مقالات

قرية “أبو النخيلات” (أبوالفضل)  في الإعلام الإيراني: تهميش القضايا وقلب الحقائق لقلع القرية في المستقبل القريب

بعد وقوع أحداث قرية “أبو النخيلات” (أبوالفضل) في الأحواز، والذي أودى إلى إصابة العديد المواطنين الأحوازيين، شاهدنا إهمالا وتعتيما إعلاميًا ممنهجا لوسائل الإعلام الإيرانية في طريقة تغطية الأحداث ومتابعة تطوراتها، مما يكشف مدى عمق الهيمنة الأمنية على الإعلام الإيراني في تعاطيه القضايا المتعلقة بالشعوب والأقليات داخل “إيران”. فرغم وجود التغطيات الإعلامية للمشاكل الداخلية المتعلقة بسوء إدارة البلاد الا أنها تبقى في إطار الخلاف الإعلامي الذي يحدث بين الفينة والأخرى بين اللاعبين الرئيسيين –الإصلاحي والإصولي- في المشهد “الإيراني” والذي عادة ما يستخدم لأغراض دعائية وإنتخابية. وتبقی وسائل الإعلام في فلك واحد تجاري المنظومة التي تدار من أعلی هرم الکیان الإیراني بما يتعلق بأحداث تشبه قضية قرية “أبوالنخيلات” أو قضايا كمجزرة مدينة الجراحي التابعة لقضاء معشور في الأحواز العام الماضي والذي راح ضحيتها العشرات من الأحوازيين، والأمثلة على ذلك كثيرة. ليس هناك حاجة إلى الخوض في التفريعات والتقسيمات الظاهرية في الجهاز الإعلامي الإيراني، ونحن هنا بصدد قراءة ما قامت به غرف صناعة الرأي العام بما يتعلق بأحداث قرية “أبوالنخيلات” في الأحواز.

الحدث: تناولت وسائل التواصل الإجتماعي مقاطع وصورا لإشتباكات تحكى أنها بين مدنين وآخرين يرتدون زيا عسكريا في القرية الذي تقع غرب مدينة الأحواز، ووفق ما جاء في المقاطع والأخبار إن عددا من سكان هذه القرية أصيبوا بجروح نتيجة قيام قوات الأمن بإطلاق النار على المحتجين الرافضين لقرار السلطات بهدم منازلهم، وأظهرت المقاطع إصابة عدد من الأشخاص في أماكن مختلفة، كما أشارت إلى اعتقال عدد من المحتجين من أبناء القرية. وقد أظهرت الصور أحد المحتجين و هو أمام مسجد القرية يسرد ما جرى ذلك اليوم من أحداث. بغض النظر عن مصدر الصور لكن کان لها حضور لافت في وسائل التواصل الإجتماعي وبعض وسائل الإعلام الدولیة وبطبیعة الحال الإعلام الداخلي سارع في التعتيم الممنهج للأحداث.

الوكالات الرسمية وغير الرسمية (مهر، تسنيم، ايرنا، فارس و…) التابعة للنظام غطت الحدث في إطار محدد مرسوم مسبقا وقامت بإخفاء الحقائق ومصادرة الحدث من الرأي العام و نجحت في شغل الجمهور بقضايا هامشية. على سبيل المثال عنونت وكالة تسنيم الحدث بالخبر التالي: (ماجرای اتفاقات اخیر روستای ابوالفضل اهواز چیست؟ + فیلم) ويعنى ذلك حسب الترجمة العربية “ماهي قضية أحداث قرية ابوالفضل الاهواز+ فلم” بعد فتح الخبر نجد الخبر لايتجاوز عدة كلمات تقول فيه الوكالة أن رئيس “منظمة التبليغ الإسلامي” في محافظة خوزستان في شمال الأحواز محمد مهدي نبي زاده زار القرية وبين ماجرى هناك! ومع مشاهدتك المقطع الذي لايتجاوز ٣ دقايق يقدم فيه الشخص كلمات منبرية لا ترقى للحدث أبدا! هنا المزيد من روابط  الأخبار من نفس الوكالة وكالات أخرى وهي تتناول أحداث القرية يقترح الإطلاع عليها:

https://tn.ai/2337790

https://tn.ai/2338140

https://tn.ai/2336937

https://tn.ai/2337712

https://tn.ai/2337721

https://tn.ai/2338277

https://www.isna.ir/news/99061107882/

www.mehrnews.com/xSBVQ

www.mehrnews.com/xSCkN

www.irna.ir/news/84021177/

www.irna.ir/photo/84020273/

www.irna.ir/news/84020112/

www.irna.ir/news/84019802/

www.irna.ir/news/84019779/

www.irna.ir/news/84019082

 

بعد قراءة الأخبار المتعلقة بأحداث قرية “أبوالنخيلات” نجد أن وسائل الإعلام الإيرانية بالفعل قامت بتضليل إعلامي ممهنج من خلال التعتيم على الأخبار الحقيقية وكتم وإخفاء صوت الطرف المقابل، كما قامت هذه المنابر بتهميش القضايا المهمة وصرف اهتمام الجماهير عنها بالأساليب التالية:

١- الانتقاء والتحيز، إنتقت وسائل الإعلام الإيرانية بعض الكلمات والحقائق والاقتباسات والمصادر وتتجاهلت الأخرى، فكانت كل المصادر في أحداث قرية “أبو التخيلات (أبوالفضل) من جهة واحدة وهي النظام ولم يسمع الصوت المقابل مثل المقابلات مع سكان القرية أو شهود عيان تلك الحادثة، كما تم اختيار الكلمات بعناية و تجنب ذكر بعض الكلمات من شأنها تعطي أهل القرية حق الوجود بل إستخدام كلمات ذات دلالة ترفض الإعتراف بوجود القرية كـ”موسوم به” لعدم الإعتراف بالوجود، فضلا عن التركيز على المواضيع الهامشية في القضية وذلك بهدف إبعاد الإهتمام عن “موسسة مستضعفان” حول ماجرى هناك، وقد قامت كل المنظومة الإعلامية بالتركيز على جانب هامشي وإغفال القضية الرئيسية التي وقعت بسببها الأحداث وهذه بعض المصادر ومعجم المفردات التي تناولت الحدث: المصادر: (فرماندار، سرهنگ محسن دالوند فرمانده انتظامی، پرویز فتاح، روابط عمومی بنیاد مستضعفان،معاون دادستان، معاونت اجتماعی فرماندهی انتظامی، شمخانی، نماینده خوزستان در مجلس خبرگان، معاون هماهنگ کننده فرماندهی انتظامی، بسیج دانشجویی، و…) وصف المحتجين: (زمین خواران، مظلوم نما، افراد سودجو، فرصت طلب و..).

٢- ترتيب الحقائق والتلاعب بالمعلومات من ضمن الأساليب التي لجأت اليها وسائل الإعلام الإيراني في عملية التضليل، حيث ذكرت جانبا صغيرا من الحقيقة وتم إعادة ترتيب المعلومات وتكثيف الخبر من خلال شهادات مشابهة تؤيد الرواية الرسمية في نفس الخبر أكثر من مرة بحيث تعطي معاني وانطباعات معين عن ماجرى، على سبيل المثال (ماموران نیروی انتظامی و اجراییات شهرداری واقعا مظلوم واقع شدند زیرا مورد هجوم سنگین با شیشه و سنگ قرار گرفتند و زخمی هم دادند) ،  ويتم تفسيرها بشكل معين، يخالف الواقع.

٣-  إهمال خلفية الأحداث، لم تتطرق الوكالات لخلفية الأحداث البتة حيث كان جل ما تسعى إليه هو الدافع جهة معينة وتوجيه الإتهام إلى الضحية، بعيدة كل البعد عن التسلسل الزمني للأحداث حيث تعود جذور قضية الأراضي إلى زمن الحكومة البهلوية، مما يجعل التغطية ناقصة ومشوهة، بحيث لا يستطيع المتابع فهم ما جرى من خلالها والوصول إلى المعلومة الكاملة.

٤- حرف الأذهان بمعلومات ليس لها علاقة بالحدث، على سبيل المثال بدل التفصيل والتعمق في طرح القضية يتم إعداد تقارير مصورة عن أمر بعيد عن الموضوع برمته في نفس القرية، في اليوم التالي من الحادث كإحياء مراسم عزاء في ذكرى إستشهاد الإمام الحسين (ع) وذلك يكون على حساب الحقائق المهمة.

٥- الإدانة المسبقة من خلال إستخدام مفردات معينة تؤدي إلى اصدار أحكام بالإدانة على المواقف وهذا ما حدث في تغطية أحداث قرية أبوالفضل، فكان الخطاب السائد في التغطية يحمل وجهة نظر تأييد لمؤسسة “بنياد مستضعفان” وكتم صوت المواطن.

٦- کما هناك تهوين وتقليل واضح لقيمة القضية، رغم أهميتها للجمهور وعلاقته بمصالحهم واهتماماتهم العامة الا أن الإعلام حاول أن يصغر حجم القضية ويقزم الحدث بما يخدم راوية مؤسسة “مستضعفان” وإتهام جهات خارجية أي خارج الموضوع بتكبير الأحداث من خلال الصور المفبركة للوقائع وهذا النمط كثير ما نراه يستخدم لتصدير وتفريع الإتهامات للخارج لسلب الناس حق الإحتجاج على ما يحدث مسبقا، بعبارة أخرى يكون الرأي العام في محل الإتهام أو التواطؤ مع الخارج اذاما حاول مسايرة قضية معينة من قضاياها العادلة.

٧- هناك قلب للصورة بشكل احترافي ممهنج إلى أن وصل الأمر إلى تصوير أهل قرية بأنهم مجرمون معتدون وان قوات الأمن والمؤسسة التي تقف وراء الأحداث هي الضحية وهي من يقدم التنازلات والمساعدات رغم تعرضها للظلم من خلال مصطلحات مصنوعة منحوتة لوصف الأحداث، وعادة ما تكون هذه المصطلحات فيها جانب من الصحة والمقبولية كــ”مبارزه با زمين خوراى، مشكلات شهرى و…”، ولكنها تستخدم تعمداً وتضليلاً في سياق خاطيء لا يرتبط بها. فيكثر تكرار الفكرة الخاطئة عن أهل القرية والمحتجين تخلق صورة سلبية عن أصحاب الأراضي وتترسخ هذه الصورة عند الجمهور حيث يتم دعمها بأقوال أصحاب القرار وبعض الأحيان من المتعاونين معهم، ويصبح أصحاب أهل القریة علی باطل ولا مكان للمطالبات وإن كان مشروعة وهذا بالتالي یمهد للنظام الطريق لقلع القرية في المستقبل القريب تحت غطاء قانوني وصمت الشارع الأحوازي.

 

يوسف الدلّی

إن الآراء الواردة في هذا الدراسة تعكس رأي الكاتب والباحث ولا تمثل بالضرورة سياسة التحريرية لمركز دراسات دور أنتاش.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق