مقالاتایران

تأثيرات اقتصادية: تداعيات كورونا على سياسات طهران الخارجية

مقدمة

خلّف تفشي فيروس كورونا المستجد في كل دول العالم كوارث اقتصادية جمة، خاصة بعد قرارات الإغلاق التي اعتمدتها دول العالم، خشية استمرار انتشار الوباء ولمحاولة تقويضه أملًا في انحسار أعداد الإصابات والوفيات، لكن في إيران كان الوضع مختلفًا، فبعد وقت قليل من انتشار الفيروس تم تصنيف إيران على أنها إحدى أكبر بؤر تفشي الفيروس بعد بلد المنبع وهي الصين.

ولم تشفع الإجراءات التي أعلنت عنها السلطات في إيران لتقويض تفشي الفيروس، حيث تزايدت أعداد الإصابات والوفيات بشكل لافت حتى يومنا هذا، إذ تسجل إيران يوميًا ما يزيد عن ٢٥٠٠ إصابة، فضلًا عن مئات الوفيات.

الأوضاع الاقتصادية لم تكن بعيدة عن تأثيرات تفشي فيروس كورونا المستجد في إيران، إذ أصبح الاقتصاد الإيراني يعاني بشدة، فما بين العقوبات الأمريكية منذ الانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي، وبين أزمة تفشي فيروس كورونا المستجد، ذهبت مؤشرات الاقتصاد الإيراني إلى هبوط غير مسبوق، فضلا عن أزمة الهبوط المتواصل لسعر العملة المحلية الإيرانية أمام الدولار الأمريكي، إذ بلغ سعر الدولار الواحد في سوق طهران ٢٥ ألف تومان، أي ما يعادل “٢٥٠ ألف ريال إيراني”.

 

نسبة البطالة

وقد تضاعفت نسب البطالة بشكل كبير، في الوقت الذي تعاني فيه إيران من كارثتين أولاهما العقوبات الأمريكية، وثانيًا تفشي فيروس كورونا، فقد أظهرت بيانات صادرة عن مركز الإحصاء الإيراني، أن عدد العاطلين في البلاد زاد بمعدل ٢ مليون خلال الربع الأول من العام الجاري، أي حتى شهر مارس الماضي.

وكشف المركز الإحصائي الإيراني في تقرير جديد له، أن متوسط ​​معدل البطالة في فصل الربيع الماضي بمقاطعات البلاد المختلفة كان قرابة ١٠٪، حسبما أوردت وكالة أنباء فارس المحلية.

 

تدهور دخل الفرد

ما إن أعلنت السلطات في إيران عن وجود نسب إصابات بفيروس كورونا المستجد، إلا وبدأ الاقتصاد الإيراني نزيفه الحاد، إذ كشفت نتائج استطلاع للرأي أن دخل الفرد في إيران انخفض بنسبة ٥٠٪ بسبب تداعيات تفشي فيروس كورونا، فضلًا عن إغلاق ما يعادل ٤٢٪ من المواطنين الإيرانيين أنشطتهم التجارية، بالإضافة إلى انخفاض الموارد المالية لعدد كبير من الأنشطة الاقتصادية بشكل بالغ، ما تسبب في فقدان ١٣.٥٪ من المواطنين وظائفهم خلال شهري يونيو ويوليو ٢٠٢٠.

ثم زادت حدة الأزمة بعد أن أعلنت السلطات الإيرانية عن أنها ستعيد فتح الاقتصاد، ضمن إجراءات تقليص الإغلاق، كنوع من التعايش الذي فرضته الظروف العالمية، في ظل تفشي جائحة كورونا، لكن الأزمة الحقيقية تكمن في أن كل دول العالم عمدت إلى فرض إجراءات احترازية معينة، تجنبًا لعودة الأزمة، لكن السلطات في إيران لم تعلن عن أية إجراءات وقائية من شأنها أن تحد من أزمة تفشي الفيروس.

وفي أحدث تقرير صادر عن صندوق النقد الدولي، أكد أن نسبتي التضخم والبطالة في إيران سترتفعان إلى ٣٤٪، و١٦٪ على الترتيب بسبب أزمة فيروس كورونا في إيران، وفي ذات الشأن توقع المتحدث باسم الحكومة الإيرانية علي ربيعي، في مقال له عبر صحيفة “إيران” المحلية، تسريح ٧ ملايين موظف في بلاده جراء أزمة كورونا.

 

نمو بالسالب

توقعت الدراسات المتخصصة في تحري مستقبل الأوضاع الاقتصادية بإيران انخفاض النمو الاقتصادي خلال عام ٢٠٢٠ على أثر تداعيات فيروس كورونا، ونشر معهد أبحاث العلوم الإنسانية والدراسات الاجتماعية، دراسة له تحت عنوان “تأثير جائحة كورونا على توقعات نمو الإنتاج الوطني عام ٢٠٢٠″، استقرأت انخفاضا في النمو الاقتصادي بطهران إلى سالب ٤.١٧٪.

لكن توقعات أخرى تحدثت عن صعوبات تعاني منها إيران نتيحة الركود الاقتصادي وتوقف الأنشطة بسبب تفشي الفيروس، فيما يعاني بعضها الآخر صعوبات مالية متناثرة بين تراكم الديون ورفض الالتزامات المالية، ما أدى إلى إغلاق عدد منها.

 

تأثر قطاع النفط

أما عن النفط الإيراني فقد دخل في أزمتين كبيرتين، أولهما العقوبات الأمريكية المفروضة على تصدير الخام، وحتى لو استطاعت إيران تصدير بعض من نفطها إلا أنها قوبلت بكارثة تتعلق بانخفاض أسعار النفط عالميًا بشكل ملحوظ، في ظل أزمة جائحة كورونا المستجد، حيث انخفض سعر خام برنت، إلى ما دون ٢٠ دولاراً للبرميل، مسجلًا أدنى مستوى له منذ 20 عامًا بحسب تقرير لصحيفة نيويورك تايمز الأمريكية.

وفي مساعي الحكومة الإيرانية لحل تلك المعضلات الكارثية، أعلن الرئيس الإيراني، حسن روحاني، الثلاثاء ١١ أغسطس ٢٠٢٠، أن الحكومة اتخذت قرارًا بتنفيذ خطة تقضي ببيع سندات النفط للمواطنين الإيرانيين، وقد تمت المصادقة عليه في مجلس رؤساء السلطات الثلاث في البلاد، بعد جدال حول أهمية تلك الخطوة وجدواها في الظرف الراهن.

وتشير الخطة التي أعلن عنها الرئيس الإيراني حسن روحاني، إلى أنها تتضمن بيع سندات النفط للمواطنين بالعملات الصعبة والذهب، مقابل وعود بسدادها لاحقًا مع الأرباح، وذلك بهدف تسديد عجز الموازنة العامة في ظل العقوبات الأمريكية، إلا أن المؤشرات تؤكد أن المواطنين لن يجازفوا بمدخراتهم من العملات الأجنبية والذهب للاستثمار في معاملات النفط، في ظل عدم ثقة المواطنين بالحكومة الإيرانية، التي سبق أن حصلت على أموال ضخمة تقدر بعشرات المليارات من الأرصدة المجمدة عقب الاتفاق النووي.

كما لجأت الحكومة الإيرانية إلى محاولات بيع النفط بنحو ١٠ دولارات للبرميل، وهو بالفعل أقل من سعر خام برنت في السوق، كمحاولة لتحفيز المشترين مثل الصين التي كانت تعد أكبر مشتر للنفط الإيراني، في الوقت الذي تبلغ تكلفة إنتاج برميل النفط الواحد في إيران نحو ٥.٥٠ دولار، إلا أن إجراءات الإغلاق وتفشي فيروس كورونا أطاح بأحلام طهران في تصدير النفط، في الوقت الذي تعتمد فيه نسبة كبيرة من موازنة إيران على عائدات النفط، لكن موازنة السنة المالية الفارسية الحالية، تلك التي بدأت في الحادي والعشرين من مارس، اعتمدت في أرقامها على أساس بيع مليون برميل فقط من النفط في اليوم بسعر ٥٠ دولاراً للبرميل، وهو رقم لم يتحقق هذا العام ومن المرجح ألا يتحقق حتى لو تمكنت طهران من التحايل على بعض طرق العقوبات.

 

الصادرات الإيرانية

وفيما يتعلق بالصادرات الإيرانية فقد طالتها تداعيات فيروس كورونا وإغلاق الحدود، إذ تعد كل من الصين والعراق الدولتان الأبرز في تلقي الصادرات الإيرانية، وتعتمد إيران على الصين في صادراتها النفطية، فيما تعتمد على العراق في صادراتها غير النفطية، خاصة تلك المتعلقة بالمأكولات والملبوسات والمزروعات.

لكن حتى الصادرات الإيرانية من باقي السلع طالها أثر تفشي كوفيد ـ ١٩. وبالرغم من أن إيران تعول على العراق بشكل أساسي في التسويق لمنتجاتها، من خلال منافذ مهران وشلمجه وسومار الحدودية، والتي كانت تدر منها إيران نحو 2.35 مليار دولار، هي قيمة صادرات إيران إلى العراق خلال العام الماضي، إلا أن أزمة كورونا قلصت تلك الأرباح بشكل بالغ خلال العام الجاري.

وقد وصلت قيمة الصادرات الإيرانية إلى العراق ١.٤٥ مليار دولار فقط، وذلك بسبب إغلاق المنافذ الحدودية بعد الجائحة التي شهدتها البلاد بدءا من منتصف فبراير ٢٠٢٠ والتي قلل المرشد علي خامنئي منها في الأسابيع الأولى قبل أن يتراجع ويوصي المواطنين بالالتزام بالإجراءات الاحترازية.

 

خاتمة

مجمل ما أعلاه أن جائحة كورونا أدت إلى تضرر قطاعات الاقتصاد الإيرانية الخمسة الحساسة بشكل فاقم من تداعيات العقوبات الأمريكية تلك التي فرضتها إدارة الرئيس دونالد ترامب بدءا من أغسطس ٢٠١٨، أو أن العكس هو الصحيح بحيث يمكن القول إن العقوبات فاقمت من تأثيرات كارثة كورونا.

ولعل تزامن الأمرين جعل المدخولات الإيرانية تعاني بشدة، وبالرغم من ذلك ليس من المنظور تأثير هذا العجز المالي الفادح على تحركات طهران الخارجية، خاصة في دعمها لحزب الله في لبنان، وحركة حماس والجماعات المسلحة الأخرى في قطاع غزة، ثم في دعم الحوثيين باليمن.

بل إن الأرجح هو أنها ستحاول تعظيم مكاسبه من أي عملية سياسية محتملة بعد استقالة حكومة حسان دياب، حتى مع الرغبات الأوروبية المتتالية في كفها عن دعم الحزب، ولعل آخر تلك المطالبات ما قاله الرئيس الفرنسي في اتصاله الهاتفي مع الرئيس الإيراني ظهر الأربعاء ١٢ أغسطس ٢٠٢٠.

كما أنه ليس من المتوقع أن تغير تداعيات جائحة كورونا من سلوك طهران في الملف النووي بل ستجعلها تضغط للغاية على الدول الأوروبية لتفعيل آلية إينستكس المالية، المتعلقة بالتبادل التجاري الخاص بين بلدان الاتحاد الأوروبي وبين إيران، إلى جانب اعتمادها على الصبر الاستراتيجي حتى نوفمبر المقبل ومعرفة ما إذا كان الرئيس (الجمهوري) دونالد ترامب سيتقلد السلطة لأربع سنوات مقبلات، أم أن المجمع الانتخابي سيأتي بجو بايدن (الديمقراطي) ووقتها يأمل “سعد آباد” في تغيير “البيت الأبيض” اتجاه سياساته بعد يناير ٢٠٢١، وهو الموعد الرسمي لانتقال السلطة في “١٦٠٠ شارع بنسيلفانيا”.

المصدر: المنتدى العربي لتحليل السياسات الايرانية

إن الآراء الواردة في هذا الدراسة تعكس رأي الكاتب والباحث ولا تمثل بالضرورة سياسة التحريرية لمركز دراسات دور أنتاش.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق