مقالات

المأساة المستمرة

سلسلة مذكرات الاسير السابق غازي مزهر، رقم ٢

مقتطفات من مذكراتي في السجن

تم نقلي بتاريخ ١٢ أغسطس ٢٠٠٩ من المعتقل السرّي التابع لوزارة الإستخبارات الإيرانية إلى سجن كارون المركزي في إقليم الأحواز. خروجي من سجون المخابرات كان بمثابة إطلاق سراحي، فرحت كثيراً نظراً لما تعرّضت إليه طيلة ٩٨ يوماً من تعذيب نفسي وجسدي وعقلي في دهاليز المخابرات. قاومت رغم العذاب وبذلت جهدا مضاعفا في مواجهة عملاء المخابرات كي لا أعترف على أحد من زملائي ورفاقي في الداخل، وحافظت على أهمّ المعلومات، رغم تضحيتي ببعض الأمور الأخرى التي لا تضرّ أحدا، خاصة وانني شاهدت فيما بعد بأم عيني مدى الضغط النفسي المضاعف الذي تعرض له العديد من النشطاء في السجون ممن اعترفوا على زملاءههم ورفاقهم. وتعتبر هذه هي أول تجربتي من السجن وكنت أتصور السجن كما كنت قد رأيته في الأفلام، رغم إنني كنت قد عملت فترة خمس سنوات في شركة أنابيب النفط التي تقع في جوار سجن كارون من الجهتين الغربية والجنوبية.

” القرنطينة ” هي المكان الأوّل الذي دخلته في السجن حيث رأيت فيها عمّي وكان متهما بتجارة المخدّرات. فرح عمي كثيراً عندما التقينا وأطلعني على بعض الأحداث التي حصلت بعد إعتقالي. كما سألته عن والديّ، حيث كنت في قلق شديد عليهم ذلك انني  اعرف عن مدى حبّهم لي. كما خشيت بأن يكون قد تمّ إعتقال اخرين من أصدقائي بعد ما تم إلقاء القبض علي. توصلت الى الكثير من الاخبار عبر الحديث مع عمّي، كما سألته عن بعض العوائل والبيوت بغية الوصول الى بعض المعلومات حول أولادهم ممن كان على صلة معي دون ان يشعر بعلاقتي بهم. وحينها قال لي سيخبر أهلي بأن تم نقلي الى السجن العام، لأنه كان على موعد بمغادرة السجن مساء ذلك اليوم.

بعد فترة وجيزة في القرنطينة، تمّ نقلي إلى قسم رقم ٦، غرفة رقم ٣ وكانت الغرفة بطول ١٢ متر وعرض ٦ أمتار وفيها ٣٩ سريرا على شكل ثلاثة طوابق، كان يسكنها حوالي ٧٠ سجين سياسي غالبيتهم أحوازيين ومعهم من منظمة بيجاك الكردية يوسف فتوحي و أصلان دودكانلو و موسى محمديان المكنى ب عمو موسى  وذلك بسبب كبر سنه و كان لديه تسعة اطفال وكذلك من منظمة جند الله البلوشية اسماعيل وفائي و بعد فترة جاء سيد ابراهيم  ريكي  و سخي ريكي  ومن  منظمة مجاهدي خلق غلام كلبي والحركة الخضراء (جنبش سبز) جواد عليخاني ثم  سيد ضياء نبوي، و كان ينام حولي نصفهم على الأرض بسبب قلة الأسرّة.

أوّل ما لفت إنتباهي بين السجناء السياسيين الأحوازيين هي مجموعة من الفتية وهم عبد الإمام محمود الزايري (عبد الإله)، عبد الزهراء خزعل الهليجي (زهير)، يحيى منصور الناصري، ناظم صكبان البريهي وحمزة لفته السواري، وكانت لي معهم حكاية قبل اعتقالي، والتي سأبيّنها ضمن هذه الأسطر القليلة.

في سنة ٢٠٠٥ وبعد الانتفاضة النيسانيّة والانفجارات التي تلتها، أعتقل المئات من النشطاء في عموم الأحواز، ولفق جهاز استخبارات الاحتلال لبعض من المعتقلين تهمة انشاء “مجموعة” تحت اسم أحد الشهداء القدامى باسم جاسم علوان الناصري ” عون”، دون وجود أيّ دليل يثبت وجود هذه التشكيلة أي “مجموعة الشهيد عون”، كما لا يوجد دليلا واحدا على أنهم قد نفّدوا عمليّة، وقد تكرّر هذا الموقف مع آخرين عدّة مرّات خلال وجودي في السجن.

كان من ضمن المجموعة المعلم الشهيد محمد علي لفته سواري والذي نفذت السلطات الإيرانية حكم الإعدام بحقه سنة ٢٠٠٧ وكذلك علي عبدالنبي الحلفي الذي حكم عليه بالسجن ٣٠ سنة في المنفى في مدينة أراك وسط إيران. أتذكر في تلك الفترة، كنت قد أسّست “وكالة أنباء ميسان” بمعية عدد من الشباب وكنا نتابع وننشر أخبار المظاهرات والاعتقالات والشهداء وعن وضع عوائلهم.

في أحد الأيام جاءني صديق وهو الشاعر جمعة الياسين الشرهان (ابو خلدون) وكان يتابع ملف شقيق زوجته، الأسير ناظم البريهي، وأخبرني بأنه حصل على رسالة موجهة إلى رئيس القضاة آنذاك المدعو شاهرودي، وقد وقّع عليها ٧ من المحامين المخضرمين والمعروفين، ٤ منهم حاصلين على دكتوراه في القانون ويعملون أساتذة في عدة جامعات.

أكّدوا هولاء المحاماة في تلك الرسالة بأنّه خلال محاكمة هذه المجموعة الشكليّة، لم تراعي المحكمة الثورة أبسط المعايير القانونية حسب “آیین دادرسی مدنى” و”قانون مجازات إسلامي”، كما لم يرى المتهمون موكليهم إلّا لحظة المحاكمة فحسب. كما تشير الوثيقة ان المحاماة منعوا من قراءة الملفات ولم يقرأ من الملف سوى٧٠ صفحة من أصل ٨٠٠ صفحة.

حينها أخبرني أبو خلدون عن صدور حكم الإعدام بحق ستة من أعضاء هذه المجموعة كما أطلقت عليها محكمة الثورة وصنفها رجال المخابرات. كما حكم على الأسير “علي الحلفي” السجن مدى الحياة وأضاف بأنه سيذهب إلى طهران مع أهالي المعتقلين لتسليم الرسالة إلى رئيس القضاء ومحاولة لقاءه ومناشدة بعض المسئولين الاخرين في طهران، علّهم يتمكنون من وقف تنفيذ الإعدام.

أجبته بان في المحاكم الإيرانية يفتح سنويا أكثر من عشرة ملايين ملف، وإذا افترضنا بأنّ ورقة واحدة من مليون ملف تصل إلى مكتب رئيس القضاء، فكم سيحتاج من الوقت لكي يقرأها ويتابعها، خاصة أنّ حكم الملفات السياسية ليس بيد القضاء بل بيد وزارة الاستخبارات. قال وما هو الحل؟ فقلت الأفضل إرسالها إلى النشطاء الأحوازيين في الخارج كي يسلموها إلى منظمة العفو الدولية ومنظمات حقوق الإنسان التابعة لأمم المتحدة. فوافق على ذلك، ثم قمت بتصوير الرسالة و أرسلتها إلى الأحوازيين في الخارج، بينما ذهب أبو خلدون مع أسر المعتقلين إلى طهران، وبعد حوالي أسبوع رجع وأخبرني بعدم حصولهم على شيء عدى بعض الوعود الفارغة، ولكن بعد أيام جاءني بخبر إعتقال المحامين السبعة ومن ثم نقلهم إلى محكمة الثورة والإفراج عنهم بعد إيداع وثيقة مالية تعادل مليار ريال إيراني لكل واحد منهم بسبب كتابة وتسريب رسالة كشفت مسرحيّة المحاكم الإيرانية وزيفها وبطلانها وإنعدام العدالة فيها. وبعد ذلك ضغطت المنظمات الدولية على محكمة الثورة الإيرانية بغية إيقاف تنفيذ حكم الاعدام بحق هؤلاء الفتية. طبعاً المحامون لم يعلموا كيف تسربت الرسالة ولكن يجب الاعتراف بشجاعة بعض المحامين الاحوازيين في الدفاع عن قضايا السجناء السياسيين الاحوازيين رغم الضغوط التي تمارس ضدهم من قبل أجهزة استخبارات الاحتلال. ولا اشك لي اذا كانت تناسب الظروف، لدينا محامين قادرين على ان يسيروا على منهج المحامين الكبار الأكثر شهرة من امثال غاندي في الهند و مانديلا في جنوب افريقيا الذين غيروا تاريخ بلادهم.

نسخة من الرسالة التي كتبها المحاماة: تشير الوثيقة ان المحاماة منعوا من قراءة الملفات. 

هذه حكايتي مع عدد من أسرانا، حكايتي مع هولاء المناضلين قبل أن ألتقي بهم أو أتعرف على أحد منهم قبل دخولي السجن، ما عدى الشهيد محمد علي لفتة السواري الذي التقيت به في بعض المناسبات والمهرجانات الثقافية بين عامي ١٩٩٧ و ٢٠٠٠ وكان معروفاً بنشاطه الثقافي والتوعوي في منطقة كوت عبد الله في مدينة الأحواز العاصمة. في تلك المحاكمة الجائرة وبعد متابعة الأمور عن كثب تم تخفيف الحكم في ملف جميع النشطاء المتهمين بعضوية المجموعة بدرجة واحدة ما عدى الشهيد محمد علي سواري الذي نفذت قوات الايرانية حكم الاعدام بحقه في تاريخ ١١ سبتامبر ٢٠٠٧ دون ان يرتكب ذنبا سوى الدفاع عن شعبه ووطنه، وقد ترك خلفه زوجته وأطفاله الخمسة يعانون مرارة الحياة.

كان ينقل لنا حمزة عن تجربته في السجن ويوم إعتقاله، حيث كان يدرس في السنة الأخيرة من الإعدادية حينها وكيف كان يستعد لإختبار الكنكور (اختبار دخول الجامعات)، وحتى خلال فترة وجوده في معتقل الإستخبارات كان يقول: ” كنت أخطط في زنزانتي كيف أقرأ الفيزياء والكيمياء واجهز نفسي لدخول الجامعة بعد الاعتقال، عندها دخل عليه أحد مسئولي الاستخبارات وأبلغني بصدور حكم الإعدام شنقاً بحقي وكذلك بحق إخوتي محمد علي وجعفر وأيضا زملائي بالمدرسة وأصدقائي و عدد من الشباب من ابناء حارتنا، أمّا أنا، الزمني وقتا طويلا لاستيعاب ما قاله لي هذا المجرم.”

نقل لي أحدهم عن الشهيد محمد علي لفتة السواري لانني لم التقي به في السجن، وقد نفذ حكم الإعدام الجائر بحقه سنتين قبل إعتقالي، انه كيف كان الجلادّون يعذبونه بطريقة وحشيّة لكي يعترف ويوقّع على ما لم يفعله ولا يعلم به، وكيف كان يقاوم الجلادين ساعات وأيام وأسابيع، إلى أن أخذوه عند شقيقه الأصغر حمزة الذي كان في سنّ ابنه وكان ملطخاً بالدماء ويصرخ من شدّة التعذيب، وقالوا له إذا لم تعترف وتوقّع على ما نمليه عليك، فسوف نقتل أخيك تحت التعذيب. هكذا قبل الشهيد محمّد علي لفتة السواري التوقيع على ما يمليه عليه الطغاة مقابل الكفّ عن تعذيب أشقاءه الصغار جعفر وحمزة أمام أعينه.

ما كتبته ليست حدثا تاريخيا قد مضى حيث لايزال ٦ من هؤلاء الشباب قابعون في سجون الاحتلال الفارسي منذ ١٤ عام دون محاكمة عادلة يعانون كما يعاني ذويهم شتى انواع التعذيب والحرمان والصدمة. لم أكن أنوي كتابة كلّ ما رأيته من ذكريات حزينة ومؤلمة في هذا اليوم، لذلك أكتفي بهذه الأسطر التي دونتها بأحزاني وشجوني التي لاتزال ترافقني، فحملتها معي في مختلف المحطّات خارج المعتقل.

الأسير السابق المهندس غازي مزهر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى