مقالات

مقتل مراهق واتخاذ جثته رهينة: هل سيتحرك العالم الآن ضد إيران؟

حسبما أفادت التقارير المأساوية الأسبوع الماضي، واصلت قوات النظام الإيراني تصعيد عمليات القتل العشوائي ضد المدنيين الأحوازيين، فأطلقت النار على طالب أعزل يبلغ من العمر ١٧ عاما يوم الأربعاء (٤ أغسطس / آب ٢٠١٩).

تم إطلاق النار على الصبي علي راشدي من مسافة قريبة من قبل قوات النظام التي كانت متمركزة في الشارع في مسقط رأسه بلدة الخلفية على الرغم من أنه لم يفعل شيئا يبرر أي أعمال عنف، ناهيك عن استخدام القوة المميتة، ولم يؤمر بالتوقف أو يعطى أي تحذير.

شهود العيان، الذين طلبوا عدم الكشف عن هوياتهم بسبب عمليات انتقام النظام، أخبروا مركز دراسات دورانتاش أنه قوات النظام بدأت إطلاق النار عليه دون انذار. وأضاف شهود العيان أن الصبي، الذي كان يشعر بالذعر خوفا من تعرضه لإطلاق النار، أسرع في محاولة للفرار من المسلحين، مع تسارع القوات للقبض عليه وإطلاق النار عليه ثلاث مرات، مرة في عنقه ومرتين في ظهره.

قتل الصبي على الفور، حيث سقط جسده من دراجته النارية على الطريق. عندما تجمع السكان المحليون حول جسده، كانت قوات النظام وميليشيات الباسيج يرافقونهم وحشدوا قواتهم في الشوارع. من الواضح أن قوات النظام حاولت تبرير عملية القتل بالقول إن علي كان يرتدي كوفية حمراء اللون حيث اعتقدوا أنه قد يكون متنكرا، لذا أطلقوا عليه النار، رغم أنه لم يتلق أي تحذير حتى مع افتراض أنه خلط بينه وبين مجرم مطلوب.

شهود عيان مختلفون حددوا بشكل لا يقبل الجدل هوية الضابط المسؤول عن إطلاق الطلقات القاتلة بأنه يحمل اسم إيزد بناه، وهو عضو سيء السمعة في قوات أمن النظام.

كشف أقارب علي في الولايات المتحدة الأمريكية أن علي، الذي كان في الصف الحادي عشر بالمدرسة الثانوية، لم يكن أول فرد في العائلة يقتله النظام؛ تعرض خاله المعلم هادي راشدي للسجن والإعدام في ٢٠١٣ إلى جانب الشاعر هاشم شعباني ب”تهمة” المشاركة في تأسيس منظمة أهلية علمية وثقافية أحوازية مخصصة لتعزيز العلوم واللغة والثقافة العربية وحقوق المرأة.

قال حبيب راشدي خال الشهيد علي وشقيق الشهيد هادي، الذي يعيش الآن في المنفى بالولايات المتحدة الأمريكية بعد أن نجا من سجون النظام، إنه بعد فترة وجيزة من إخطار شقيقته وزوجها بمصرع ابنهما على أيدي النظام، حذرهما المسؤولون صراحة من التحدث إلى أي وسائل إعلام أو منظمات دولية بشأن مقتله، وهددوا بأعمال انتقامية عنيفة حال القيام بذلك. وأضاف أن الوالدين المنكوبين تلقيا تحذيرا من أنهما إذا تحدثا مع أي منظمات خارجية فلن يسلم النظام جثة ابنهما لهما لدفنه.

لم يرضخ حبيب راشدي لتهديدات النظام، لكنه دعا على الفور وسائل الإعلام الدولية ومنظمات حقوق الإنسان إلى التحرك الفوري لنشر الوعي بجرائم النظام والتحقيق في عمليات القتل المتعددة للشباب الأحوازيين في الأسابيع القليلة الماضية. قتل ما لا يقل عن ستة شبان من الأحواز العزل في سن المراهقة وبداية العشرينات رميا بالرصاص على أيدي قوات النظام خلال الشهر الماضي. وكالعادة لم يتخذ النظام أي إجراء للتحقيق في عمليات القتل خارج نطاق القانون أو حتى الاعتراف بها أو العثور على مرتكبيها ومعاقبتهم، مع شعور واسع النطاق بين الأحواز بأن صمت المجتمع الدولي دليل قوي على الموافقة الضمنية على الاضطهاد القاتل للنظام بحق الأحوازيين والجماعات العرقية الأخرى في البلاد.

وأضاف حبيب أنه بعد أن قتلت قوات النظام علي، بدلا من تسليم جثته لعائلته المغمومة، اتصل مسؤول من النظام بأسرته وقال لهم: “لقد حذرناكم من أنه لا ينبغي لأحد من أفراد عائلتكم التحدث عن وفاة ابنكم مع الإعلام أو غيرها من المنظمات، وبما أنكم لم تتعاونوا معنا وظهر أحد أقاربكم في الولايات المتحدة الأمريكية في قناة تلفزيونية معادية للنظام تدعى أحوازنا متحدثا عن ابنكم، فقد قررنا ألا نسلمكم جثة علي”.

وبحسب ما ورد،  زاد المسؤول من فداحة الأمر بإبلاغ والدي علي المنهارين أن ابنهما سيدفن في قبر بلا اسم ولن يتم إخبارهما بموقع، وزاد بتهديدهم أنه إذا قاما بأي مراسم عزاء تقليدية له مع أصدقائه وعائلته والسكان المحليين المعزين فسيسجن كل من الوالدين وجد الصبي. عندما تحدت عائلته هذا الأمر القاسي وأقامت مراسم عزاء تقليدية لابنهم، أرسلت سلطات النظام العشرات من المركبات ومئات الجنود إلى المنطقة وفرضت حظر تجول صارم وأقامت عشرات أخرى من نقاط التفتيش التي يديرها الباسيج، ما أغلق الشوارع المحيطة ببيت عائلته لمنع السكان المحليين من تقديم التعازي أو الاحتجاج على قتله.

وحول هذا الشأن قالت المحامية الأمريكية وناشطة حقوق الإنسان البارزة إيرينا تسوكرمان “ميليشيا الباسيج التي قتلت الشاب الأحوازي بسبب جريمة كونه عربيا في ظل نظام متعصب عرقيا بشكل قاس عاقبته الولايات المتحدة. ولكن ما تأثير ذلك عمليا على الباسيج وأعضائه وأنشطته؟ في الواقع فإن الباسيج ، الذين ليس لديهم على الأرجح أصول في النظام المالي الأمريكي ولا يسافرون إلى الولايات المتحدة، لا يتعرضون لخطر تجميد أموالهم أو ترحيلهم. كان هذا التعيين رمزيا وبلا معنى إلى حد كبير. “

و أضافت “طالما استمرت الولايات المتحدة والدول الغربية الأخرى في التزام الصمت حيال جرائم القتل الفردية التي يرتكبها هؤلاء السفاحين، طالما استمرت هيومن رايتس ووتش ومنظمة العفو الدولية في تجاهل الجرائم المرتكبة بحق الأحوازيين وغيرهم من السكان من الشعوب غير الفارسية في إيران، فإن يد الباسيج حرة في المساهمة في هذه الحالة من الاضطهاد. لكن لماذا تخفق منظمات حقوق الإنسان هذه في أداء عملها؟

“هل لأنها أصبحت أكبر من أن تهتم ولم تعد بحاجة لفضح جرائم حقيقية للحفاظ على سمعتها؟ هل لأنهم جبناء أخلاقيا ولا يرغبون في الصدام مع إيران حول قضايا تتعلق بالسكان والتي يمكن أن تسبب انهيار النظام، حيث الشعوب غير الفارسية هي الأغلبية في إيران؟ أم أنه بسبب امتلاء صفوفها بالمتعصبين وأنصار النظام الناعمين وزملائهم المسافرين والمتعاطفين معهم الذين سوف يسعون فقط إلى مسارات مدروسة جيدا من غير المرجح أن تثير أي جدل؟”.

“بغض النظر عن الحالة، هناك شيء واحد واضح: من خلال التزام الصمت إزاء جرائم القتل خارج نطاق القانون المتعمدة وغير القانونية، فقدت مصداقيتها منذ فترة طويلة. لا يمكن للمرء أن يدعي أنه مدافع عن حقوق الإنسان وأن يلتزم الصمت إزاء المعاملة الجائرة وغير المتساوية للأحوازيين على نحو فادح والذين يبدو أن القانون غير موجود في قضيتهم”.

“كيف يكون مقبولا أن القانون الذي يبدو أن هذه المنظمات تتظاهر على الأقل بحرصها عليه فيما يتعلق بالنساء أو أو غيرهم لا ينطبق في تغطيتها على الأحواز؟ لماذا يتجاهلون قطاعات ضخمة من السكان كما لو كانوا غير موجودين ولا يعانون من أشكال تمييزية وفريدة من أشكال القمع؟”.

قبل أسبوعين من وفاة علي، قتل خمسة شباب آخرين من الأحواز رميا بالرصاص، بحسب ما أفاد مركز دورانتاش من قبل. وكان آخر هذه الحالات هو رسول عفراوي البالغ من العمر ٢٤ عاما الذي أطلق عليه أفراد أمن النظام النار بشكل قاتل وهو يستقل دراجة نارية أمام نقطة تفتيش، مرة أخرى دون سابق إنذار أو أوامر بالتوقف قبل إطلاق النار عليه من مسافة قريبة، برصاصة في الظهر وثلاثة في ساقيه. كان الرجل الأعزل في طريقه إلى متجر محلي لشراء الخبز. على الرغم من أنه نقل لاحقا إلى إحدى المستشفيات، إلا أنه لم يسترد وعيه أبدا، ودخل في غيبوبة نتيجة نزيف داخلي حاد وتلف في النخاع الشوكي ومات بعد ذلك بيومين.

على الرغم من أن عدد عمليات القتل خارج نطاق القضاء هذه وغيرها من الجرائم المرتكبة ضد الأحوازيين في ازدياد – تم توثيقها بإسهاب بأدلة كبيرة في شكل صور ومقاطع فيديو وشهادات شهود تثبت مسؤولية النظام عن هذه الجرائم دون أي شك، بما في ذلك استخدامه التهديدات لإسكات عائلات القتلى -، إلا أن الأمم المتحدة وغيرها من الهيئات الدولية ومنظمات حقوق الإنسان ظلت صامتة وأخفقت في اتخاذ أي إجراء لمعاقبة النظام أو الإعلان عن جرائمه. بينما عينت الأمم المتحدة مراقبا خاصا منذ عام ١٩٩٢ لدراسة عمليات القتل العشوائية التي يرتكبها أفراد النظام، لم تكن هناك حركة كبيرة في الأعوام السبعة والعشرين اللاحقة لاتخاذ أي إجراء ملموس لمعاقبة مرتكبي هذه الأفعال، حيث يبدو أن دور المسؤول كان احتفاليا إلى حد كبير. أستاذة القانون وحقوق الإنسان الدكتورة جيل جيليسبي تعلق قائلة: “صمت المجتمع الدولي بشأن الفظائع التي ترتكب باستمرار ضد الشعب الأحوازي يبعث على الأسى والدهشة.

هذا الاضطهاد في مجمله يكاد يكون إبادة جماعية في مداه، لكن الأمم المتحدة لم تدن هذه الجرائم ضد الرجال والنساء والأطفال ولم تتخذ أي إجراء بأي شكل من الأشكال. لا تقوم الأمم المتحدة بواجبها، وما زال الأحوازيون يعانون. إنه أمر شائن أن تواصل إيران انتهاكات حقوق الإنسان بحق الأحواز دون عقاب.

في ١٥ مارس ٢٠١٩ دعت ٤٢ منظمة لحقوق الإنسان في بيان نشر في نيويورك مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة إلى تمديد ولاية المقرر الخاص بحقوق الإنسان في إيران جاويد رحمن.ينبغي حثها على التحرك على الفور، وإدانة وتوثيق والمطالبة بوقف جرائم النظام ضد الأحواز”.

إخفاق مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في الوفاء بواجباته ودعم دستوره وقراراته جعل الشعب الأحوازي أعزلا في مواجهة فعلية مع إرهاب الدولة المنهجي دون حماية، مما يعطي النظام الإيراني تفويضا مطلقا للتطاول على القانون الدولي وتجاهل أكثر المبادئ الأساسية لحقوق الإنسان مع الإفلات التام من العقاب.

نحن لسنا ذباب خيل ولا مخلوقات غريبة، نحن بشر وأشخاص لدينا تاريخنا العميق. احتلت الدولة الفارسية أرضنا بوحشية قبل عقود، وبدأت في إراقة دمائنا كما لو كانت مجرد مياه بحر. لا يزال الاحتلال يذبحنا ، لكن العالم صامت حتى ونحن نفضح جرائم النظام.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق