مقالات

لماذا تتستر معظم النخبة الفارسية على جرائم النظام؟

عادةً ما تقمع القوى الأمنية الإيرانية المتظاهرين في الأحواز دون رحمة. وأخذ قمع النظام الايراني منحى تصاعدياً، في التنكيل بحق الاحوازيين، مقارنة بغيرهم من الشعوب في الأقاليم والمحافظات الأخرى في إيران وخاصة فيما يتعلق بشدة البأس المرافق بالعنصرية المتجذرة لدى القوى الأمنية.

وعلى سبيل المثال شهدنا مؤخرًا أثناء مظاهرات المدن الأحوازية كـمدينة معشور وضواحيها كـالجراحي والكورة وخور موسى، استخدمت إيران القوة المفرطة بشكل رهيب تجاه المتظاهرين، الأمر الذي لم يحدث مثيله في أي مدينة منتفضة في إيران.

وكذلك انتشرت مقاطع فيديو تبين استهداف شاب عربي جريح وهو واقع على الأرض من قبل شرطي إيراني واغتيال ذلك الجريح بالرصاص مباشرة ودون رحمة، في مدينة الفلاحية. كما ان بمجرد تصفح في المواقع الناشطة في مجال حقوق الانسان نجد المزيد من قوائم الذين قتلوا طيلة الأربعة عقود الماضية، تحت التعذيب، من نساء ورجال. وكشفت الناس جثث العديد من هؤلاء الضحايا في الأنهر والمستنقعات، وهناك من ظل مغيب حتى يومنا هذا.

رغم ان هناك عدد كبير من الإيرانيين من عامة الناس ومن النشطاء على شبكات التواصل الاجتماعي تعاطف مع المتظاهرين وأهالي القتلى الأحوازيين، لكن يتساءل المرء لماذا لا نرى ردة فعل من قبل النخبة الإيرانية، بشقيها الموالي والمعارض للنظام، تجاه القمع الحكومي المفرط في الأحواز؟

يقودنا هذا السؤال نحو البحث عن القاعدة التي تستخدمها النخبة لتبرير السلوك الأمني في الأحواز. يا ترى ما هذه القاعدة فكرية التي أقيمت عليها هذه السياسات الأمنية، وحظيت بتأييد من قبل النخبة الفارسية؟

وبمعنى أخر، لماذا لا تتخذ هذه النخبة موقف شفاف تجاه قتل الإنسان العربي والتزمت الصمت عندما دخلت الدبابات في المدن الاحوازية، وحلقت الطائرات المسيرة، والطائرات العمودية كي تستهدف المواطن العربي الأعزل في الكورة والجراحي، ومشارف مدينة معشور وغيرها من المدن والقرى؟

كما سبق وحدث في مدينة المحمرة في يوم الأربعاء الأسود في ٣٠ مايو ١٩٧٩ حدث هجوم مماثل على المتظاهرين العزل وراح ضحيته مئات القتلى والجرحى، ومر الحدث دون أي تعليق من قبل النخبة الفارسية!

اذن يطرح هذا السؤال في الذهن وهو لماذا هذه السياسات القمعية مستمرة منذ تسعة عقود ونيف، دون أي رادع وجداني؟ لماذا أصحاب الضمائر الحية في الوسط النخبوي الفارسي يتناقص عددهم؟

التزمت هذه النخبة سكوتا مريبا حيث استغلت القوى الأمنية الإيرانية الوضع، وأدى ذلك إلى مجازر خلال المظاهرات أكثر من ١٦ انتفاضة حدثت في الأحواز منذ العقد الثالثمن القرن المنصرم حتى اليوم.

وبنفس الوقت نرى أن معظم النشطاء في الوسط النخبوي الفارسي طيلة العقود الماضية حتى اليوم، يخوضون المناظرات وتنشر المقالات والدراسات والكتب لكي تموه الانتهاكات الجسيمة من قبل الدولة الإيرانية بحق المجتمع في الأحواز!

وفي محاولة للرد على الإجابة على تلك الأسئلة، في مرحلة الاولى يجب أن يفهم القارئ الأساليب التي من خلالها يكسب النظام الإيراني تأييد النخبة الفارسية فيما يتعلق بسلوكه العدائي في الأحواز؟ وخلال الرد على هذا السؤال من البديهي يجب أن نفهم أن إيران تعمل حسب أي نظرية من نظريات الأمن؟

يمكن القول إن إيران عادة ما تحاول أن تخلق نموذج محلي عبر دمج النظريات أو المفاهيم أو المشاريع سواء في السياسة أو الأمن وغيرها من أمور. وعلى سبيل المثال تدمج إيران أساليب الأمن الأمريكي بأساليب الأمن الروسي وتستخرج نموذج محلي خاص بها. لذلك تستعين إيران كثيراً بتجارب العديد من دول أوروبا وحتى الصين فيما يتعلق بالعمل الاستخباري وغيره من شؤون أمنية. وقد جربت مجمل النظريات الأمنية، واستخدمت ما يتناسب مع واقعها. ولكن خلال العقود القليلة الماضية ظهر مصطلح حديث في صناعة الأمن الإيراني، ألا وهو مصطلح “الأمننة”، الذي هو تعبير وترجمة لنظرية Securitization theory.

مصطلح الأمننة يعرف بالفارسية بـ “امنيتى ساختن” وهذا المفهوم حين يترجم على أرض الواقع من قبل مراكز صنع القرار، يدعي الفاعلين في الدوائر المعنية إلى تغيير ماهية المفاهيم السياسية والاجتماعية لتدعيم فارسية الدولة.

وهكذا يتم تبليط الطريق الذي يخدم مشروع إيران فيما يتعلق بالتوسع القومي وفي سياسة إيران الإقليمية تحت غطاءات ومسميات عديدة، منها الدفاع عن حقوق الشيعة، وحماية أضرحة أهل البيت، في العراق وسوريا وغيرها من البلدان.

وفي نفس السياق وحين لا يوجد ضريح، تبني إيران ضريحاً وتنسبه لأهل البيت كي يكون مبرراً لتواجدها، كما أقدمت إيران على بناء ضريح في بعلبك بلبنان وأسمته “مقام السيدة خولة” ووصفتها بعنوان إحدى نساء اهل البيت، الأمر الذي شكك به العلماء الشيعة ومنهم من أعلن أن انتساب هكذا سيدة لأهل البيت ودفنها في لبنان لا أساس له من الصحة في تاريخ الشيعة. ولكن بما أنه مشروع سياسي توسعي لم تتنازل عنه طهران ومستمرة بدعم هذا الضريح، عبر مؤيديها لها في لبنان حتى اليوم.

وعلى هذا الأساس تعمل إيران على دمج المفاهيم والنظريات، بغية استخراج نموذج محلي يتناسب مع طموحاتها. واستخدمت نظرية الأمننة في علاقاتها الدولية (وأنا أسميها في حروبها الدولية) بجانب استخدامها في الشؤون الداخلية خاصة فيما يتعلق بشؤون الشعوب غير الفارسية.

وحسب ما يتناسب مع سياساتها، تستخدم طهران الأمننة لتحويل المواضيع العامة، إلى مسائل أمنية. بمعنى أخر أن تعمل الدولة على تعقيد وتسيس وأمننة قضايا قد لا تكون أمنية أساساً، وقد لا ترتبط تلك المفاهيم بقضية أساسية، كـديمومة الدولة.

وحسب الخبراء، في حال أن التركيز الأساسي في مفهوم الأمن التقليدي الكلاسيكي موجه على المعطيات المادية للتهديد، وتوزيع القوة والقدرات العسكرية وغيرها، تعمل نظرية الأمننة على تحويل موضوع إيجابي، لا يخل بأمن الدولة، تعمل عليه كي تراه النخبة أنه مشكلة أمنية!

ثم تتخذ الدولة دورها وتزامنا مع توظيف البروباجندا، تعمل على معالجة تلك المشكلة (المصطنعة)!  وهنا تحظى الدولة بقبول سياساتها الأمنية لدى النخبة والناس عامة، مهما كانت تلك السياسات عدائية ضد شعبً أو فئةً أو جهةً ما.

وفي جذور نشأة نظرية الأمننة يرى الأستاذ أولي ويفر الذي يعتبر من رواد مدرسة كوبنهاغن للدراسات الأمنية، أن هذا المفهوم، أي الأمننة، قد استنسخ من الأنظمة المصرفية وجرب في العلاقات الدولية، ونقطة البداية في الأمننة هي نظرية “الفعل الخطابي” وتدرس الأمننة من خلال تحليل الخطاب لتقديم شيء ما كتهديد وجودي.

ويدعمه في الرأي زميله الأخر الاستاذ باري بوزان حيث يقول: أن الأمننة ليست مجرد تحركات أمنية بل تصبح من خلالها القضايا مؤمننة عندما يتقبلها الجمهور.

إلى ذلك نرى إن النخبة الفارسية، تتقبل أمننة الأحداث والمفاهيم دون مناقشة علمية، حيث أمننة الأمور تصب في مصالحهم الفردية ومصالح كيان الدولة التي تعمل على تعزيز سيادة قوميتهم. مزيدًا على ذلك إن هذه النخبة تساهم بأمننة الأمور، بعلم مسبق، ودون أية عذاب ضمير، عبر تأييد السياسات الأمنية لدى الدولة، الأمر الذي أدى إلى أن أصبح المجتمع الفارسي، مجتمع ذو عقلية أمنية في كافة تعاملاته مع الشعوب غير الفارسية وخاصة مع شعب الأحواز. كما أن النسبة الأكبر من هذا الشعب مؤيدة لما تعمله جمهورية إيران الإسلامية في الشرق الأوسط، حيث الأمر يتعلق بالتوسع القومي.

من هنا يمكن أن نفهم أن ردة الفعل القاسية من قبل النظام الإيراني على شعب الأحواز خلال مظاهرات أكتوبر ونوفمبر الماضي، على أثر رفع سعر البنزين من قبل الحكومة، وكذلك سائر ردود أفعال النظام الإيراني والتي عادة ما تترجم بالعنف والقمع الشديدين تجاه الأحوازيين، أنها تكشف لحداً ما للمتابع أن سياسة طهران تتغذى من ثقافة أمنية تجاه الاحوازيين، وكذلك مستخرجة من مدرسة أمنية تتلاءم مع الخصوصيات السيكولوجية لدى ساسة الدولة الإيرانية، وهذه السياسة القمعية مؤيدة من قبل من يتبنى الأفكار القومية المتطرفة في هذا اللبد.

وفي نظرة مبسطة، على ركائز الثقافة التي أنجبت تلك السياسات الأمنية وعداء إيران غير المبرر تجاه العرب وخاصة الأحوازيين، والذي خلف مجازر بحق شعب الأحواز، وتسترت عليها النخبة الفارسية، يبدو أن هذا العداء قد بني على ما أنتجته الحركة الشعوبية الفارسية في الماضي البعيد.

ومزيداً على ذلك، أنه لا يمكن إقفال دور المصالح الاقتصادية والجيوبوليتكية لدى نظام إيران والفرس في الأحواز، حيث طمعاً بحفظ الوضع القائم، أي استمرار السيطرة دون قيد على شعب الأحواز وأرضه، أشعلت الدولة الفارسية من جديد فتيل ذلك العداء المشؤوم عبر نشر العديد من الكتب والروايات والدواوين الشعرية، وإخراج أفلام سينمائية ومسلسلات تلفزيونية، ومسرحيات، وأغاني وغيرها من إنتاجات ثقافية قد لا تحصى.

تدعوا هذه السياسة الأمنية العدائية الإيرانيين إلى معاداة كل ما هو عربي، وصولاً إلى المطالبة بقتل الإنسان العربي كذلك. وهكذا استحدثت أجهزة المخابرات ثقافة العداء الفارسية ضد الانسان العربي في العصر الحديث وروّج لها الإعلام الملكي الإيراني منذ تولي أسرة البهلوي نظام الحكم في العقد الثالث من القرن المنصرم.

وواصلت طهران في عهد النظام الثيوقراطي الحاكم اليوم نفس النهج السابق بوتيرة مضاعفة. وربما من أحدث الإصدارات الثقافية الإيرانية التي دعت فيه إيران إلى قتل العرب، ألا وهي أغنية مرخصة من قبل وزارة الثقافة والإرشاد الإيرانية يدعوا فيها الفنان الفارسي (بهزاد بكس) إلى قتل العرب، وذلك عبر مضامين شعرية. عرفت هذه الأغنية في الشارع الإيراني تحت عنوان أغنية (عرب كُش) أي (قاتل العرب) وهي إحدى أوضح تجليات مشاعر العداء الكامنة في نفوس القوميين الإيرانيين تجاه الأخر العربي.

وإذا ما قرأنا المشهد السياسي والاجتماعي الإيرانيين، فيتبين لنا أن أولى محطات قتل العرب تقع في حدود إيران اليوم، أي في الأحواز، قبل أن تطال يد النظام الإيراني قتل الناس في العراق وسوريا ولبنان واليمن. وحيث يمتلك نظام إيران تاريخ قمعي، في كلى العهدين، أي العهد الملكي والعهد الحاكم الان، كنت قد كتبت جزءًا ملخصًا من هذا التطهير العرقي في مقال سابق تحت عنوان “نبذة من نضالات الشعب العربي في الأحواز“.

ملخص القول إن العقيلة الفارسية هي صنيعة الأجهزة الأمنية، ومدعومة ببروجاندا مستمرة منذ عهد بعيد حتى هذا اليوم، وعلى أثر ذلك يرتكب النظام الإيراني مجازر في الأحواز وفي دول عدة في الشرق الأوسط، دون أن يحاسب من قبل الضمير الجمعي في إيران، أو من قبل النخبة الفارسية.      

قد يؤدي استمرار هذا الوضع إلى دفع النظام الثيوقراطي الحاكم في إيران، إلى ارتكاب المزيد من المجازر، وربما سوف يتقدم هذا النظام على النازية فيما يتعلق بتنوع الجرائم ووسعتها، إلا أن يحدث لدى الوسط النخبوي الفارسي انقلاب فكري متقدم، ورافض لجميع المفاهيم التي اليوم أنتجت جحيما على وجه الأرض في العديد من البلدان كـ سوريا واليمن والعرق وكذلك لبنان وفي أقاليم غير الفارسية في إيران، نتيجة تلفيق النظام الثيوقراطي الحاكم في طهران مفاهيم تؤدي إلى كوارث بحق السلام والاستقرار.

وفي النهاية من المؤكد أن تتطلع الشعوب المتضررة، وخاصة الشعوب غير الفارسية في إيران، كي ترى في الأجيال الشبابية الإيرانية الأمل في التغيير والتغلب على الهواجس، والمخاطرات المصطنعة في أروقة الدوائر الأمنية، وكذلك تصحيح مسار النخبة الداعمة لهذا النظام.

نـوري حمـــزة: صحفي ومحلل سياسي

إن الآراء الواردة في هذا الدراسة تعكس رأي الكاتب والباحث ولا تمثل بالضرورة سياسة التحريرية لمركز دراسات دور أنتاش.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق