مقالات

أزمة المياه في الأحواز والعراق

إيران تنتهك حقوق مياه الأحواز والعراق

الحكومة الإيراينة اتعبت سياسة تحريف مسار المياه، ومنعت دخولها إلى الأراضي العراقية، كما قطعت المياه بشكل غير إنساني عن الأراضي الأحوازية. وفي كلا البلدين لا يعلو صوت فوق صوت العطش والفقر والحرمان وانهيار البنية التحتية، فكلاهما يعتبر أراضي محتلة بالنسبة للإيرانيين.

يسعى النظام في طهران إلى أن يجعل كلا البلدين مقبرة لآمال الملايين من البشر طمعاً في هجرة الإنسان من هذه الأراضي إلى بلدانٍ أخرى، كما حصل في سوريا.

تتميز الأحواز وجارتها العراق بخصوبة الأرض وكانتا تلك الدول تصنف ضمن الدول الخصبة لكثرة ووفرة مياههما العذبة، غير أن تحريف مسار المياه من قِبَل النظام الإيراني وتشييد أكثر من ٤٠ سداً على مصب الأنهار الأحوازية جعل من هذين البلدين أرضاً جافة شبه صحراوية يعاني فيها الإنسان والحيوان الجفاف. ولا ننسى ان العراق تضرر بشكل اكبر جراء تنفيذ مشروع جنوب شرق اناضول في تركيا مما حرم العراق من حصته المائية نهائيا.

ففي البصرة، سبَّبَ انهيار البنية التحتية للمياه دماراً كبيراً في حياة المواطن وأصبحت الظروف مهيأة لانتشار الطاعون بين السكان المحليين، حيث يدخل ما بين ٤٥٠ و٦٥٠ فرداً يومياً إلى غرف الطوارئ بسبب تسمم المياه مصحوباً بأمراض جلدية.

نهر دجلة، الذي يجتاز المدينة وكان المصدر الرئيسي لمياه الشرب والزراعة، بات شبه جاف ويمكن للمرء عبوره سيراً على الأقدام.

وأما في الأحواز العاصمة، فالوضع ليس أفضل حالًا من العراق، فنهر كارون الذي يُعتبر من أكبرِ الأنهار في العالم ويشكل الجنة المنشودة على الأرض بمعية أنهار دجلة والفرات وجيحون حسب كتاب التوراة، أصبح اليوم يعاني الجفاف.

لا شك أن هناك عدة دلائل رئيسية وراء هذا الجفاف، والتي ساهمت في هذه الكارثة الإنسانية، منها: الجفاف المستمر منذ أكثر من سبع سنوات، لكن الأهم من ذلك أن كلاً من تركيا وإيران يحولان المياه بعيداً عن أنهار العراق والأحواز.

وقام البلدان –تركيا وإيران بالترتيب- ببناء سدود على نهري دجلة والفرات في تركيا وعلى نهري الكرخة وكارون والجراحي في الأحواز، مما أدى إلى انخفاض تدفق المياه إلى العراق بنسبة ٤٥ بالمئة تقريبًا، أما الوضع في الأحواز فأصبح أكثر سوءاً، حيث جفت الأراضي وماتت النخيل وانعدمت الزراعة بشكل غير مسبوق. بسبب تحويل الإيرانيين ما لا يقل عن ٤١ نهراً وينبوعاً من الأراضي الأحوازية إلى العمق الفارسي.

وأما بالنسبة للعراق، ما يقرب من ٣٣ في المئة من مياه نهر دجلة مصدرها إيران، حيث تم الانتهاء من سد داريان وافتتاحه في ٢٠١٨، تاركاً وسط وجنوب العراق بدون مياه كافية، كما تسبب سدان إيرانيان إضافيان في تقليص تدفق المياه في نهري كارون والكرخة، وهما رافدان رئيسيان لنهر دجلة شمال البصرة.

وكان العراق يستخدم قبل اجتياحه في ٢٠٠٣، ١٢ محطة كهرومائية لتوليد الطاقة، لكن بعد تبني تركيا وإيران سياسة بناء السدود وحرمان بلاد العراق من حصتها المائية انخفض تدفق المياه، وفي النهاية تُركت المدن العراقية الكبرى تواجه إمدادات متقطعة من الكهرباء. وجعلت إيران أخيراً من العراق رهينة بيدها تبيعها الكهرباء إذا رضيت عنها، ومنعتها إذا اختلفت معها.

كما لا يبدو هناك اهتمام عالمي بالوضع الإنساني والاقتصادي في العراق والأحواز بشأن مياه نهري دجلة والفرات في العراق، وأنهار كارون وجراحي والكرخة والدز في الأحواز، وكل هذه الأنهار يعتمد دائماً عليها العراق والأحواز في العصور القديمة والحديثة.

احتج المواطن الأحوازي طوال السنوات الخمس الماضية وشكَّل سلسلةَ حلقات بشرية على ضفاف نهر كارون وجراحي، كما اشتعلت عدة مظاهرات في المدن الأحوازية في الفلاحية والكورة وتستر وعبادان وفي المحمرة والغيزانية، ودخلت المظاهرات بالمحمرة في مواجهة مسلحة من جانب قوات النظام الإيراني وقُتل فيها مواطنان، وجُرح أكثر من سبعة أشخاص، وتم اعتقال المئات، ولايزال العشرات منهم يقبعون في زنازين إيران.

أما في العراق، فقد اندلعت مظاهرات ومواجهات دامية في عدة مدن، وسيما في مدينة البصرة إثر احتجاجات قام بها المواطنون منذ أوائل يوليو ٢٠١٨. وتفاقمت الاضطرابات بعد أن أمر محافظ البصرة الجنود باستخدام الرصاص الحي ضد المحتجين على غرار ما قامت به القوات الإيرانية ضد الأحوازيين.

وَفقاً للأنباء الواردة من العراق في مدينة البصرة، يدخل المئات من العراقيين غرف الطوارئ يومياً بسبب تسمم المياه، مصحوبين بأمراضٍ جلدية. تم تسجيل نحو ١٧٠٠٠ حالة إصابة معوية بسبب تلوث المياه، حسبما أفادت السلطات الصحية في البصرة.

بينما المستشفيات غير قادرة على التعامل مع تدفق المرضى، ولا تعرف السلطات كيفية التعامل مع الأمراض المنتشرة والتهديد بالكوليرا.

 وأما في الأحواز، فهناك تحديات حقيقية بعدما تم تحريف جميع الأنهار والينابيع الأحوازية إلى العمق الفارسي بسبب الجفاف في المحافظات الفارسية، وارتفاع نسبة استخدام المياه في الزراعة التقليدية في العمق الإيراني، وكذلك ارتفاع نسبة احتياج المياه في الصناعة من ٦٠ مليون طن سنوياً إلى ١٠٠ مليون طن سنوياً، وارتفاع نسبة مصرف المياه إلى ٢٥٠ في المئة في إنتاج الصلب. وكانت هذه السياسة العامل الرئيسي وراء جفاف أكثر من ٥٠٠ ألف هكتار من أراضي الأهوار في الأحواز حسب ما جاء في تقرير علي محمد شيري، نائب رئيس منظمة البيئة الإيرانية.

الصور التي التقطت في مدينة الأحواز العاصمة والبصرة مؤخراً تسرد القصة كلها: نهر دجلة في العراق ونهر كارون في مدينة الأحواز العاصمة، كانا يمران بالعديد من المدن ومصدراً رئيسياً لمياه الشرب والزراعة، أصبح الجفاف يضربهما، وذلك بسبب سياسة إيران التخريبية في كلا البلدين.

نهر الدجلة في العراق

 

                                                                              نهر كارون في الأحواز بعد بناء السدود

ما وراء الإخفاق – التحويل المتعمد

ومع ذلك، فإن من أهم العوامل الرئيسية التي ساهمت في هذه الكارثة الإنسانية هي الجفاف المستمر منذ ست سنوات، والذي يتسم بعدم انتظام هطول الأمطار، والأهم من ذلك حقيقة أن إيران تحول المياه بعيداً عن أنهار العراق، كما تساهم إيران في القضاء على حصة الأراضي الأحوازية من المياه بشكل مطلق.

وبرزت الشواهد أخيراً، بعد تدهور الوضع في الأحواز بسبب سياسة النظام الإيراني في تحريف مياهها، فتضرر العراق بشكل خاص من مشاريع المياه الإيرانية التي حولت مسار نهر سيروان، وهو أحد روافد نهر دجلة.

وكما تك ذكره مسبقا، ٣٣ بالمئة من مياه دجلة تنبع من الأراضي الأحوازية وأراضي كردستان إيران، وبعد أن اكتمل سد داريان وافتتح في ٢٠١٨، انخفضت إمدادات المياه عبر سيروان بنسبة تصل إلى ٦٠ بالمئة، مما ترك وسط وجنوبي العراق بدون إمدادات مياه كافية. أما اليوم، فالوضع في البصرة أصبح كارثيًا، حيث إنها تقع في نهاية مسار نهري الفرات ودجلة ويكون التدفق شبه معدوم بسبب مشروع السدود في تركيا ومشروع السدود الإيرانية على نهري كارون والكرخة (أكبر الأنهار في الأحواز).

هذه الأنهار الأحوازية كانت في السابق من أهم الروافد الرئيسية لنهر دجلة شمال البصرة، اللذين يغذيان البصرة عبر تدفق كمية كافية من المياه العذبة للسكان المحليين والزراعة، وكانت تساعد في تخفيف الملوثات التي تصب في النهر بسبب النفايات الكيميائية والصناعية التي تنتجها الصناعة النفطية. وأدى ذلك إلى انخفاض كبير في تدفق المياه إلى نهر دجلة، وفي المقابل تسرب المياه المالحة من الخليج العربي بعمق ١٤٠ كيلومتراً في شط العرب.

خسر الأحواز والعراق أكثر من ٧٥ في المئة من المياه نتيجةً لمشاريع المياه التركية والإيرانية، وهذه الخسارة تمثل أزمة كبيرة، مما يعني أن ما يقرب من ٤ ملايين ميل مربع من الأراضي الزراعية في العراق سوف تتحول إلى صحراء، مما أجبر الحكومة على إرغام المزارعين على وقف زراعة المحاصيل المتعطشة للماء مثل القمح، الأرز والذرة وتركت الناس في ورطة اقتصادية كبيرة. وايضا الوضع الأحوازي الحالي في ظل سيطرة الحرس الثوري الإيراني على مفاصل الاقتصاد في الاقليم ليس أفضل حالاً من العراق.

وأخيراً، لا يبدو أن هناك امل في الأفق القريب لحلحلة أزمة المياه، إلا أن ذلك قد يحدث -فقط- في حال وقع العراق في شَرَك الفلك الإيراني، وقد تقبل إيران التنازل بشأن توزيع المياه بين البلدين. وأيضا بخصوص الأحواز، الا اذا تمكنت ايران من تغيير الديمغرافية في الأحواز بشكل لا يمكنها تشكل خطرا على مستقبل ايران. ويبدو كلتا الحالتين أيضا ليست بهذا السهولة، لذلك ستستمر ازمة المياه في الأحواز والعراق. اذن مطلوب تنشيط حراك الدفاع عن المياه في كل من الأحواز بالإضافة الى حراك دولي من قبل العراق يطالب ايران بحصته من المياه المشتركة.

إن الآراء الواردة في هذا الدراسة تعكس رأي الكاتب والباحث ولا تمثل بالضرورة سياسة التحريرية لمركز دراسات دور أنتاش.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق