مقالات

هل ينتظر الشعب الأحوازي أيام عصيبة: الفيضانات المفتعلة؛ محاولة إبادة جماعية

الشعب الأحوازي يعيش تحت وطأة الأنظمة الإيرانية العنصرية منذ عقود ويسير بالتزامن النظام الايراني كوارثا بيئية مفتعلة بالإضافة للاضطهاد والتهميش المستمر. في ربيع عام ٢٠١٩م، شهدت عدة مدن أحوازية مثل “السوس” و”تستر” و”الحويزة” و”البسيتين” و”الخفاجية” و”الحميدية” ومدن أخرى فيضانات مدمرة وتضرر على أثرها حياة المواطنين بشدة من عدة جوانب، منها الأضرار الصحية والاقتصادية والبنية التحتية والزراعة في هذه المدن.

ما حصل آنذاك ان المواطن صوَّب إصبع الاتهام نحو النظام والمؤسسات التابعة له على أنها هي التي خططت ونفذت الفيضانات المفتعلة التي بلغت أضرارها المادية أرقامًا خيالية في مجال الزراعة والبنى التحتية والصحة والاقتصاد. والأمر الذي يؤكد هذه المؤامرة المشؤومة هو عسكرة هذه المدن بالأسلحة الثقيلة وكذلك جلب بعض الفصائل الإرهابية من الدول المجاورة أمثال؛ الفاطميون والحشد الشعبي وفصائل أخرى ونشرها في مدن وقرى الأحواز، غير أن الشعب الأحوازي تعامل بذكاء ووعي متكامليْن في تلك الآونة الحرجة وخرج منها منتصرًا على رغم الخسائر المادية الكبيرة جراء الفيضانات المفتعلة.

افتعال الفيضانات والمكاسب المطلوبة

النظام الإيراني أراد من خلال افتعال الفيضانات في ربيع عام ٢٠١٩م أن يحصل على مكسَبَين كبيرين، هما نزوح أكبر عددٍ ممكن من الأحوازيين من أراضيهم وتهجيرهم إلى العمق الإيراني وكذلك الإضرار بسلك الزراعة والتي تعد المصدر الاقتصادي المتبقي لمعظم المواطنين الأحوازيين.

حقق النظام المكسب الثاني من خلال اجتياح السيول الأراضي الزراعية ولكن تهجير المواطن الأحوازي إلى العمق الإيراني لم يلقَ غير الغضب العارم وتفعيل الإرادة الوطنية للبقاء ومجابهة السيول المنحدرة من السدود المدمرة _السدود التي حسب اعتراف بعض الساسة الإيرانيين تم إنشاؤها لأجل غايات سياسية وضرب الحراك الأحوازي اذا ما هدد الأمن القومي الإيراني يوما ما_  والمشاهد المرئية عن بطولات الشعب الأحوازي ملأت مواقع التواصل الاجتماعي وقتئذ. وقد نشهد إعادة نشرها خلال الأيام الآتية قُبيل سنوية تلك الجريمة التي هندسها رجال من الحرس الثوري في إيران.

السيول في الأحواز: مدينة عسلوية في محافظة بوشهر

سياسات إيران إزاء الشعوب غير الفارسية وخاصة الشعب الأحوازي هي سياسة إرهاق الشعب بأزمات وجودية لكي لا يرتب الشعب أوراقه وأولوياته. يسعى النظام من خلال خطط مبيته لإغراق الشعب واستنزافه من خلال افتعال أزمة السيول والتي يتم هندستها في غرف الفكر في دوائر النظام في الأحواز.

السدود في الأحواز: التهديد البيئي والسياسي والاقتصادي

عبر المتابعة الدؤوبة لمسيرة تشييد السدود في العالم، نلحظ أن جُل الغايات والدوافع من بناء السدود كانت إنسانية واقتصادية وتنموية ولكن هذا الأمر لا يصدق مع النوايا والغايات التي دفعت بالحكومات الإيرانية منذ عقود للاهتمام المبالغ في بناء السدود الكثيرة في شمال الأحواز وعلى مصب الأنهر الجارية. فالنوايا محض سياسية تهدد أمن وحياة ملايين من البشر في عموم مدن الأحواز وحتى بعض المدن العراقية وكذلك الدولة المُطلة على ضفاف الخليج العربي؛ بالأخص الكويت والإمارات حيث تسربت بعض الحقائق خلال محاضرات أمنية لعدد من رجال النظام حول فوائد بناء السدود سياسيا في الصراع الإقليمي. وهذا لم يعد خفيًا على أغلبية المجتمع الأحوازي أن بناء هذه السدود لم يكن لصالحهم بل هو تهديدٌ لهم ويمكن ملاحظة هذا الأمر بشكل جلي.

الأمر الذي يؤكد هذا التحليل هو معرفة النظام الكاملة بهذا التحليل المجتمع حول أغراض بناء السدود دون أن تتخذ خطوات لطمأنه الرأي العام في إقليم الأحواز.

مخاطر وتهديدات السدود في الأحواز

مخاطر وتهديدات السدود في الأحواز ينقسم إلى نوعين؛ سياسي واقتصادي/بيئي ويمكن على سبيل المثال ذكر سدَّين يشكل كل منهما تهديدًا بالغًا في نوعه وهما:

سد الكرخة وهو السد الذي تم بناءه لأجل أغراض سياسية حيث أنه يشكل تهديدًا وجوديًا على حياة ملايين البشر. هذا السد يقع على نهر الكرخة بطاقة تخزينية تصل إلى ٥.٩ مليار متر مكعب من المياه وبدأ بناء السد عام ١٩٩١. حسب الدعاية الإعلامية للنظام الإيراني، أن الغرض من بناء السد هو ري ٣٢٠ ألف هكتار من الأراضي الزراعية وكذلك توليد الكهرباء، إلا أن على أرض الواقع الأمر مغاير تمامًا؛ حيث أن الأراضي المذكورة تعاني الشح في الصيف عندما تنقطع الأمطار وتغرق في السيول الفيضانات المفتعلة في الربيع حيث وفرة الأمطار تلبي الحاجة إلى المياه.

إدارة السد تتعمد هذه السياسة في تجفيف الأراضي في الصيف وإغراقها بالمياه في الربيع وفيضانات المدمرة التي اجتاحت الأحواز عام ٢٠١٩ خير دليل على هذا الادعاء.

تأثير ملوحة على قبة القناديل الملحية في قاع سد كتوند على المنطقة الزراعية بعد ازمة السيول

تعتبر ملوحة مياه سد العقيلات إحدى أهم تحديات موارد المياه في قطاع الزراعة في اقليم الاحواز. وإن استخدام مياه سد العقيلات، والتي يحتوي على نسبة ملح عالية، يعد عملية محفوفة بالمخاطر لمستقبل هذا الشعب، حيث تتبخر الأملاح في التربة بعد عدة سنوات من وتبقى الاراضي مالحة لا تصلح للزراعة.

سيخلق حوض سد العقيلات مشاكل في المياه الزراعية في مدينتي العقيلات (كتوند) وتستر على المدى الطويل وسيما بعد فيضانات السنة الماضية والسيول التي تحاصر مدن وقرى الأحواز هذا العام. حيث اثبتت اختبارات العديد من الشركات الزراعية ذات الصلة بالري في نهر كارون ان “التوصيلية الكهربائية للماء” النهرية (EC) في مياه هذا السد عالية جدا، مما أثار بعض المشاكل للزراعة في المنطقة في السنوات الأخيرة. لدرجة أن هناك الآن أثبتت اختبارات لشركات قصب السكر وشركة الإمام الخميني وصناعة كارون الزراعية التي تجمع وتحلل عينات المياه شهريًا، ان هذه المياه تحتوي على مستويات عالية من الكلور (CL).

ارتفاع نسبة الكولر في مياه نهر كارون

وقامت هذه الشركات بنشر نتائج نسبة  EC و  Cl خلال السنوات العشر الأخيرة في شكل رسمين تخطيطيين (الشكلان ١ و ٢) ، وكلاهما يظهر زيادات EC و Cl في السنوات ٢٠٠٩ إلى ٢٠١٠، وهذا إنذار خطير على المدى الطويل للأراضي.

 

 

بينما يجب أن يكون نسبة التوصيلية الكهربائية للماء لزراعة أقل من ٢ وحوالي ١.٧.

ارتفاع نسبة التوصيلية الكهربائية للماء في مياه نهر كارون

سد العقيلات (كتوند العليا) تم بناؤه على نهر كارون، أكبر الأنهر في الأحواز، حيث يمتد طوله أكثر من ١٢ ألف ك ل. الطاقة التخزينية لهذا السد هي ٤.٥ مليار متر مكعب من المياه. الدعاية الإعلامية للنظام تصرح أن الغرض من بناء السد هو ري الأراضي الزراعية وتوليد الكهرباء. أما في الواقع ليس كذلك، وتم تشييد هذا السد في الأساس لكي يدمر ما تبقى من الأحواز لأنه تم بناؤه على جبال ملحية، والدليل على ذلك ان السكان المحليين الذين يقطنون بالقرب من السد كان يترزقون من خلال بيع الملح.

وكثير من ناشطي البيئة وأساتذة الجامعات صرحوا حول مخاطر هذا السد لأنه حول الأراضي التي يصب عليها إلى بوار وأرض غير ذي زرع. والوضع مستمر على هذا المنوال منذ سنين وقد زادت نسبة ملوحة مياه نهر كارون وكذلك ازدياد السبخ في الأراضي الزراعية. وكذلك الثروة السمكية والنباتية في خطر محدق بسبب ملوحة مياه السد. وقد طالب نشطاء البيئة في الأحواز وحتى طهران أن يتم تعطيل هذا السد عن العمل وتخلية مياهه رويدا رويدا لتنحدر المياه نحو الخليج العربي بأوقات محددة من السنة لكي لا تتعرض الأرضي أكثر مما تعرضت له من أضرار بيئية ولكن السلطات الإيرانية أهملت مثل هذه النداءات بل ضيقت على نشطاء البيئة بشتى الطرق ومنها الاعتقالات الإدارية والتعليق عن العمل والمنع من النشاط البيئي.

مخاوف من إعادة السيناريو المشؤوم

أعلن عدد من ناشطي البيئة في الأحواز هذا العام (٢٠٢٠) عن مخاوفهم حول إعادة سيناريو الفيضانات المفتعلة كما حدث نيسان/آبريل عام ٢٠١٩. حيث خرجت انباءا خلال الأيام القليلة الماضية من شخصيات إعلامية مقربة للسلطات حول احتمال حدوث فيضانات وسيول مشابهة، وبالفعل هنالك ارتفاع ملحوظ في منسوب مياه نهر الكرخة وكذلك أعلن بعض مسؤولي سد الكرخة عن رفع حجم المياه التي سيفتحونها على نهر الكرخة حيث يزيد هذا من ارتفاع منسوب المياه أكثر فأكثر. والمشكلة الأخرى التي تزيد من مخاوف النشطاء هي أن نهر الكرخة رسى وركدَ في قاعه حجمٌ كبيرٌ من الطين الناعم الذي يقلل من سرعة تدفق مياه النهر، وهذا بسبب الوعود الكاذبة التي وعدها المسؤولين في طهران العام الماضي بعد غضب المواطنين من عدم اهتمام السلطات بمسألة “كري” الأنهر الأحوازية.

السيول في الأحواز: السيول تجتاح مدينة صيراف (سيراف) في محافظة بوشهر

كل هذه المؤشرات تثبت أن السلطات الإيرانية لا تنوي أن تأخذ خطوات لتحسين الوضع في الأحواز بل تتعمد جعل الأمور إلى الأسوأ وهذا الذي نشهده من خلال أفعالها غير الإنسانية بطرق ملتوية لكي تجنب نفسها من المحاسبة المُساءلة الدولية والرأي العام الداخلي والخارجي.

 

رحيم حميد صحفي احوازي مستقل، يدافع عن حقوق الإنسان. يمكنك متابعته على حساب تويتر الخاص به: https://twitter.com/samireza42

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى