مقالات

الإعتقال

سلسلة مذكرات الاسير السابق غازي مزهر، رقم ٥

مقتطفات من مذكراتي في السجن

في تلك الليلة كنت مهتماً في تنظيف جهاز الكمبيوتر عبر برنامج “ترمينيتور” وهو برنامج خاص لحذف الملفات من حافظة الكمبيوتر بشكل كامل لأن الحذف العادي لا يجدي نفعاً مع وجود برامج “ريكاوري” حيث يمكن من خلاله إستراجاع الملفات المحذوفة، كما كنت منشغلا بنقل بعض المعلومات إلى الفلاش (Memory). كنا نقحم أنفسنا في كثير من المجالات وذلك بسبب حجم القضية الأحوازية وعدم وجود نظام تقسيم عمل. وبينما لكل مجال من القضية تشعبات وارتباطات وهذا ما يلزم الناشط بالمجازفة عبر التواصل الواسع مع العديد من الافراد والجهات.

في تلك الليلة تجاوزت الساعة الواحدة بعد منتصف الليل وانا على عادتي يجب أن انام مبكراً خلال خمسة ايام في الأسبوع لكي اصح عند أذان الفجر وبعد الإستحمام والصلاة والفطور اذهب الى الشركة الى الدوام. كان مقرر في يوم غد ان اذهب في مهمة إلى طهران من قبل الشركة لفحص بعض المعدات والأجهزة وكما كنت انوي الذهاب الى معرض الكتاب الدولي. لهذا “تكاسلت” في تكميل الواجب واخفاء الفلاش في مكان آمن بغية تكميل الواجب بعد الرجوع من الدوام وهذا الاهمال كان خطأ فادحا وتبين لي فيما بعد أن “التكاسل” من اهم اسباب وقوع الشباب بيد الاستخبارات فيما يخص مراعاة الشئون الأمنية.

في لحظات الأولى من الإعتقال وانا في السيارة جعلوا الكمام على عيوني واجبروني على خفض رأسي لكي لا اعرف المسير ولا ادرك الاتجاه الذي يأخذوني اليه. عادة تقع مهمة الاعتقال على عاتق” فريق العمليات الميدانية ” وهم لا يعرفون الكثير عن ملف المعتقل. وبينما انا في السيارة ركز فريق الاعتقال على سؤال في شأن ما حيث أفقدني بعض التركيز لكنني اتخذت الصمت وفضلت السكوت حيث كانت أمور أخرى تشغل بالي وكنت أفكر بها على عجل ومنها؛

  • ماذا وجدوا في بيتي،
  • ماذا يعرفون عن نشاطي،
  • كيف تم كشفي.

 منذ عام ١٩٩٠ وعندما كان عمري ١٥ عاما بدأت نشاطي في القضية الاحوازية وعملت في عدة مجالات وارتبطت بعدة جهات ولذلك حين اعتقالي في سنة ٢٠٠٩ كان لديه الكثير من الهموم والواجبات والارتباطات وكانت شغلت بالي منذ لحظة الاعتقال حتى خروجي من السجن. لكن قبل البدء في الحديث، نشرح للقارئ المراكز والجهات الاستخباراتية التابعة للاحتلال الايراني والتي  تعتقل النشطاء. ويساعد هذا التعريف الناشط لكي يميز بينهما ويدرك نوعية التهم التي جراءها تم اعتقاله.

يتم اعتقال النشطاء في الأحواز وفي عموم جغرافية إيران من قبل عدة جهات أهمها:

أولا: ساس – سازمان اطلاعات سپاه؛ مهمة هذا الجهاز عموماً تتركز على النشاط العقدي بحيث كان من وظائفهم اعتقال نشطاء الدعوة السنية – السلفية والمهدوية من اتباع أحمد الحسني في العراق واليمانية من اتباع ناصر بن محمد اليماني والبهائية والتبشيرية المسيحية خاصة فرق البروتستانتية مثل بنتي كاست وجماعة رباني وعبدة الشيطان. يتميز تعاملهم بالتعذيب النفسي والتعذيب الأبيض (عزل الشخص عن العالم الخارجي في زنزانة منفردة ضيقة لفترة اسابيع او أشهر) والقليل من التعذيب الجسدي، كما يحاولون إقناع المعتقلين عبر الكتب العقائد الشيعية للرد على معتقداتهم وادخالهم في نقاشات عقائدية مع بعض رجال الدين في أثناء الإعتقال. كنا نعرف نوعيه تهم المعتقل العقائدي الذي يدخل القسم السياسي في السجن من مجموعة الكتب التي يحملها والتي يطلبون منه قراءتها وذلك يعني انه من معتقلي جهاز ساس.  ولكن حسب ظني سيتم تغيير أسلوب عملهم بعد عملية المنصة في عام ٢٠١٨ م. تقع مهمة الأمن في حالات خاصة على  عاتق الحرس الثوري بشكل كامل كما حدث في فترات في كردستان وبلوشستان.

ثانيا: واجا – وزارت اطلاعات جمهوری اسلامی؛ مهمة هذا الجهاز تتركز على حركات شعوب غير الفارسية من الترك، الكرد والعرب والبلوش وغيرهم كما تركز مهامها على نشاط المعارضة الفارسية ومنها مجاهدي خلق وملفات التجسس وغيرها. يقوم هذا الجهاز بتعذيب الجسدي والنفسي القاسي يصل الى حد الموت وبالإضافة الى التعذيب الأبيض (على سبيل المثال، سجن عبدالعباس ساكي ٤ سنوات وعشرة أشهر في معتقل الإستخبارات وايضاً سعيد حمادي بقي ٣٤ شهراً في الزنزانة الانفرادية) ويعتبر هذا الجهاز امتداداً لجهاز السافاك الذي تأسس زمن البهلوي الثاني. وتعتبر مهمة التنصت من اختصاصات هذا الجهاز الامني.

ثالثا: پاوا – پلیس اطلاعات و امنیت عمومي؛ يتركز عمل هذا الجهاز على الجرائم الإجتماعية و لكن يتعاون في حالة المظاهرات إلى جانب قوات مكافحة الشغب في اعتقال المتظاهرين.

رابعا: فتا – پلیس فضای تولید و تبادل اطلاعات ایران؛ رغم ان هذا الجهاز ایضا یرکز علی الجرائم الإجتماعية إلا انه يشرف ايضاً على النشاط الثقافي و السياسي في الفضاء الافتراضي.

خامسا: الحراسة – وهي أجهزة الأمنية التي تعمل في كل الشركات والدوائر الحكومية وتتواصل مع واجا وساس وتتجسس على نشاط الموظفين والعمال.

وأما من جانب أخر هناك أخطاء فادحة إذا لم يأخذها الناشط بعين الاعتبار تسهل مهمة اعتقاله على يد المراكز الأمنية التي اسلفناها أنفا واذكر بعض من تجاربي لإيضاحها:

بعد حوالي عقدين من العمل واجهت اصنافاً متعددة من البشر يكونون سببا في كشف الناشط او جزء من نشاطه وإعطاء تقارير مباشرة لأجهزة الاستخبارات او ربما غير مباشرة عبر مَن يعمل في تلك الأجهزة بنوايا مختلفة. على سبيل المثال، في أحد الأيام طلب أحد أصدقائي المقربين وكان صديق لي منذ الطفولة في حي الثورة، ان أضمن اخاه في قرض من البنك، فقلت له لماذا انت لا تكفله وبعد الإصرار، قال لي انه يعمل في مديرية الاستخبارات (عميل)، قسم الخدمات وكشف لي ان شقيقه عميل ايضا ويعمل في قسم العمليات، كما أن والده تقاعد من الإستخبارات وخاله وعمه ابو زوجته عقيد ومدير إحدى الأقسام في المخابرات. وذكر لي ما يقارب ٢٠ شخص من اقاربه يعملون في هذا المجال تحت غطاء مهن خدماتية أخرى. كما قال لي ان التوظيف في الاستخبارات عادة يأتي عبر التزكية من الأقارب.

هنا تعلمت دراساً ان علينا كشف حقيقة أصدقائنا ورفاقنا وحتى اقربائنا مجدداً ولا نكتفي ونثق بما يقولون بل علينا التحري والتأكد من مكان عملهم. وحتى إذا لم يعمل صديقك او رفيقك مع الاستخبارات أي لم يكن عميلا ولكن اذا كان يعمل احد اقاربه تكون انت معرضا للكشف والاعتقال بسهولة.

مر على عمر الإحتلال ٩٤ عام وتعمل هناك بعض العوائل الأحوازية في اجهزة الإستخبارات الإحتلال الفارسي جيلا بعد جيل وذلك يعني تتوارث العائلة العمالة للاحتلال الفارسي بلا انقطاع. تعرفت على أحدى هذه العوائل من خلال احد افرادها. كان هذا الفرد يصنف نفسه باعتباره الجيل الثالث ممن عملوا مع المخابرات الفارسية بعد ابيه وجده. هذه النوعية من أخطر الأنواع على الناشط الأحوازي ولربما يدخل هذا الفرد في الساحة من باب اهتمامه بأمن النشطاء وخبرته في مجال كشفهم. الجدير بالذكر، تجربتي علمتني سوف نكون نحن الاحوازيين الطرف الخاسر اذا لم يتم انشاء جهاز استخبارات أحوازية تحت اشراف مختصين في هذا المجال يعملون ضمن اطار التنظيمات الاحوازية وحسب معرفتي في القضية الأحوازية لا يوجد قسم أمني محترف يعمل في الساحة الاحوازية.

اذن اذا ارتبط أي شخص أحوازي بشكل منفرد بأي عميل في أجهزة الاستخبارات يعرضه وممن يتواصل معه للخطر حتى إذا اعترف العميل لهم انه يعمل في المخابرات الفارسية. اذن لا تجازفون بخوض هذه التجربة مهما كانت قوتكم ومهما كان ذكاءكم فأنتم لا تقارعون أجهزة استخباراتية عملاقة.

أما تجربتي الثانية تسمى البطش في العداء الإجتماعي؛ في حياة الإنسان لربما تختلف او تعادي بعض الأشخاص على الأمور الإجتماعية والإقتصادية وغيرها وهذه من طبيعة البشر والمجتمعات ولكن هناك بعض من الناس معقدين بشكل جنوني، حيث يبطش بالعداء الى ابعد الحدود ويكتب بسهولة التقارير ويرسلها إلى أجهزة إستخبارات الإحتلال، دون الاهتمام بما يسبب لأخيه الأحوازي ورفاقه والقضية والشعب الأحوازي من ضرر على مستوى الوطني. مع الأسف ثبت لي يتواجد في الساحة الأحوازية في الخارج من هذا القبيل حيث يكتبون التقارير على من يختلفون معهم ويرسلونها إلى الدول العربية والأجنبية. هؤلاء يرتكبون الخيانة العظمى بحق الوطن والشعب والشهداء والأسرى من خلال هذه الاعمال الدنيئة وعبر اختلافهم او عداواتهم الشخصية مع الأفراد دون أن يكونوا مخبرين ولكنهم خطرين للغاية.

إذا ثبت لك ان شخصاً من اقاربك او اصدقائك او رفاقك عمل على كتابة تقرير على غيرك لا تشك ذرة انه سوف يكرره معك في أول اختلاف يحدث بينكم. انه ليس عميلاً بل انه مريض نفسي.

وأما تجربتي الثالثة، تجد في الساحة من يهتم في القضية الأحوازية ويكثر صياحه وعنترياته الكلامية في الساحة وربما يعتقل عدة مرات ولكن تراه يفرج عنه بسهولة ومن ثم يحاول الارتباط بأكبر عدد من النشطاء، فذلك سهواً او عمداً يصبح طعماً للاستخبارات لكشف النشطاء. اذن إذا اكتشف مثل هؤلاء أمرك، عليك ان تعرف أن الاستخبارات ايضا عرفت امرك. وعادة ما يحاول بعض من هولاء (الاوراق المحروقة) الإرتباط بالنشطاء في الداخل والخارج ويقترحون توفير بعض الأمور للعمل العسكري او التحريض عليه وذلك سبب في اعتقال واعدام بعض النشطاء.

واخيرا، إذا كان نشاطك خارج نطاق العمل الثقافي – المدني العلني أو خارج إطار قانون الإحتلال عليك بتجنب هؤلاء وحاول ان تخدعهم أنك تكره هكذا الأعمال ومنهمك في حياتك الشخصية حرصا على حياتك وخدمة لقضيتك وشعبك.

الاسير المحرر المهندس غازي مزهر

إن الآراء الواردة في هذا الدراسة تعكس رأي الكاتب والباحث ولا تمثل بالضرورة سياسة التحريرية لمركز دراسات دور أنتاش.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق