مقالات

الإعدام المؤقت!! (نعم هذا مصطلح جديد)

سلسلة مذكرات الاسير السابق غازي مزهر، رقم 14

مقتطفات من مذكراتي في السجن 

شاء القدر أن أكون في زمان ومكان تقع فيه الكثير من الأحداث التي لا تتاح فرصة تجربتها لكثير من الناس، اذ كنت شاهدا على تنفيذ عشراتٍ من أحكام الإعدام بحق المناضلين الأحوازيين في سجن “كارون”، فضلا عن مشاهدتي لمايقارب المئة عملية إعدام للسجناء غير السياسين سيما مهربي الممنوعات وقصاص القتل في سجني “كارون” و”عادل‌آباد”  في شيراز.

لا تسعف الكلمات ولا يستوعب وعاء اللغة توصيف المشاعر والأحاسيس التي انتابتني أثناء مشاهدتي لتنفيذ هذه الأحكام، فهناك العديد من اللذين التقيتهم صدرت بحقهم هذه الأحكام ظلما وجورا وهم اليوم قد فارقونا، وأتذكر جيدا تلك اللحظات التي تلقوا هؤلاء الأبطال هذه الاحكام كيف كانت ردات فعلهم وهي لاتكاد تفارق ذاكرتي. من الصعب تصوير ذلك الموقف ورسم ذلك المشهد، لا يشعر بها الا من عاش هذه التجربة وهذا ما حدث لي بالضبط مع حكم الاعدام.

في المرّة الأولى التي نقلوني فيها إلى معتقل وزارة الإستخبارات سنة 2009، كان لاينفك الجلادون والسجانون بتهديدي خلال التعذيب بالإعدام، وقد استمرّ التعذيب والتهديد بالإعدام لعدّة أشهر. وفي احدى الجلسات وبعد ساعات من التعذيب، بعد أن رفضت بعض الإتهامات الموجّهة ضدي، قالوا سننفذ اليوم بحقك حكم الإعدام لنتخلص منك!

فأنا اعتبرتها مجرّد تهديد فتحدّيتهم وحينها كنت مكبّل القدمين واليدين الى الخلف، ومن شدة التعذيب كان جسمي كله يقطر دما، فلا أعرف حتى لأي جرح استجيب أو من أي جرح أشكو، الى أن وضعوا حبل المشنقتي حول عنقي وقالوا لي، سوف نعدمك. وكلمعتاد كانت عيناي معصوبتان ولكني كنت أرى بعض الأشياء الضبابية من تحت عصابة العينين وكنت أشعر بأن الغرفة كان فيها أكثر من 4 أو 5 أشخاص، وقد بدءوا برفع الحبل تدريجياً إلى أن أصبح من الصعب علي التنفس، وشعرت بأن عظام عنقي كادت تنكسر وتمزّق، تلقائياً تصلّبت كل عضلات جسدي وكذلك عروقي فنسيت آلامي وكان كلّ همّي هو الحصول على القليل من الهواء لأتنفسه وأنا أعيش هذه اللحظان القاسية، رفعوني من الأرض وأصبح كلّ وزن جسدي مرهون بعنقي، شعرت بأن عيناي كادت تخرج من حدقتها، ولكن فجأة توقف كل ذلك الضغط والألم ولم أعد أشعر بأي شيء، ولا اسمع ولم أعد أحتاج إلى هواء حتى، كما إني فقدت الإحساس تماماً بجسدي، بل إني فقدت التواصل معه كليّاً…أين أنا؟ هل انفصلت روحي عن جسدي؟ هل فقدت الوعي؟ هل هذا هو الموت؟ لقد فقدت الزمان والمكان، وكلّ ما كنت أشعر به هو حرارة لطيفة في أعماق مخّي وربما هي الحياة، أين ذهب كل ذلك الألم وكيف، لا أدري.

لا أعلم بالفعل كم استغرقت تلك اللحظات، ثوان ام دقائق، ولكن أول ما شعرت به بعد ذلك هو أنهم كانوا يزوّدونني بالتنفس الإصطناعي، ثم عادت لي حاسّة السمع، فسمعت همسات الجلادين الذين كانوا مجتمعين من حولي، ولربّما كلّ فترة الإعدام لم تتجاوز الدقيقة الواحدة، أو بضعة ثوان، ولكنها كانت كفيلة بفصلي تماماً وحتى هذه اللحظة عن الحياة العاديّة.

أحاول هنا تبيين ما دار في بالي عندما هددوني مرارا بالإعدام وسيما عندما كنت وحيدا في الزنزانة وكما لمست من تجربة بعض الشباب قبل تنفيذ حكم الإعدام عليهم او الذين نقض حكم اعدامهم بعد أشهر وسنين من التهديد بالإعدام.

اكبر نعمة وهبنا الله هي الحياة واردفها بغريزة البقاء حتى نحافظ عليها بشكل شعوري او لا شعوري منذ ولادتنا إلى آخر رمق في وجودنا . يبدأ من حفظ الجسد و الروح و يستمر بحفظ أنا الفردي و الاجتماعي. عادة الموت يأتي بشكل فجائي ولكن عندما تكون في السجن و تهدد يوميا بالقتل أو الإعدام تأتيك اسئلة خاصة ونوعيتها والأجوبة التي تعطى تختلف عن بعض وترجع إلى ايدولوجيا و نظرتك إلى الحياة. يساري ، ليبرالي ، علماني ملحد وحتى المؤمنون يختلفون في الأجوبة بين من يطمع بالجنة ومن يخاف من النار ومن يريد رضوان الله و لقائه .

يسأل الانسان نفسه لماذا وصلت إلى هذه المرحلة التي اقتربت بها من المشنقة هل الغاية التي اخترتها و ناضلت من اجلها تستحق كل هذه المعاناة والتضحية باغلى ما املك وهي الحياة ولماذا؟ وأي ذنب اقترفته؟

باختصار: الانسان يبحث في تلك الحالة عن المعنى، معنى الحياة او الموت يبحث عن معنى لما يحدث له و يحاول تفسيره، في تلك الحالة ليس وقت التمثيل والتظاهر بل إنها ساعة الحقيقة.

  أجبت نیابة عن نفسي: “ناضلت من أجل الأحواز، إذن ما معنى الأحواز؟!”

 هل هي تلك البقعة الجغرافية من يابسة الأرض بمساحة كذا وكذا وما يميزها على غيرها من المناطق الأكثر خصوبة واعتدالا في المناخ و …  

اما المقصود من الأحواز هو الإنسان الأحوازي؟ وما يميز تلك المجموعة من البشر عن سائر البشر وفيهم من الخصال من الخير والشر مثل كل البشر. منذ زمن بعيد توصل العلماء أن البشر من صنف وسلالة واحدة رغم اختلاف الوانهم والسنتهم.

ام هي الحضارة أو الثقافة الأحوازية ونحن نعلم أن المجتمع الأحوازي مثل كل المجتمعات فيها من التقاليد والأعراف الإيجابية و السلبية ولا ندعي ان الشعب الأحوازي يمتلك ثقافة مثالية….

إذن ما هو الجواب؟! كما أشرت في الأعلى الإجابة ترجع إلى رؤية الشخص للحياة ومنظومته الفكرية و…

وانا اكتب هذه السطور شهادة على أن معظم شهداء الأحواز ذهبوا إلى حبل المشنقة بقلوب مطمئنة بعدالة قضيتهم، مطالبين بحقوق شعبهم المسلوبة رغم اعترافهم ببعض الأخطاء في أساليب العمل و الإستراتيجيات.

وفي الأخير تحتم الضرورة عمل التنظيمات والنخب الأحوازية على بناء اسس عقائدية وفكرية تتلائم مع القيم الإنسانية و الشرائع السماوية في شرح القضية الاحوازية للمناضلين الأحوازيين الذين يريدون ان يضحوا بأموالهم وأنفسهم من أجل القضية و لا يكتفوا بالخطاب التحريضي العاطفي الذي لا طائلة منه!

السجين السابق غازي مزهر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى