظيمة في بيئة الشعب الأحوازي والشرقي عموما أحيانا. والآن فالدين ( الإسلام العربي)كان فيما مضى له تأثير في السياسة وهذا ما لا يمكن نكرانه أو تناسيه، أجل موقع الدين حاليا في السياسة كما تقدم غير مبرر، ولا أساس له إن أريد منه إنشاء حكم ديني أو إسلامي في العصر الحديث، والتجربة الإيرانية والأحزاب الإسلامية السنية تدل على عدم إمكان ذلك بعد إخفاقات متتابعة ومشهودة.

باثولوجيا الدين السياسي ( ولاية الفقيه)على الشعب الأحوازي:

لقد اتضح فيما مضى دور الدين (الإسلام العربي) في إنشاء الدولة العربية المشعشية، وتم التأكد من الإداء الإيجابي والمبررات والعلاقات بينها وبين المؤسس والشعب الأحوازي، وقد مرت الإبانة مشيرة إلى تلك العصور على إمكان اعتبار الدولة المشعشعية الدينية ظاهرة تاريخية، لا واقع عيني ثابت.. ملزم الإدراك والتطبيق في القرن الواحد والعشرين، إلا أن بالإمكان أيضا فهم عموميات الرؤية الدينية والخصوصيات المشتركة بينها ككل وتتابع عينة وأخرى كالتشديد على تنفيذ الأحكام مثلا لإدراك ماهيتها، وهذا من جهة أولية؛ ومن جهة ثانوية أن إعمال المقارنة لدراسة القصور والتخلف والإنتهاكات التي تسببها الدولة الدينية فليس أمامنا أولى من ولاية الفقيه في هذا المجال ولو أن التفصيل يلزمه موضوع قائم في ذاته وهو متسعر الآن. وبصفة عامة في سياق البحث تعد الباثولوجيا الدينية ( Religious pathology) آلية فاعلة للكشف عما تقدم بالإضافة إلى نوعية أداء الدين السلبي في السياسة والاجتماع وأضراره، وتبدو الأحواز في ظل النظام الديني غير قابلة للإهمال بحسب الآتي:

 أ).ظاهرة التشرد من الدين:

رغم أن الدين في الأحواز له مكانة بينة ومعلومة وله أتباع وأنصار مقارنة مع التيارات والاتجاهات الفكرية الأخرى، والتي تهدف إلى تقليل شأنه بصفة عامة بين أتباعه كالمواقف العلموية ( Scientism) المتطرفة عند ثلة من الشبان، يكتسب هذا ضرورة تحليل ظاهرة الإعراض عن الدين والذي لا يعد محاولة مبررة ولا تحظى بإسناد وطني. وقد مرت في دراسة سابقة وظيفة الدين وأداؤه في إسناد الهوية العربية الأحوازية. وبالإمكان رصد ثلاثة عقود ( ١٩٩٠ – ٢٠١٩ م) لظاهرة التشرد من الدين أو الإلحاد نتيجة أداء الدين السلبي في السياسة لولاية الفقيه، كالظلم باسم الدين وتبرير الاضطهاد الديني والقومي ومصادرة الحريات الشخصية ومآت المسائل التي لا يسع ذكرها لتبرير سلطة الحاكم وجرائمه.. وبطبيعة النتائج فقد كوّنت صدمات كبيرة في عقول وأذهان غالبية شرائح الشعب الأحوازي. والواقع الأكاديمي يشير إلى عدم إمكان إعدام الدين من المجتمعات لأنه ذو أتباع يرون لهم واجبا في الحفاظ عليه[10]. وعليه فإن عهد ولاية الفقيه في الجمهورية الإسلامية في أداءها السياسي السلبي أبين عهد تشهد الأحواز فيه انتاج الوعي المعادي للدين بكل أشكاله انطلاقا من الفتاوى الأولى للحرب ضد العراق الشقيق وفتاوى في إصدار الحكم بالإعدام وفتاوى في التجسس على المواطن الأحوازي وفتاوى في تعذيبه.. وفتاوى في الاستئثار بالمناصب والمراتب وفتاوى في التصرف بفوقية مع الأحوازي العربي وأخيرا فتاوى في الجهاد إلى جانب حزب البعث العربي السوري الإشتراكي ــ الموالي لولي الفقيه! وقد أثارت هذه الفتاوى استفهامات عديدة في ذهن المتدين البسيط وغير المتدين الأحوازي على أن الدين ( الإسلام) هذه هي حقيقته: ولاية الفقيه – الجمهورية الإسلامية وهو وسيلة لنيل الغايات والأهداف والمصالح الشخصية والدنيوية نظريا وعمليا. وهكذا يرى الأحوازي نفسه حائرا في معرفة الإسلام العام عن الإسلام المؤيرن والمؤدلج نتيجة فقدان النخبة وذوي التخصصات المعنية بالمسألة أو عدم النهوض بمسؤولية التنوير الديني( Religious Enlightenment)! الذي يساعد على فهم واقع الدين، بينما هو في شبه غياب تام.

إن شرائح أحوازية واسعة تشكك اليوم بكل ما له رباط بالدين انطلاقا من وجود الله فالأنبياء حتى وصولا بالمصادر والآليات المؤدية إلى إمكان فهم الدين. وبناء على هذا المنظور تتجلى مهمة فيلسوف الدين والمفكر التنويري في إعادة مكانة الدين (= الإسلام العربي)كمكون أساسي في الهوية العربية الأحوازية وكظاهرة لا بديلة لها في الشعور بالمسؤولية والتكامل الذاتي، وهذا ما يطلب خطابا دينيا مناهضا لنظرية ولاية الفقيه-الجمهورية الإسلامية ومزاعمها المضرة كنيابة المهدي، على أن يكون الخطاب ذا ترابط بالهوية والثوابت والقيم والمُثل يؤدي إلى إزالة آثار ولاية الفقيه من المجتمع وليس بالإمكان إنجازه بسهولة. مع العلم أن المواطن الأحوازي اليوم لا رغبة له في أن يتولي الدين ( Religious) كل صعيد ونطاق ومجال ويعطي وجهة نظره على أنها ملزمة التطبيق[11]، وأن تذكاره لتاريخ المشعشية لا يكون أكثر من مستوى هاجس نستولوجوي، وكيف لا يتذكر من يرى أن هويته الدينية والعربية مهددتين بنظرية الأيرينة أو الأرينة المعادية؟

 ب).ظاهرة استلاب العنف العقائدي والتطرف الديني:

بمَ قد أضرت نظرية الترابط بين الدين والسياسة وبوجه الخصوص نظرية ولاية الفقيه الايرانية. قد لا نستيطع إحصاء الجزئيات وعدّ التفاصيل، إلا أن تخصيص البحث لمسألة، وهي دفع شريحة كبيرة من شعب الأحوازي نظريا إلى الاستلاب تجاه التطرف والعنف، وإيجاد دوافع غير عقلانية عند شريحة أخرى باستلاب نحو تطبيق الإرهاب، فإنه من نتائج هذه الترابطية المرفوضة! ولا ملامة في ذلك؛ لفقدان المؤسسات والمعاهد القادرة على إنجاز البحوث والدراسات المعنية بالشعب الأحوازي ثقافيا وعلميا وفلسفيا وتاريخيا وتعليميا للتنوير. بينما اعتادت أسماع الفرد الأحوازي منذ سنوات الطفولة، والتعليم الابتدائي، ومراحل تكون البنية النفسية والاجتماعية والثقافية على مصطلحات إسفافية وهرطقات طائفية وإرهابية لا مبرر لها كالإمام الخميني! وأنصار الله وحزب الله ومقاتلي الإسلام ومنظمات شعبية مثل الباسيج، والمساجد خنادق ثورة الخميني! إذاعة أدبيات الحرس الثوري الإرهابي في دور العبادة ورؤاها الخطيرة، وهذا هو الرهان المشتد في تأثيره السلبي على تدين الإنسان الأحوازي؛ التدين الذي يأتي بعد الإيمان ووظيفة الإيمان إزالة القلق أو الشك بالله والعالم والإنسان والطبيعة تجاه اللاثبات النفسي [12] والشكوك والارتيابات؛ إذ يمكننا تعريف الإيمان على أنه ضمان مُطمئن للمؤمن ومحله القلب. وإن كان قد رأى الفيلسوف الأمريكي Paul Tillich خلاف ذلك على أنالإيمان من جوهر الفعل ومحله غير القلب[13]. ولا متسع للبحث الفلسفي أن أيّا منهما يتقدم الإيمان أم الفعل؟ ومن له التأثير الأولى أو السابق على أداء الإنسان؟ إذاً، الإيمان ذلك الضمان المعنوي الذي يؤدي إلى الثبات وعدم القلق، وهو من جنس النظري

وبناء على هذ الاعتبار يمكن الاجتهاد أن استدارة حالة الإيمان من الانشغال بالقلق الفطري (innatenessعند الشريحة المؤمنة نحو خطة عملية شأنها تكوين أيديولوجيات وإلزامه على المجتمع الأحوازي هو في حد ذاته توسيخ للإيمان وتلويث لبيئة المجتمع، وإرهاب فكري بيّن، ومانع منيع في حركة الإيمان الاعتدالي أو الإيمان العقلاني الذي أشرنا أنه من خصيصة الثقافة الأحوازية العامة والدينية بخاصة. 

وعليه وفقا لما تقدم فالإقبال على التشرد من الدين أو عدم الاعتراف بالأديان والشعور بلا جدوائيتها وبخاصة الاسلام ظاهرة جديدة أدت إيران إلى مضاعفتها بواسطة الرؤية الإسلامية ( ولاية الفقيه| الجمهورية الإسلامية)وسيبقى التأثير السلبي مترابطا بمدى قدرة الشعب العربي الأحوازي على التغيير أو محاولة  الحفاظ على البنية الدينية ــ الاجتماعية ــ الثقافية المغايرة مع ما هو قائم بنية في إيران. ومعنى ذلك ضرورة تبنى خطط تعليمية وإرشادية ذات اتصاف عقلاني وحضور العقلية الناقدة والتنوير الديني لتبديد كل ما له صلة  بـولاية الفقيه| الجمهورية الإسلامية) وإعادة الأمور إلى الواقع الاجتماعي والثقافي والمصالحة مع العالم الحديث بنفس الأحوال نفسها التي كانت تعمّ مدن الأحواز قبل عام ١٩٧٩ م.

المتدين والعمل السياسي:

بناء على كل الاعتبارات المارة في مطاوي البحث هناك مسألة جوهرية ذات رباط بما تقدم، وهي أن ما مدى صحة تدخل الدين في العمل السياسي لمتديني الأحواز؟ ولو أننا قد بينا موقفا التنويري منها في سياق الدولة المشعشعية، إلا أن هناك من يرى الترابط بين الدين والعمل السياسي غير مدرك أن هذا التصور لا يخرج من اعتبارات (فقهية ــ كلامية) [14] والنتيجة نحن أمام إعادة الإسلام الإخواني على فرض أن هناك من يريد تجربة الدين في السياسة بنمطية المذهب السني مثلا، حيث لمذهب السنة أتباع وأنصار في الأحواز أو تقليد جماعات وأحزاب أكثر شيوعا في البلدان العربية عمليا، فهل أمام هذا المتدين إلا تجارب فاشلة ومهزمة غير إيرانية، كبعض الجماعات في الدول الاخرى؟ وهل يرتدع الأحوازي المتدين الراديكالي عن الاستتباع لمثل هذا الإسفاف؟ وعليه: يمكن الاجتهاد عجالة أن كل أشكال ترابط الدين والسياسة في العمل السياسي غير مبررة، وتنتهي إلى نفس تجربة الخميني أو سيد قطب!

المحصلة:

اتضح أن تكوين الحكم الديني مغاير للأعراف والتقاليد الحديثة التي توصل إليها الإنسان بعد جهد متواصل من التنوير والعقلانية وعبور من معاناة العصور التقليدية، وأن نظرية الدولة المشعشعية العربية (١٤٣٦-١٧٢٤م) في الأحواز كانت تعبر عن مستوى الإسلام التقليدي والمتجمع التقليدي ولا يمكن إعادة الاعتبار لها والتأسي بها وبغيرها فالفترة التي حكمت بها الأحواز تعتبر من وجهة نظر الهيرمينوطيقا مرحلة تاريخية، وبالتعاقب نفس الأمر ينطبق على نظرية ولاية الفقيه، النظرية التي تخصص القدرة السياسية بيد الولي الفقيه وتمنحه صلاحيات ما فوق القانون ( تعليق للقانون)! ويبدو أن في عصر العلمانية أو ما بعد العلمانية في الزمن الذي تنادي فيه المجتمعات بضرورة تحجيم دور الإسلام السياسي والاهتمام بمقولة فصل الدين عن السياسة، فإن هذا نقض لمكانة العقل البشري السليم والحديث وموقفه الأكثر شمولا في رفض الترابط بين الدين بالسياسة. ثم لو يرصد مؤثرية الإسلام الإيراني وأداؤه السلبي على التدين في الأحواز نشهد أنه ساعد على نشوء ظواهر سلبية لم تشهد في العهد الحكومة الكعبية مثلا. وأن أية محاولة سواء شيعية كانت أم سنية للترابطية بين الدين والسياسة مختومة بالاخفاق والإدبار، وهذا ما يلزم التكريس له في الدراسات المعنية بالدين والسياسة في المجتمع الأحوازي بصفة عامة.

كمال بن سلمان: أكاديمي؛ أستاذ سابق في الفلسفة واللغة والدين. يمكنك الحصول على حساب الكاتب على التويتر عبر الرابط التالي:

https://twitter.com/kamalobinsalman

المصادر:

[1] .للمرة الأولى يشهد التشيع ظاهرة متطورة جدا في تغيير مفاهيم ما بعد الطبيعة والدين والغيب إلى ما يمكن تسميته بـ (البضاعة)! و(القيمة) المادية!

 [2] .قال رسول: ( الفقهاء أمناء الرسل ما لم يدخلوا في الدنيا. قيل: يا رسول الله: وما دخولهم في الدنيا؟ قال: اتّباع السلطان، فإذا فعلوا ذلك فاحذروهم على دينكم). انظر: الكافي، الجزء الأول: كتاب فضل العلم، الباب 13، الحديث: 5. صححه وعلق عليه علي أكبر الغفاري، الطبعة الثالثة، الناشر: دار الكتب الاسلامية، تهران 1388هـ.ق (مصدر شيعي معتمد في نصوص الحديث).

 [3] . انظر، موقف الشيعة، الشيخ عبد الله بن محمد التوني، الوافية في أصول الفقه: 171، منشورات مجمع الفكر الإسلامي، قم 1412هـ.ق؛ وانظر، موقف أهل السنة: نهاية السول شرح منهاج الوصول إلى علم الأصول:1/ 4 – 1 تحقيق محمد حسن اسماعيل، ط 1، دار الكتب العلمية ، بيروت 1402هـ.ق

[4] .أي: سياسة بلا أخلاق ومبادئ إلهية

 [5] . [13] Pierre Bourdieu, Questions de sociologie, Paris : Les éditions de minuit, 2002, pp. 113-137 (بتوسيط مصدر فارسي)

6] .بتعبير أدق : مديرية المقدَّس (= الشؤون المقدسة)!.

[7] .تعمل حاليا ولاية الفقيه على خلق قواعد رصينة لها في سوريا والعراق واليمن وشمال أفريقا، وقد توفقت في لبنان بتوسيط حزب الله اللبناني الإرهابي، وفي العراق بواسطة عملاءها وأكثرهم توابو الجيش العراقي السابق الذين أطلقت عليهم إيران (التبوابين) في أثناء الأسر وطلاب الحوزة العلمية والميليشيات الذي عاشوا في إيران فترة الحرب العراقية – الإيرانية.

[8].Taylor, Charles. A Secular Age. Cambridge, Mass: Belknap Press of Harvard University Press, 2007,pp.90.

[9]  . Wittgenstein, Ludwig, (1922), Tractatus Logico-Philosophicos 031.PLe3. London: Kegan Paul publication.

[10]. عباس العزاوي ، تاريخ العراق بين احتلالين: 3/111-112 ، الناشر: الدار العربية للموسوعات الطبعة: الأولى 2004م ؛ القاضي نور الله المرعشي التستري، مجالس المؤمنين 2/396-399، دار هاشم 2013م

[11] انظر دراستي: الهوية الدينية والهوية العربية الأحوازية

[12]  بعد تكوين الإسلام السياسي في إيران بدأت ظاهرة (انفصال الناس عن رجال الدين) انطلاقا من عامي 1978 – 1979م نتيجة الانشغال في أجهزة الأمن والاستخبارات والحرس الثوري والمؤسسات الحكومية والمؤسسات الثورية وقوات الشرطة والإعلام الرسمي والجيش وتغيرت بالمرة مكانة رجل الدين. انظر: شجاعي زند، المتغيرات الثقافية: 91 –92، تعريب: حيدر نجف، مركز الحضارة لتنمية الفكر الإسلاميّ، بيروت، الطبعة الأولى، 2012م.

[13] انظر، الطباطبايي، السيد محمد حسين: الميزان: 44، چاپ پنجم، إيران، دارالكتب 1372هـ.ش

[14]  Tillich, Paul, (1957), Dynamics of Faith, New York: Harper & Row Publishers.pp: 1-4

[15] كما عند جماعة إخوان المسلمين الأحواز وقد تأسست 2014 إلا أننا لا نشهد لها حضورا في الوقت الحالي

Venture capitals: Kamal Bin Salman

كمال بن سلمان: أكاديمي، متخصص بالإسلام ومابعد الطبيعة (=Metaphysician& scholar of islam)

مجال الدراسات: Philosophy of Religion؛Hermeneutic the Scripture؛ Understanding Islam؛New Theology  ؛ العلمانية السياسية (= Political Secularism) ؛ العلمانية الاعتقادية؛ فهم الإسلام  وما بعد الطبيعة  (= Refresh Metaphysic) 

بعض المؤلفات: دراسات مقارنة في المعجزة(ترجمة ونقد لنظرية ديفيد هيوم الفلسفية ــ الكلامية 2012م)؛ دراسات جاهزة للنشر: الإلهيات المقارنة ـــ التطبيقية؛ ما بعد الإسلامية في إيران؛ مذكرة الدين؛ محاضرات في الفلسفة التحليلية =Analytic philosophy؛ باحث في مركز دراسات دورإنتاش الوطني؛ يحمل حاليا استيطان الولايات المتحدة الأمريكية.

A Thinker and theologist and Translator and scholar of Islam; activist inthe rights of the Arab people of Ahwaz | Researcher of The Dur UntashStudies Centre.

https://twitter.com/kamalobinsalman

الملخص:

لقد خصصت الدراسة في مطاويها مسألة أداء الدين في المجتمع الأحوازي، على أن لو كان للدين أداء في العناية والاهتمام بالإنسان الأحوازي بصفة خاصة، وبالإنسان بصفة العموم فما هو حجم ذلك؟ وبناء على هذا الاعتبار فالبحث في سياق تاريخي يكشف عن أداء الدين في نشوء إحدى الدول التي حكمت الأحواز وهي الدولة المشعشعية التي ضربت المسكوكات باسمها، فقد كان الدين جوهر الدولة المنظورة في عصور الإسلام التقليدية. بينما برصادة واقعية وكتمثل لما هو حاصل في القرن العشرين ــ الواحد والعشرين، يترادى أداء الدين في السياسة في العالم الحديث.

 وأساسا من منظور اجتهادي شخصي لدي: أرفض مقولة ترابط الدين والسياسة، وهي عندى من وجهة اجتهادية لا مبرر لها ولا مقبولية في التشريع، ولها باثولوجيا خطيرة ناتجة من المزاوجة الحاصلة أدت إلى انتشار ظواهر سلبية عديدة منها:  الإلحاد في المعتقد والتطرف والعنف ومحاولة إعدام الدين من الهوية العربية طبعا عند شريحة معينة من الشعب الأحوازي.

المصطحات المفتاحية: التدين، الإسلام، سوسيولوجيا التدين الأحوازي الحديث، ولاية الفقيه، الدين والسياية، المجتمع الأحوازي ، مفكرون أحوازيون جدد ، الدولة المشعشية (= 1436- 1724م)، نقد السياسة الإسلامية ، التطرف الديني ، الإرهاب الإسلامي الإيراني.  

سؤال الدراسة:

سوف تجيب الدراسة على إشكالية مقولة الترابط بين الدين والسياسة وتكشف أن الأصل في هذا الحيز: (لا ترابط ولا تلازم)من منظور اجتهادي عندي في فهم الشريعة (=  الكتاب والسنة والعقل)، وأن مزاوجة الدين بالسياسة تبقى سياقا تاريخانيا في دولة الأحواز المشعشية (= 1436- 1724م) وأن ولاية الفقيه كيف بإمكانها المساهمة في ترادي المجتمع الأحوازي مما ينتج باثولوجيا على مستوى الدين والإنسان الأحوازي.

المقدمة:

 القول بترابط الدين (= الإسلام المؤيرن) مع السياسة وإمكان بناء مجتمع نامي وحديث للأحواز هو في ذاته ينافي الحياة الجديدة (= Life New) ومطالب الإنسان في العصر الحديث، والإصرار عليه انتهاك للقيم الاجتماعية والسياسية والإنسانية التي نِيلت بالتنوير والعقلانية والخطابات الحديثة. وأن تكوين هذه الدولة فضلا عن مغايرتها للأعراف البشرية المعتمدة في السياسة والاجتماع إنها تساعد على نشوء الإسلام الأصولي أو فوبيا الإسلام (= Isalmophobia) في الغرب الصديق.. وحديث دعوى الترابط بين الدين والسياسة حديث لم ينته بعدُ لا أقل في المنطقة (= الشرق الأوسط) بناء على تواجد إيران الإرهابية (1979-…م) ويمكن الاجتهاد بقول ما أن نظرية ولاية الفقية هذه العاهة التي وضعها الخميني 1988م في تاريخ الشيعة الحديث في نهايات القرن العشرين، وهي بعقدها الرابع فقد حملت تجارب خطيرة ومسيرة عدائية للمجتمعات الغربية، والعربية بخاصة، وأن مجتمع الشعب الأحوازي الأكثر جنوحا إلى الدين من بين الشعوب المتواجدة في خارطة إيران السياسية بحسب الإحصائيات تأثر بطبيعة المعايشة والمداخلة بالإسلام المؤيرن وهو إسلام لا رباط بالهوية الأحوازية أيضا في الكليات.

ومن واقع الرصد لمسيرة جمهورية الخميني المزعومة (= ولاية الفقيه| الجمهورية الإسلامية) الأربعينية ومحصلتها السلبية في المتاجرة بالدين [1] وانتهاك حقوق الإنسان وزعزعة الأمن الإقليمي كإثارة الصراع العقائدي وتدعيم الإسلام السياسي السني العربي لتشويه سمعة غير الشيعة.. وغير ذلك من أمور مما ليست أخلاقية في السياسة كالتوسع في صلاحيات ولي الفقيه خارج الدستور (= العمل بما فوق الدستور!) وهي من ظواهر الفقيه السلطان[2] وضرب من الطغيان لرجل الدين، الرجل الذي تظاهر قديما (= حتى قبل 1979م) بالتقوى والزهد والطهارة بينما اليوم يقف في قائمة المنافسة على السلطة الرسمية في الدولة وتكوين منظمات ومؤسسات وجيوش وميليشيات وفِرق وتنظيمات للسياسة والحرب والاستخبارات والتوظيف كعميل للدين الرسمي والسياسة! لم يبقي من مسمى رجل الدين (= المصداق) بالمعنى التقليدي شيء يصدق عليه اليوم نتيجة ما يمارسه في السياسة. والغريب (= من وجهة نظر العقل السليم) أن ولاية الفقيه التي استخدمت الدين وفسرته انطلاقا من أصول وقواعد لصالحها كقاعدة الأصولية: (أي حادثة لا بد من أن يكون لها حكم) وقريب من القول عند أهل السنة (أن كل حادثة أو تحدث إلى أن تنقضي دار التكليف لا بدّ أن يكون لها حكم عند الله) [3] أصبحت تمارس سياسة ماكيافلي بمعنى[4] وآخر! ثم هذه القاعدة بالذات في ضوء التحليل الوصفي تكشف لنا عن نظرة دينية متطرفة تجاه الدين (= religious) فيها منطق شمولي (= Holistic) تحاول فيه ولاية الفقيه التدخل بكل حادثة في الحياة والاجتماعية والسياسية والثقافية. وهذه الدعوى لا يقر بصحتها فلاسفة الدين ولا المفكر الأحوازي، بل يعتبرها ضربا من التوهم ودعوة إلى الظلام التاريخي (= ظلامية الكنيسة – الشعب / ظلامية الخلافة / ظلامية الإمامة) وينظر إلى دعاتها بأن لهم نوايا ومصالح يعتزمون نيلها بعمامة الدين ومساعي في الانشغال بغير رموزه (= محراب الجامع وصفوف التدريس الديني وعباءة الافتاء[5] ). وبناء على هذا الاعتبار تبدأ إلزامات المفكر الأحوازي والإقتضاءات لتحليل ونقد الوضع الاجتماعي الأحوازي في عتمة الدين المؤيرن (= ولاية الفقيه| الجمهورية الإسلامية) وما تنهتي إليه الأوضال حاضرا ومستقبلا بصفة العموم والخصوص. يقولPierre Bourdieu في تحليله عن باثولوجيا الدين المؤدلج ورجال دينيين إن (رجال الدين في تحويل منظومة ما بعد الطبيعة إلى أيديولوجية ورأس مال متجسد فيكون نصيبهم من النجاح أكثر وسعيهم في نقل المجتمع إلى خارج صعيد الأعراف والتقابيد الاجتماعية أنجح وهذا التمكين في الرأس المال المتجسد يساعد رجال الدين في الاستيلاء على الأحداث [والمتغيرات] الاجتماعية وعلاقلات القدرة، الجو الديني أرضية أعم وأوسع من الأمكنة  الدينية [6]!

في الحقيقة أن عاهة مسماة بالجمهورية الإسلامية (= ولاية الفقيه) يمكن أن تتضح مفاسدها وأضرارها في ضوء فهم العالم الجديد الذي يناهض كل ضرب من التفكير الآحادي المنغلق أو الدوغمائية (=Dogmatism) الموروثة، بناء على أن البشر اليوم من خلال عدة علوم وفلسفات وفنون ومهارات وامتلاك تجارب عديدة وانفتاح آفاق واسعة أمامه لا يمكنه أن يسلم أحوال المجتمع بعد كل هذا التقدم والتفوق إلى رجل الدين ومزاعمه (= ولاية الفقيه) ذي ذهنية مقدِّسة للتراث بسلبياته وإيجابياته، لا يرتضي بالعقلانية ولا المعقولية ولا التنوير، ولم يزل يحلم بمناصرة موضوعات متهالكة كالإمامة ــ الخلافة أو النيل من مناهضي رموز مذهب لا يتفق معه، وغير ذلك من رؤية سالبة بائدة. وبخاصة أن الخطابات الدينية (=Universality) فقدت أهميتها، وخطاب الإسلام السياسي الأكثر رفضا بعد تجربة ولاية الفقيه في إيران [7]. ولا أتصور غاب عن متابعي تاريخ الإسلام الإبراني الحديث أداء ولاية الفقيه وسياساتها في المجتمعات وتدخلها السافر في شؤون الخليج العربي والبلدان العربية بذريعة الإسلام والدفاع عن الله ونصرة المظلوم! فهل هذه الأفعال الجنونية صدرت عن مجانين؟ لا وكلا، إن القائمون يفعلون ذلك من دافع الدين واليقين الديني، الدين في مثل هذه الأحوال يحول المتدين الأصولي (=Fundamentalism) إلى حضيض الطبيعة الوحوشية وهذا هو أداء الدين السلبي الذي طالما خصصت له دراسات سابقة.

وبين هذه الأفعال وغيرها إلى جانب تصور ولاية الفقيه الشمولية والمنغلقة الممثلة للإسلام السياسي فإنها لا تكون إلا عاهة عسيرة أمام حياة الشعب الأحوازي الجديدة وقناعات الإنسان الأحوازي وقِيَمه في العصر الحديث وأهمها في السياسة أو إدارة المُلك (= الدولة / State10)، وبتعبير بديل، كما يحدثنا تشارلز تايلور (= Charles Taylor) على سبيل المثال في الحديث عن مسألة: (الشعب–الدولة (=State Nation) إن هذا المصطلح من مقوّمات العالم الجديد، أي: أن لدينا شعب تنهض من خضمه دولة تهدف إلى تمثيل الشعب [8] )، لكن بالاستناد إلى العقل، العقل المستقل في فهمه عن الوحي، العقل الذي يُستند إليه في تبديد كل جربزة وخربشة دينية وظلم سياسي وظلام اجتماعي لا بالاستناد إلى النظرية الدينية. وليس من نافلة البحث لو قلنا أن هذه العاهة وتجربتها المدنسة للتقاليد والأعراف الجديدة أثرت سلبا على المجتمع الأحوازي الذي شهد في اعتداله العقائدي تاريخ الأفكار في مطاوى الموسوعات والمؤلفات التراثية.

وهذا بحد ذاته يكشف عن محاولة إعادة المجتمع الأحوازي إلى ما قبل عهده الحاضر ولو أنني من وجهة منظوري الاجتهادي أرى تحقق ذلك بالفعل. وأخير يمكن فهم نتاج هذه العاهة كمضمون سلبي (= Connotation Negative) على شرائح الشعب الأحوازي بخاصة المتدين المنغلق في ضوء التحولات الأخير في العالم كونها أول تطبيق للإسلام السياسي في الشرق في نهايات القرن العشرين معادية للقيم الاجتماعية الحديثة والأعراف الدولية ومنظمات الأمم ومساعي المجتمعات المدنية. ولو أن حصة شريحة من شعب الأحواز من هذه المسميات بقي معدوما وفي الوقت ذاته محصورا في الانتماء على الثورة والحرس الثوري ومنظماته. إلا أن الإسلام بكل تأكيد (=  بالحجية القطعية) كدين سماوي ليس له منظومة سياسية ولم يرشح رجل الدين إلى تكوين دولة، وأساسا هذه المسائل تم إحالتها إلى الناس (= الشعب) في الكشف أو اختيار الأصلح والأولى والأنسب في الحكم وكذا تدوين الدستور المدني بالاعتبار من العرف البشري.

هل من ترابط بين الدين والسياسة:

إنه لصعب عندما تتصور وترى وتشاهد حجم الظلم والطغيان الاجتماعي والسياسي والانتهاك لحقوق الإنسان يتشظى هنا وهناك لمزيد من التدمير والتعتيم والإهانة في جغرافيا عالم الإسلام تحت عناوين متعددة كالحكم الإسلامي والجماعات الدينية والحركات الإسلامية والنظيمات الجهادية والأحزاب الإسلامية.. يحاول مؤسسو أو زعماء هذه المصطلحات إيجاد ترابط بين الدين ومنظومة الدولة /الحكم (=الإسلام والسياسة). ويمكن الاجتهاد أن ما يسمى نظام جمهورية ولاية الفقيه في إيران، أي النظام المؤسّس على أسّ مقولة الدين في السياسة كما يعرفها الاتجاه الأصولي ــ الفقهي، والإسلام السياسي كما يعرفها علم السياسة، ونظام الحكم الديني (= Theocracy) كما تعرفها أدبيات الغرب، ليس له اعتبار عرفي إنساني حديث، أجل، الأديان الإبراهيمية لها مبادئ معينة تعنى بالأخلاق والبناء الاجتماعي والإنساني والروحي كما لسائر الأديان، فمثلا الأديان الإبراهيمية تركز على أخلاق الفضيلة (=Virtue Ethics) وفيها جنوح نحو العدالة ونبذ الاستبداد.. إلا أن هذا لا يكفي لكي تتكوّن دولة ونظام حكم سياسي باسم الأديان أو تصادر حرية الإنسان بين وضع أحكام دينية (= حرام وحلال ومكروه ومستحب..)، وهي أحكام يتقبلها المتدين التقليدي وتسوغ له، بينما لا يمكن تحجيم حرية العلماني بها أو ذي النزعة الإنسانية بواسطها وإجباره على قبول التدين أو مشايعة الديننة.. وتقييده بالأحكام على أنها مسار السعادة والفلاح.. ولو حصل بواسطة قوة قاهرة اجتماعية يدعمها نظام الحكم أو الدولة فعندها نحن أمام شكل من أشكال النظام الديني ـ السياسي ـ الأصولي وتاريخه معلوم لا حاجة إلى سرده.

 وبهذا الاعتبار فالنموذج الإيراني حاليا لكونه من أبرز أشكال النظام الديني ـ السياسي فقد أثبت طوال أربعة عقود (= 1979 – …) فشل إمكان تكوين نظام الحكم بـ أحكام فقهية! و وقواعد أصولية! ومنبر خطابة دينية! وفتوى وعمامة! ولذلك يبقى البديل في إدارة المجتمعات وخطط الأمن والحماية والتنمية ونشوء الدولة أساسا هي النماذج التي يتعمدها الإنسان بالمواضعة (= الأعراف الإنسانية) أولا، وتحظى بالتصويت والاختبار ثانيا من قبل الشعوب كما في الديمقراطية مثلا. والآن إن عدنا إلى نظام الحكم الديني (= Theocracy) وتخصص البحث على الرباط بين الدين والسياسة كما عند الجمهورية الإيرانية، ولو أنني اعتبرها قضية متناقضة كما نسميها في المنطق الرمزي بـ(= Contradiction) حيث كيف يمكن وضع مفهومين متناقضين في مقولة، ولا تنتهي بالتهافت والبطلان؟ إننا نلاحظ في تلحليل:

الجمهورية: حكم الشعب وحرية اختيار نظام الإدارة.

والإسلامية: تطبيق إرادة الله، ونقض إرادة الشعب في اختيار نظام الإدارة!

ولا أدرى كيف نفهم صدق المسألة المتناقضة على أنها منطقية أولا، ثم أنها موضع قبول الإسلام ثانيا؟ وهل الإسلام متناقض في ذاته أم طبيعة الاستنباط (= المنهجية ومقدمات الاستنباط) غير سليمة؟ وعليه إن يصر أتباع الإسلام السياسي على صحة ما يطرحونه من هرطقات: فهل الإسلام يوافق على اللامعقول واللامنطقي والمتناقض كما نفهمه من خلال الإداء والتطبيق والعمل في نظام الجمهورية الإيرانية؟ ويمكن الاجتهاد على أن أبرز عينات التناقض القول بالحرية نظريا ونقضها عمليا في ممارسات الجمهورية الإسلامية الإيرانية، نقض حرية التعبير وحرية اختيار الأديان والمذاهب والاتجاهات السياسية والاجتماعية والاقتصادية.. وانتهاكات في أثناء تصرف مع حقوق حرية الشعوب غير الفارسية، وهي تمارس القمع الاجتماعي والسياسي والاقتصادي وتصطبغ القمع بجواز من أحكام الإسلام للأجهزة الأمنية والاستخباراتية في الاعتقال والاختطاف والاغتيال وإيجاد المحرقات. وقد جعلت الجمهورية بنظامها الديني الشُمُوليَّ الغريب (= Totalitarianism) كل هذه الممارسات في جواز من الحوزة العلميةوالفتوى والمرجع الديني؟ ومهما يكن من الأمر تكفي نظرة عابرة على فهم طبيعة اللاترابط المنطقي والديني بين الإسلام ونشوء منظومة حكم سياسي.

واليوم في ذكرى أربعين عاما على نكبة جمهورية الخميني (1979 .م)؛ الثورة التي ما كان لها أن تكون (جمهورية دينية) ولا (ولاية الفقيه) وذلك لأن الثورة كانت تحالفا لليبراليين واليساريين والجماعات الدينية المتطرفة؛ سعى التحالف إلى الإطاحة بالشاه محمد رضا بهلوى (1959 –1980م) لما شهدت البلاد من فساد وقمع وسياسة معلمنة متطرفة، وكان أداء الخمينى (1902- 1989م) التعاطف والتأييد لغالبية المتدينين المتطرفين وخداع لغالبية الشعوب غير الفارسية التي رأت بعد وعوده لها أنه المخلص الأمين لإنقاذهم من استبدادية الشاه ولا إجبار على تنفيذ الأحكام الشرعية في مجتمعات الشعوب الموجودة في خارطة إيران السياسية ولو هو استعمل الخداع في وعوده، نلاحظ أن الثورة المتحالفة تحولت إلى (جمهورية إسلامية)! مع وجود علمانيين وليبراليين.. والدليل على أن الصورة لم يراد منها أن تكون إسلايمة كثرة مقابلات الخميني في باريس التي لا تشير إلى تكوين نظام فقهي ــ كلامي يتولى شأن الحكم والسياسة بعد الإطاحة بالشاه! وكذا لم يرد في مسودة الدستور الجديد (نظرية ولاية الفقيه) وكلما في الأمر أن الشعوب غير الفارسية في الأحواز وبلوشستان وكردستان وأذربيجان.. قامت بثورة على الشاه للظلم للتمييز والاستبداد.. ولا علاقة لثورة الشعوب بأي دافع ديني لتطبيق أي حكم شرعي فيا بعد الثورة. والآن بعد مضي أربعة عقود من الجمهورية وقصورها وانتهاكاتها في الاقتصاد والسياسة والاجتماع واللاترابط الذي أريد منه أن يترابط بين الدين والسياسة لقد وجهت الجمهورية ضربات قاضية إلى جسد الدين (= الإسلام) والتدين! وكما ألمحت في دراسات سابقة فالحل الوحيد والأكثر اختبارا وتطبيقا هو فصل الدين عن السياسة وعدم شرعنة الثيوقرطية المستندة إلى الفقاهة ورجال الدين! وكما ألمحت في محله أن السياسة من وجهة نظري الاجتهادية أنها شأن مرجعه: العقلانية العقلايئة ولا ترابط بينها وبين السماء وأحكامها الفقهية والكلامية التي تأسس عليها ولاية الفقيه!

الدين والدولة المشعشية (= 1436- 1724م):

من خلال المنظور التاريخي الذي نمتلكه بشأن أوضاع الأحواز العقائدية والسياسية الاجتماعية والعلمية، يمكن الاجتهاد أن ثمة مسألة لم يخصص لها البحث وهي أن للدين كان أداء جوهريا وأولي في إنشاء الدولة المشعشية على يد السيد محمد بن فلاح المشعشع (= 866 هق / 1462م–905 هق /1500م ) وكما نشهد فإن بداية الحكم كان مقارنا مع عصور الكنيسة (= 1217-1834م ) في أوربا المظلمة، وبذلك فكان الدين هو العلم الأعلى والمعرفة الأولى في واقع الاجتماع والسياسة والثقافة قبل نشوء علم السياسة وبدء العلمانية، ومعنى ذلك أن القراءة التاريخية لمداخلة الدين في السياسة فسواء حقق إيجابا أم سلبا فتلك قراءة ولى عصورها، ونحن ندرسها الآن كظاهرة تاريخية لا واقع عيني ملزم في كل العصور. وبناء على هذا المنظور فالدين في تلك العصور حظي بمكانة أولى وكان أداؤه لا مثيل له بالنسبة لمجتمعات وشعوب تعيش بنمطية تقليدية ــ كلاسيكية، لا كما نعيش اليوم على نفيض من تقليدها وفهمها للدين وجعل الترابط بين السياسة والدين. فاليوم الشعب الأحوازي بعد انقطاع دام ما يقرب من مائتي عام مع الدولة المشعشية الدينية، فهناك أحوال وأوضاع تغيرت، ولو افترض أن الدولة دام لها البقاء حتى القرن الواحد والعشرين لشهدت الأحواز تحولات جوهرية في السياسة نتيجة التأثر بما يسود في نظريات السياسة. وعلى سبيل المثال مفاهيم كحقوق الإنسان والديمقراطية والعلمانية والعلم الحديث لأدخلها في مأزق عميق كما هو حال (ولاية الفقيه| الجمهورية الإسلامية).

ولكن عودة على المنطلق يمكن الاجتهاد فإن الدين (= الإسلام العربي) في عصر الدولة المشعشعية بإدراك تاريخي كان الأكثر تأثيرا في نشوء الدولة وأدى دوره الإيجابي في استقلال الأحواز من الدولة الصفوية (1501-1736م) والدولة العثمانية (1299 –1923م) بل بعزيمة حكام الأحواز المتدينين دام الملك حتى الإطاحة بالحكم من قبل الإمارة الكعبية. ولو ترصد حياة المؤسس السيد محمد بن فلاح المشعشع (= 866 هق / 1462م–905 هق /1500م ) لأبان للباحث أن هذا المتصوف والفقيه وصاحب الرياضة الروحية والمكاشفة الإشراقية إلى جانب اعتكافه في جامع الكوفة سنة كاملة قبيل القيام بإنشاء الدولة والتخطيط لها [9] ليصاب الإنسان بالذهول في حرص المتدين على أمر المجتمع وأناسه (= الشعب) أحيانا. والآن فالدين (= الإسلام العربي)كان فيما مضى له تأثير في السياسة وبهذا لا يمكن نكرانه أو تناسيه، أجل موقع الدين في السياسة  في الوقت الحاضر غير مبرر ولا أساس له إن أريد منه إنشاء حكم ديني أو إسلامي في العصر الحديث.

باثولوجيا الدين السياسي (= ولاية الفقيه) على الشعب الأحوازي:

لقد بينت فيما مضى دور الدين (= الإسلام العربي)في إنشاء الدولة العربية المشعشية، وتم التأكد من الإداء الإيجابي والمبررات والعلاقات بينها وبين المؤسس والشعب الأحوازي، وقد مرت الإبانة أننا في تلك العصور أن الدولة المشعشعية الدينية يمكن اعتبارها كظاهرة تاريخية، لا واقع عيني ثابت في منظور الحياة.. إلا أننا في القرن الواحد والعشرين نجد الدولة الدينية نفسها في مغايرة ومناقضة مع الحياة الكريمة بما تنطوي عليه من حقوق وإلزامات وعلاقات تجاه الإنسان وهذا هو أداء الدين السلبي في السياسة في العصر الحديث. ولو أردت رصد القصور والإنتهاكات التي تسببه الدولة الدينية لطالت الدراسة وصارت تحتاج إلى موضوع قائم في ذاته للبحث. إلا أن المنظور البحثي الذي نحن وهو الدين ومتعلقاته وترابطه أو ما يمكن أن يدرس من خلاله الدين في السياسة والاجتماع، يمكن تعاقبا على الدين نفسه رصد الأداء السلبي له في السياسة. وبما أن الأحواز تعيش في ظل نظام ديني يدعى الإسلامية في شؤون الدولة فقد تسبب هذا الأمر في اهتمامي الخاص لدراسة هذه الإسلامية (ولاية الفقيه| الجمهورية الإسلامية). على أن أخصص البحث عن الباثولوجيا المحصلة من هذا في التشرد من الدين كـ:

أ).ظاهرة التشرد من الدين:

رغم أن الدين في الأحواز له مكانة بينة ومعلومة وله أتباع وأنصار مقارنة مع التيارات والاتجاهات الفكرية الأخرى، والتي تهدف إلى تقليل شأنه بصفة عامة بين أتباعه كالمواقف العلموية (= Scientism)، إلا أن تغاضي التحليل عن ظاهرة الإلحاد لا يعد محاولة مبررة أكاديميا ولا إسناد منطقي لها. وذلك لأننا نشهد على مدى الثلاثة عقود (= 1990 – 2019م)  ظاهرة التشرد من الدين وحتى الإلحاد نتيجة أداء الدين في السياسة (= ولاية الفقيه| الجمهورية الإسلامية)السلبي وغير المبرر، كالظلم باسم الدين وتبريره والاضطهاد الديني والقومي ومصادرة الحريات الشخصية ومآت المسائل التي لا يسع ذكرها لتبرير سلطة الحاكم وجرائمه فقد كوّنت هذا الأداء السلبي صدمات كبيرة في عقول وأذهان الشعب الأحوازي ودفعت بكثير إلى الإلحاد أو على الأقل التشرد من الدين الإسلام العربي وقد بينتُ في دراسة سابقة أن الدين كمكون لهوية الأحواز لا يمكن إعدامه وله أتباع يرون لهم واجبا في الحفاظ عليه [10].

وعليه فإن فترة (= ولاية الفقيه| الجمهورية الإسلامية)  في أداءها السياسي أبين فترة يشهد الأحواز فيها انتشار الإلحاد ويمكن اعتيار الفتاوى المتلاعبة بالحقائق لصالح جهة دون أخرى ونشوب الصراعات وحتى القتل انتج وعيا معاديا للدين بكل أشكاله جراء وجود فتاوى للجهاد في سوريا فتاوى في إصدار الحكم بالإعدام وفتاوى في التجسس على المواطن الأحوازي وفتاوى في تعذيبه.. وفتاوى في الاستئثار بالمناصب والمراتب وفتاوى في التصرف بفوقية مع الأحوازي. لقد أثارت هذه الفتاوى استفهامات عديدة في ذهن المتدين وغير المتدين الأحوازي على أن الدين في (= ولاية الفقيه| الجمهورية الإسلامية) ترتدى الدين (= الإسلام) كالزي لنيل الغايات والأهداف والمصالح الشخصية والدنيوية عمليا وبذلك يرى الأحوازي نفسه حائرا في معرفة الإسلام الأصل عن الإسلام المسيس والمؤيرن الذي يتصرف فيه الحاكم! إن الأحوازي اليوم يشكك فى كل شيء له رباط بالدين والسياسة من وجود الله إلى الأنبياء حتى الكتب الفقيهة والكلامية وذلك في غياب النقد الإيجابي القادر على التمايز بين الإسلام الإيراني وأصل الإسلام (= الكتاب والسنة) المتفق عليهما عند جمهور المسلمين. وبناء على هذا المنظور تتجلى مهمة فيلسوف الدين والمفكر في إعادة مكانة الدين (= الإسلام العربي) كمكون أساسي في الهوية العربية الأحوازية وكظاهرة لا بديلة لها في حيز المعتقدات والإيمانيات، وهذا ما يطلب خطابا دينيا مناهضا لنظرية (= ولاية الفقيه| الجمهورية الإسلامية) للحفاظ على المجتمع  الأحوازي وهويته وثوابته وقيمه مُثله ودفع هذا الوضع المأسوي والمترادي لأداء ولاية الفقيه. ويمكن اعتبار رؤى ومزاعم كنيابة الحاكم للمهدي لتبرير السلطة ولغاية سياسية من أخطر ما مرّت به إيران فأدت إلى ظواهر عديدة ومنها الإلحاد.. مع العلم أن المواطن الأحوازي اليوم لا رغبة له في أن يتولي الدين (= Religious) كل صعيد ونطاق ومجال ويعطي وجهة نظره على أنها ملزمة التطبيق [11].

ب).ظاهرة استلاب العنف العقائدي والتطرف الديني:

بمَ قد أضرت نظرية الترابط بين الدين والسياسة وبوجه الخصوص الإسلامية الإيرانية (= ولاية الفقيه)؟ قد لا نستيطع إحصاء الجزئيات وعدّ التفاصيل، إلا أن تخصيص البحث عن مسألة وهي دفع شريحة كبيرة من شعب الأحوازي نظريا إلى التطرف والعنف وعند شريحة أخرى عمليا إنه من نتائج هذه المزواجة الخمينية المزعومة! لقد اعتادت أسماع الأحواز على مصطلحات خزعبلانية كأنصار الله وحزب الله ومقاتلي الإسلام والواقع يشير إلى أن أداء هذه المسميات لا عمل لها سوى العنف والانتهاك تجاه المجتمع على مدى أربعة عقود، وقد شهد المواطن الأحوازي عمليات تصفية لنشطاء حراك الشيعة والسنة في الأحواز وبلوشستان وكردستان.. في وضوح النهار وظلمة الليل وهذا في حد ذاته تلويث لبيئة المجتمع وإرهاب فاضح.ثم إن أشكال الإرهاب الإيراني في إيران نفسها والمنطقة والعالم انطلاقا من تحطيم العلاقات الدولية كاحتلال سفارة الولايات المتحدة في 1979م تمّ إعادة مخطط لاحتلال سفارة المملكة السعودية الشقيقة في 2015م وكان لها صدى واسع في الإعلام العالمي والدبلماسي. وعلى مستوى حقوق الإنسان شبه عدم الاعتراف بأية قيمة إنسانية ومعايير لعقول عالمية وأممية في التعامل مع الفرد الأحوازي هذا التصرف بكل أشكاله غير عقلاني ولا أخلاقي ويساهم في إنشأ ظواهر عديدة منها التجافي مع الدين ثم التوجه نحو الإلحاد لدى الأحوازي ودفعته أساسا إلى عدم الاعتراف بالأديان ولا جدوائيتها وبخاصة الاسلام. ويضاف على ذلك في الوضع الداخلي الإيراني إن وجود منظمات عسكرية مثل الباسيج وتسيس الدين واحتكار دور العبادة بيد الحرس الثوري الإيراني وأدبياتها ورؤاها الخطيرة هي الأخطار البالغة التأثير على تدين الإنسان الأحوازي الذي عاش في عهدي المشعشعي والكعبي والبهلوي الاحتلالي بإسلام تقليدي مسالم. فما يحدث فى إيران بواسطة الرؤية الإسلامية (= ولاية الفقيه| الجمهورية الإسلامية) سيبقى تأثيره مترابطا بمدى قدرة الشعب الأحوازي ومحاولة إحداث تغيير فى البنية الاجتماعية والثقافية لأجل غاية، وهي إبعاد الوعي الخاص بشريحة من الأحواز عن هذه الرؤى العنفية والمتطرفة لإعادة الأسس الفكرية إلى الاعتدال الفكري والثقافي والمجتمعي.. حيث إن ظاهرة الإسلامية الخمينية (= ولاية الفقيه| الجمهورية الإسلامية) أدت طيال أربعة عقود بتأثير سلبي على هذه الأسس بخاصة الشريحة المنتمية إلى المنظمات الإرهابية التابعة للحرس الثوري الإرهابي، وهو الأمر الذي يتطلب خطابا ثقافيا واجتماعيا أحوازيا شاملا لحلحلة ما تم وصفه.

ومعنى ذلك تبنى خطط تعليمية وإرشادية ذات اتصاف بالعقلانية والعقلية الناقدة وإرساء منظومة حقوق الإنسان ودولة القانون وانعدام كل ما له صلة بـ (= ولاية الفقيه| الجمهورية الإسلامية) وإعادة الأمور إلى الواقع الاجتماعي والثقافي والمصالحة مع العالم الحديث.

المتدين والعمل السياسي:

بناء على كل الاعتبارات التي تقدمت في مطاوي البحث هناك مسألة جوهري، وهي أن ما مدى صحة تدخل الدين في العمل السياسي لمتديني الأحواز؟ ألم يكن المزاوجة بين الدين والعمل السياسي لا يخرج من اعتبارات: (فقهية ــ كلامية)؟ وعلى فرض أن هناك من يريد تجربة الدين في السياسة بنمطية المذهب السني، حيث لمذهب السنة أتباع وأنصار في الأحواز، ولو لم يعرف عددهم بالدقة، وأن تقليد جماعات وأحزاب أكثر شيوعا في البلدان العربية عمليا، فهل هذا المتدين أمامه غير تجارب فاشلة ومهزمة غير إيرانية، كجماعة إخوان المسلين؟ وهل يرتدع الأحوازي المتدين الراديكالي عن الاستتباع لمثل هذا الإسفاف؟ وعليه: يمكن الاجتهاد عجالة أن كل أشكال ترابط الدين والسياسة لإنشاء الحكم السياسي غير مبررة.

المحصلة:

اتضح أن تكوين الحكم الديني (= Theocracy) مغاير للأعراف والتقاليد الحديثة التي توصل إليها الإنسان بعد جهد متواصل من التنوير والعقلانية وعبور من معاناة العصور التقليدية، وأن نظرية الدولة المشعشعية العربية (1436-1724م) في الأحواز كانت تعبر عن مستوى الإسلام التقليدي والمتجمع التقليدي ولا يمكن إعادة الاعتبار لها والتأسي بها وبغيرها فالفترة التي حكمت بها الأحواز تعتبر من وجهة نظر الهيرمينوطيقا مرحلة تاريخية، وبالتعاقب نفس الأمر ينطبق على نظرية ولاية الفقيه، النظرية التي تخصص القدرة السياسية بيد الولي الفقيه وتمنحه صلاحيات ما فوق القانون (=تعليق للقانون)! ويبدو أن في عصر العلمانية أو ما بعد العلمانية في الزمن الذي تنادي فيه المجتمعات بضرورة تحجيم دور الإسلام السياسي والاهتمام بمقولة فصل الدين عن السياسة، فإن هذا نقض لمكانة العقل البشري السليم (= Common Sense) والحديث وموقفه الأكثر شمولا في رفض المزاوجة بين الدين بالسياسة. ثم لو يرصد مؤثرية الإسلام الإيراني وأداؤه السلبي على التدين في الأحواز نشهد أنه ساعد على نشوء ظواهر سلبية لم تشهد في العهد الكعبي والمشعشعي والبهلوي. وأن أية محاولة سواء شيعية كانت أم سنية للمزاوجة بين الدين والسياسة مختومة بالفشل والإدبار، وهذا ما يلزم التكريس له في الدراسات المعنية بالدين والسياسة بصفة عامة في مجتمع نظرية ولاية الفقيه بكل مكوناته القومية والمذهبية.

كمال  بن سلمان: أكاديمي ؛ أستاذ سابق في الفلسفة واللغة والدين.­

المصادر:

[1] .للمرة الأولى يشهد التشيع ظاهرة متطورة جدا في تغيير مفاهيم ما بعد الطبيعة والدين والغيب إلى ما يمكن تسميته بـ (البضاعة)! و(القيمة) المادية!

 [2] .قال رسول: ( الفقهاء أمناء الرسل ما لم يدخلوا في الدنيا. قيل: يا رسول الله: وما دخولهم في الدنيا؟ قال: اتّباع السلطان، فإذا فعلوا ذلك فاحذروهم على دينكم). انظر: الكافي، الجزء الأول: كتاب فضل العلم، الباب 13، الحديث: 5. صححه وعلق عليه علي أكبر الغفاري، الطبعة الثالثة، الناشر: دار الكتب الاسلامية، تهران 1388هـ.ق (مصدر شيعي معتمد في نصوص الحديث).

 [3] .انظر، موقف الشيعة،الشيخ عبد الله بن محمد التوني، الوافية في أصول الفقه: 171، منشورات  مجمع الفكر الإسلامي، قم 1412هـ.ق؛ وانظر، موقف أهل السنة: نهاية السول شرح منهاج الوصول إلى علم الأصول:1/ 4 – 1تحقيق محمد حسن اسماعيل، ط 1،دار الكتب العلمية ، بيروت 1402هـ.ق

[4] .أي: سياسة بلا أخلاق ومبادئ إلهية.

 [5] . [13] Pierre Bourdieu, Questions de sociologie, Paris : Les éditions de minuit, 2002, pp. 113-137(بتوسيط مصدر فارسي)

[6] .بتعبير أدق : مديرية المقدَّس (= الشؤون المقدسة)!.

[7] .تعمل حاليا ولاية الفقيه على خلق قواعد رصينة لها في سوريا والعراق واليمن وشمال أفريقا، وقد توفقت في لبنان بتوسيط حزب الله اللبناني الإرهابي، وفي العراق بواسطة عملاءها وأكثرهم توابو الجيش العراقي السابق الذين أطلقت عليهم إيران (التبوابين) في أثناء الأسر وطلاب الحوزة العلمية والميليشيات الذي عاشوا في إيران فترة الحرب العراقية – الإيرانية.

[8]. Taylor, Charles. A Secular Age. Cambridge, Mass: Belknap Press of Harvard University Press, 2007,pp.90.

[9]. عباس العزاوي ، تاريخ العراق بين احتلالين: 3/111-112 ، الناشر: الدار العربية للموسوعات الطبعة: الأولى 2004م ؛ القاضي نور الله المرعشي التستري، مجالس المؤمنين 2/396-399، دار هاشم 2013م

[10] انظر دراستي: الهوية الدينية والهوية العربية الأحوازية.

[11]  بعد تكوين الإسلام السياسي في إيران بدأت ظاهرة (انفصال الناس عن رجال الدين) انطلاقا من عامي 1978 – 1979م نتيجة الانشغال في أجهزة الأمن والاستخبارات والحرس الثوري والمؤسسات الحكومية والمؤسسات الثورية وقوات الشرطة والإعلام الرسمي والجيش وتغيرت بالمرة مكانة رجل الدين. انظر: شجاعي زند، المتغيرات الثقافية: 91 –92، عريب: حيدر نجف، مركز الحضارة لتنمية الفكر الإسلاميّ، بيروت، الطبعة الأولى، 2012م.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق