الدراسات

المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان والانتهاكات الإيرانية بحق الشعب الأحوازي

-رفع الشكوى وإجراءات التقاضي- ( دراسة مقارنة)

مقدمة

تأسست المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان European Court of Human Right، بموجب الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، كمحكمة فوق وطنية، تتركز مهامها بدراسة الشكاوي المقدمة إليها، من قبل إحدى الدول الأعضاء التي تخرق حقوق الإنسان المنصوص عليها في الاتفاقية وبروتوكولاتها، ومن أهم ميزات المحكمة أنه يحق للأفراد أو الدول أو أعضاء أخرين، بالتقدم للمحكمة والحصول على حق بالإفتاء فيها. وقد تم تبني الاتفاقية برعاية مجلس أوروبا بجميع أعضائه السبعة والأربعون الذين يشكلون أطراف في هذه الاتفاقية، كما أن المحكمة الأوروبية، ليست جزءاً من الاتحاد الأوروبي(1).

تم تأسيس المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان في الثالث والعشرين من شهر فبراير/شباط عام 1959، كمؤسسة فريدة من نوعها في العالم من حيث اختصاصها، حيث أصبحت الملجأ الأخير للكثير من الأشخاص، في حال عجزوا عن الحصول على حقوقهم داخل بلدانهم، حيث يمكنهم تقديم شكوى ضد دولهم أمام تلك المحكمة.

جاءت فكرة إنشاء المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان مع نهاية الحرب العالمية الثانية، منطلقة من مبدأها الشهير  ” لا هتلر بعد اليوم”. وسار مجلس أوروبا، باعتباره أول منظمة أوروبية في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، خطوة مهمة في طريق رفع شعار العدالة من خلال تأسيسه للمحكمة. فمنذ نشأته سعى المجلس، الذي يضم 47 دولة، إلى إيجاد اتفاقية لضمان حقوق الإنسان بشكل أفضل من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي تبنته الأمم المتحدة عام 1948. لاسيما وأنّ هذا الإعلان مازال يعاني من الصفة الأدبية والطبيعة غير الملزمة في تنفيذ المواد التي تضمنها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان. لذلك بدأ مجلس أوروبا بالعمل بالاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، مخصصاً لجنة خاصة لمراقبة تنفيذ تلك الاتفاقية.

 وفي عام 1959 أتت الخطوة الثانية من خلال إنشاء محكمة أوروبية لحقوق الإنسان، لضمان عدم انتهاك هذه الحقوق على المستويات المحلية. ففتحت المحكمة أبوابها لكل مواطن يشعر بانتهاك لحقوقه داخل بلده، وأن يتقدم بالشكوى إلى المحكمة، حيث يقوم 600 موظف من جميع الدول الأوروبية تقريباً بدراسة القضايا المقدمة، وذلك بالسعي والتحري لكشف الحقائق وتحقيق العدالة. وتتعدد هذه القضايا في تفاصيلها انطلاقاً من جرائم الحروب، وانتهاءً بالتعذيب مروراً بالقيود الموضوعة على حرية التعبير.

أولاً- الطبيعة القانونية للأحكام الصادرة عن المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان:

ولدت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان من فكرة مؤداها أن الحكومات الموقعة هي وحدة فكرية ذات تراث مشترك من المثل والحرية والتقاليد. لذلك عقدت العزيمة على اتخاذ الخطوات الأولى نحو التنفيذ الجماعي لبعض الحقوق الواردة في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة(2).

تحظى المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان باهتمام متزايد على المستوى الأوروبي، فبالرغم من أن المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان تفتقد إلى السلطة التنفيذية، إلا أن قراراتها تتمتع بثقل وبقدر كبير من الاحترام من معظم الدول الأعضاء، خصوصاً فيما يتعلق بقدرتها الإلزامية على فرض تعويضات للمتضررين من انتهاكات حقوق الإنسان. فعلى سبيل المثال تدفع هذه الدول على الفور أغلب ما يتم فرضه من غرامات، وما يؤكد نجاح هذه المحكمة هو عدد الشكاوى التي تصلها، والتي تتزايد بشكل مستمر على مر السنوات.

  • ميزة تقديم الشكوى الفردية أو الجماعية من قبل المتضررين أنفسهم:

منذ عام 1998، أصبح بإمكان أي فرد أو مجموعة من الأفراد أو منظمة غير حكومية، كان ضحية لانتهاك حقوقه بموجب الاتفاقية الأوروبية من جانب دولة طرف فيها، واستنفد سبل المقاضاة المتاحة في تلك الدولة، مع مراعاة شروط معينة ، التوجه مباشرة إلى المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان.

أصدرت المحكمة أكثر من 12 ألف حكماً على مدى نصف القرن الماضي، وفي أكثر من 80 في المائة من أحكامها، قضت المحكمة بأن الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان قد اُنتهكت، وجاء أكثر من نصف هذه الأحكام بحق اربعة دول هي: إيطاليا وتركيا وفرنسا وروسيا(3)، كأحكام ملزمة للدول المعنية، بحيث أدى تنفيذ الأحكام الصادرة عن المحكمة إلى تغييرات في القانون والممارسة في العديد من المجالات، ليس فقط في الدولة التي صدر الحكم بحقها، وإنما في دول أخرى في أوروبا، كما أثرت أحكامها بالقوانين والممارسة في مناطق أخرى من العالم.

يساوي عدد القضاة في المحكمة عدد الدول الأطراف في الاتفاقية، وهم قضاة يتم انتخابهم من قبل الجمعية البرلمانية لمجلس أوروبا لمدة ست سنوات؛ ويجوز إعادة انتخابهم، بحيث يكون القضاة في المحكمة بصفتهم الشخصية، وليس كممثلين لأية دولة.

  • التحديات التي تواجه المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان:

تواجه المحكمة تحديات صعبة في ضوء ما تسمح به مواردها الحالية، ونتيجة للعدد الهائل من الطلبات الفردية التي تلقتها. فعلى سبيل المثال بلغ عدد الشكاوي في العام 2008 إلى ما يقرب من الـ 50 ألف طلب.

 أصدرت المحكمة 837 حكماً منذ نشأتها وحتى عام 1998، ونطقت بحكمها رقم 10 آلاف في سبتمبر/أيلول من عام 2008، ووصل عدد الشكاوى المقدمة لتلك المحكمة حتى الآن إلى نحو 100 ألف شكوى. وهو ما يشير إلى ثقة المواطنين بها. كذلك تتضح أهمية تلك المحكمة، في القيمة التي تعطيها المفوضية الأوروبية لتقييم تلك المحكمة. فرأي محكمة حقوق الإنسان يشكل الخطوة الأولى، التي تتخذ لقبول انضمام دولة ما للاتحاد الأوروبي قبل بدء المفاوضات معها.

ولا يقتصر دور المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان على إحقاق الحق، وإنما تتعداه إلى الدفاع عن حرمة انتهاك الحقوق المتأصلة للنفس البشرية. فعلى سبيل المثال من ضمن القضايا التي حكمت بها المحكمة، قضية رفعها ماجنوس جيفجن، المُدان بقتل طفل في الحادية عشر من عمره في 30 سبتمبر/أيلول عام 2002، ضد جمهورية ألمانيا الاتحادية، متهماً مسئوليها بانتهاك قانون منع التعذيب. وبالتالي فإن أحد أهداف إنشاء هذه المحكمة هو التأكد من أن المسؤولين على المستوى المحلي يراعون قواعد حقوق الإنسان. فحتى المجرم من حقه أن يحاكم بطريقة عادلة.

 كانت المحكمة لا تقبل الطلبات المقدمة إلا من قبل الدول الموقعة على الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، أو تلك المحالة من اللجنة الأوروبية، ثم تطور أداء عمل المحكمة الأوروبية عندما سمحت للأفراد أنفسهم في التقدم إلى المحكمة، عندما تقضي المحكمة أن الشكوى المقدمة هي من اختصاصها القضائي، بعد موافقة الدولة التي ينتمي إليها الفرد الذي يحمل جنسيتها.

ثانياً- الانتهاكات بحق الأحوازيين والمحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان:

تساعد التطورات الحديثة لآليات عمل المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، إلى إمكانية تقديم المؤسسات والأشخاص الأحوازية في تقديم شكاواهم بدءً من المحاكم الوطنية في الدول التي يحملون جنسيتها، بحيث تشكل هذه الالتزامات مقدمة لأخذ الرأي الاستشاري، الذي يشكل مقدمة لرفع الدعوى أمام المحكمة الأوروبية.

  • الأحوازيون وطريق الشكاوي الجماعية: مرحلة إعطاء المحاكم الوطنية إمكانية اللجوء إلى هذه المحكمة الأوروبية لطلب آراء استشارية.

يمكن للأشخاص والمؤسسات الأحوازية الاستفادة من التطورات الحديثة لآليات عمل المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان بوصفهم مواطني أحد الدول الأعضاء في الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان؛ التي ولدت منها المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان. مستفيدين في ذلك من النجاحات التي توصل إليها  خبراء منظمة مجلس أوروبا وهيئاتها، ودولها الأعضاء في تطوير الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان وآليتها، والمتمثلة بالدرجة الأولى بتوسيع اختصاصات المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان وتعزيز اجتهاداتها، التي تمخضت عن اعتماد عدة بروتوكولات أضيفت إلى هذه الاتفاقية الأوروبية. خصوصاً ما نص عليه البروتوكول رقم 16، والذي تم اعتماده في 2 تشرين الأول/أكتوبر 2013، ودخل حيز النفاذ في 16 نيسان/أبريل 2018، بعد أن تم استكمال شرط مصادقة عشر دول أعضاء في منظمة مجلس أوروبا، وأطراف في الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان(4)، و الذي بدأ تطبيقه في الأول من شهر آب/أغسطس 2018.

وعلى هذا الأساس، تشكلت “لجنة الحكماء” التابعة للجنة وزراء القمة الثالثة لرؤساء دول وحكومات منظمة مجلس أوروبا، التي انعقدت في العاصمة البولندية وارسو يومي 16 و17/5/2005، التي أوكلت مهمة توسيع صلاحية المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان فيما يتعلق بإبداء الآراء الاستشارية. وكان من بين المقترحات التي تقدمت بها “لجنة الحكماء”، مقترح بإعطاء المحاكم الوطنية في الدول الأطراف في الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، إمكانية اللجوء إلى هذه المحكمة الأوروبية لطلب آراء استشارية، فيما يتعلق بتفسير مواد هذه الاتفاقية الأوروبية وبروتوكولاتها المضافة، ولكن من دون أن يكون لهذه الآراء الاستشارية قوة إلزامية. ولكنه يشكل مقدمة لرفع الدعوى من الدولة التي أصدرت الرأي الاستشاري لرفع الدعوى أمام المحكمة. وقد قامت اللجنة التوجيهية في مجلس أوروبا بدراسة هذا المقترح الذي تضمنه تقرير “لجنة الحكماء”، الأمر الذي يعطي جميع المواطنين الأوروبيين الأحوازيين في تقديم شكاواهم أمام المحاكم الوطنية في الدول الأوروبية التي يحملون جنسيتها، تمهيداً لرفع الدعوى أمام المحكمة الأوروبية، والحصول على حكم لدعوى جماعية، تماماً كما حصل في 24 أكتوبر 2018، عندما أعلنت منظمة “المبادرة القانونية حول روسيا”، أن المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، ألزمت السلطات الروسية بدفع أكثر من مليون ونصف مليون يورو، كتعويضات لعائلات المفقودين في الفترة 2002-2005 في جمهورية الشيشان.  وجاء في بيان للمنظمة نشر على موقعها الرسمي، وفق ما نشرته وكالة أنباء سبوتنيك الروسية، أن المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، قامت بتوحيد 20 شكوى من الشيشان على شكل دعوى جماعية، ومن بين الـ20 شكوى يوجد 13 قراراً إيجابياً بقضايا مشروع “المبادرة القانونية”، يقضى بدفع تعويضات للمتقدمين بالشكاوى بمبلغ قدره مليون و250 يورو، وبدفع 534 ألف و500 يورو أخرى للمتقدمين الذين يمثلون منظمة “أمهات الشيشان”. التي أشارت إلى الشباب الذين اختفوا بعد احتجازهم في وطنهم، أثناء عمليات تطهير قام بها عسكريون في البلدات الشيشانية، أو عند نقاط التفتيش خلال الفترة ما بين يوليو 2002 إلى أبريل 2005 في الشيشان. وأنّ أقارب المفقودين ناشدوا السلطات الشيشانية مراراً مطالبين بإجراء تحقيق حول اختفاء أقاربهم دون جدوى.  وعلى أساس ذلك، توصلت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان إلى أن التحقيق في حالات الاختفاء خلال الحملة الشيشانية الثانية كان غير فعال، وأنه لم يكن هناك أي تقدم ملموس في أي تحقيق جنائي من قبل السلطات الرويبة حول عمليات اختطاف أقارب المتقدمين بالشكوى، وأنّ وسائل الدفاع التي اعتمدت عليها الحكومة الروسية لم تكن فاعلة. وعليه جاء قرار المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، ” أنّ روسيا انتهكت الحظر المفروض على التعذيب، والمعاملة اللا إنسانية، فضلا عن حق الحياة والحرية والحماية القضائية”(5).

وخلال المؤتمر حول مستقبل المحكمة الأوروبية، الذي انعقد في المدينة التركية “أزمير” يومي 26 و27/4/2011، توصل المؤتمرون إلى ” إمكانية لجنة وزراء مجلس أوروبا بدراسة إدخال إجراء يسمح للمحاكم العليا في الدول الأطراف في الاتفاقية الأوروبية، بطلب مثل هذه الآراء من المحكمة الأوروبية، مما يساعد هذه الدول على تجنب انتهاك مواد هذه الاتفاقية وبروتوكولاتها المضافة. وطلبت أيضاً لجنة الوزراء من اللجنة التوجيهية تقديم مقترحات في هذا الخصوص، وتمت مناقشة هذا الموضوع بشكل مطول خلال التحضير للمؤتمر عالي المستوى حول مستقبل المحكمة الأوروبية، والذي انعقد في المدينة البريطانية ” برايتون” يومي 19 و20/4/2012. وطالب المؤتمر في وثيقته النهائية لجنة الوزراء بتحضير بروتوكول اختياري يضاف إلى الاتفاقية الأوروبية يتعلق بإمكانية المحاكم الوطنية في الدول الأطراف في الاتفاقية الأوروبية بطلب آراء استشارية من قبل المحكمة الأوروبية. كما أقر المؤتمر إمكانية اعتماد لجنة الوزراء هذا البروتوكول. وقامت لجنة وزراء مجلس أوروبا بتاريخ 23/5/2012، بتكليف اللجنة التوجيهية بتحضير نص هذا البروتوكول، واعتمدت هذه اللجنة، و بعد نقاشات ومشاورات، وبتاريخ 22/3/2013، تم إقرار البروتوكول، ووضعته تحت تصرف لجنة الوزراء.

كما اعتمدت الجمعية البرلمانية لمجلس أوروبا، وبناء على اقتراح من قبل لجنة الوزراء، رأي هذه اللجنة التوجيهية باعتماد مشروع هذا البروتوكول، بحسب نص رأيها رقم 285، تاريخ 28/6/2013. وقام وزراء الدول الأطراف باعتماده هذا المشروع.

 وبالتالي فإن حصر طلب الآراء الاستشارية من قبل السلطات الوطنية العليا، ينسجم مع قاعدة استنفاذ طرق الطعن الداخلية، التي نصت عليها الفقرة الأولى من المادة 35 من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، كما أنه يحّد من تدفق طلبات المحاكم الوطنية المختلفة الدرجات إلى المحكمة الأوروبية، للمطالبة بآراء استشارية، طالما أن هذه الطلبات ستبقى محصورة في السلطات الوطنية العليا، مما يساعد في تحديد هذه السلطات، ويخفف كذلك من تقديم طلبات من قبل سلطات قضائية تمارس اختصاصاتها في أقاليم دول أطراف في الاتفاقية الأوروبية(6). وبالعودة إلى الحالة الأحوازية يشكل هذا التطور تنصيباً للدولة التي يحمل جنسيتها الشخص الأحوازي، لأن تكون طرفاً في مواجهة الانتهاكات الإيرانية.

  • الأحوازيون وطريق تقديم االشكاوي الفردية أمام المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان:

 من الناحية الإجرائية تمر الطلبات الفردية بست مراحل:

المرحلة الأولى–  مرحلة تقديم الشكوى للجنة الأوروبية لحقوق الإنسان: كحالة من حالات انتهاك حقوق الإنسان، حيث تعمل اللجنة الأوروبية لحقوق الإنسان بداية الأمر بإيجاد حل ودي؛ فإذا لم يتحقق ذلك، – وغالباً لا يحدث- لأن غالبية القضايا المقدمة تتعلق بشكاوي لانتهاكات مرتبطة بعقائد، أو حرية شعب، أو احتلال.

المرحلة الثانية-  الإحالة إلى المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان: وذلك عندما لا تنجح اللجنة الأوروبية لحقوق الإنسان في إيجاد حل ودي، فتقوم في إحالته إلى المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، لإصدار حكم نهائي بالنزاع.

المرحلة الثالثة-  مرحلة قبول الطلب، بعد تكييفه: بحيث تشكل الشكوى أحد الانتهاكات الحاصلة لحقوق الإنسان.

المرحلة الرابعة-  وتتضمن تسجيل الطلب لدى قسم التسجيل في المحكمة: الذي مهمته إعداد الطلبات وتهيئتها، وهذا يشمل إعداد الوثائق، واستكمال النواحي الإجرائية، والمساعدة القانونية والمعلوماتية والعلاقات العامة والتوثيق.

المرحلة الخامسة – إجراءات التقاضي: تدرس المحكمة إجراءات الأفراد على مرحلتين، ففي المرحلة الأولى تدرس الشكوى وتبت في قبولها، وفي المرحلة الثانية يتم النظر فيها وإصدار حكم على أساس النزاع، وتجري جلسات المحاكمة بصورة علنية، إلا إذا أراد المدعي خلاف ذلك. ويجري الاستماع إلى الشهود ومناقشتهم، وطلب الخبراء، وتقديم المرافعات والأدلة، وتعد اللغتين الفرنسية والانكليزية هما اللغتين الرسميتين للمحكمة(7).

المرحلة الخامسة- إجراءات فحص الطلبات الفردية: حيث يحال الطلب الفردي إلى لجنة القضاة الثلاثية، ولها سلطة التقرير في قبوله من عدمه. فإذا لم تتخذ اللجنة الثلاثية أي قرار، تقوم غرفة المداولة المؤلفة من سبعة قضاة بالفصل في الطلب الفردي بأغلبية الأصوات.

– المرحلة السادسة- الفصل في أساس النزاع: وتختص في ذلك الدائرة الكبرى في المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان(8)، وعلى مقدم الطرف الفردي أن يقدم الوثائق والأدلة التي تفيد بخطر حقيقي وجدي أدى إلى انتهاك حقوقه استناداً للمواثيق الدولية لحماية حقوق الإنسان، وقد لاقت عبارة ” خطر جدي ” الكثير من الانتقادات، كونها تفتح باب التفسير للقاضي في تكييف مدى جدية الشكوى، كما فتحت الباب لوجود انتهاكات جسيمة وغير جسيمة بما يتعارض مع الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان. إلا أنه عادت المحكمة إلى تعديل هذه الصيغة، بحيث أصبحت تنظر في أي انتهاك حتى تستطيع المحكمة تحديد مفهوم ” الخطر الجدي”. فعلى سبيل المثال رفضت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان شكوى بشأن قضية تعود لاعتقال الزعيم الكردي عبد الله أوجلان(9)، المحكوم عليه بالسجن المؤبد في تركيا، وجاء رفض المحكمة للشكوى بسبب”عدم وجود خطر جدي” في القضية التي  قدمها اثنان من محامي زعيم المعارضة الكردية عبد الله أوجلان بدعوى تعرضه لسوء معاملة داخل سجنه في إيمرالي في العام 2008. وفي 21 أكتوبر 2008، رفع اثنان من محامي أوجلان و236 معتقلا شكوى مفادها، أن زعيم حزب العمال الكردستاني تعرض للتعذيب والتهديد من جانب الحراس في سجن جزيرة إيمرالي في السابع من أكتوبر 2008 خلال تفتيش زنزانته، ورفض القضاء التركي الشكوى، وفتح تحقيقا سلوكياً بحق مسؤول وحارسين في السجن لم يؤدّ إلى نتيجة. واعتبر القضاة السبعة في المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان بدورهم أنه لا يمكنهم قبول الشكوى، علما بأن مقدميها استندوا إلى المادة الثالثة من الشرعة الأوروبية لحقوق الإنسان المتصلة بحظر التعذيب والمعاملة غير الإنسانية. إلا أن الأسباب المقدمة في الشكوى لا تشير إلى إي خطر جدي، يقتضي قبول الشكوى. ولاحظ القضاة أنه في اليوم الذي حصلت فيه الوقائع المتصلة بالشكوى والأيام التي أعقبته، قام العديد من الأطباء بمعاينة عبد الله أوجلان ولم يلاحظوا إصابته بأي ضرر جسدي أو نفسي. كما أن الشخص المذكور لم يبلغ الأطباء بأي شيء ولم يقدم شكوى شخصية(10). بالمقابل أجبرت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان روسيا في قضية اقتحام السلطات الروسية مدرسة بيسلان في 2004. ففي سبتمبر 2017 أعلنت وزارة العدل الروسية إن روسيا ستلتزم بقرار المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، الذي يقضي بدفع نحو ثلاثة ملايين يورو (3.6 مليون دولار) كتعويضات عن الضرر الناتج عن استخدام القوة المفرطة في اقتحامها لمدرسة كان متطرفون إسلاميون قد استولوا عليها في 2004، مما أدى إلى مقتل عدد كبير من الرهائن الذين كانوا محتجزين في داخلها، بسبب احتجاز متطرفون إسلاميون لأكثر من ألف شخص كرهائن، حيث قالت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان في بيان لها، إن قضية التعويضات أقامها 409 مواطنين روس، كانوا إما من الرهائن، أو المصابين في الحادث، أو من عائلات الرهائن، الذين قضوا في الحادث، أو من الذين أصيبوا جراء الحادث. وقد جاء في حيثيات الحكم الذي أصدرته المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان” إن الطريقة المتهورة التي اقتحمت فيها القوات الروسية المدرسة ساهمت في وقوع خسائر في صفوف الرهائن، وأن السلطات الروسية، لم تتخذ الإجراءات الوقائية المناسبة، رغم علمها بأن المسلحين كانوا يخططون لمهاجمة مؤسسة تعليمية(11)”.

والحال ذاته، في قضية المعارض الروسي غاري كاسباروف، حيث اعتبرت المحكمة الأوروبية أن توقيف السلطات الروسية للمعارض غاري كسباروف عام 2007، بسبب تظاهره ضد السلطات الروسية في موسكو، يشكل انتهاك لحرية التجمع. واعتبر قضاة المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، أن توقيف بطل العالم السابق في الشطرنج الذي بات معارضاً شهيراً للكرملين، وثمانية معارضين آخرين، لم يكن إجراءً مناسباً لحفظ النظام العام. وأكدت المحكمة الأوروبية أن روسيا انتهكت الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، التي تطالب بضمان محاكمة عادلة والحق في التجمع وتكوين الجمعيات. وعلى أساس ذلك، حكم قضاة المحكمة الأوروبية على روسيا بدفع أكثر من 13 ألف دولار إلى المعارض الذي يقيم في جنيف، وكان كسباروف قد أوقف في 14 أبريل/نيسان 2007 إلى جانب مئات الأشخاص عندما حاولوا الانضمام إلى مظاهرة ضد سياسات الرئيس فلاديمير بوتين. وصرح في يونيو/حزيران الماضي بأنه لن يعود إلى بلاده خوفاً من التعرض إلى محاكمة بسبب دوره في الاحتجاجات(12).

خاتمة

مما تقدم نستنتج، أنّ عمل المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، لا يتوقف عند النظر في إحقاق الحقوق وإقرارها، ولكنها تعمل في تأكيد الحقوق المكتسبة والمتأصلة للطبيعة البشرية، فالمتتبع لأحكامها يلاحظ أنها نظرت بشكاوي الإرهابيين أو المتطرفين المعتقلين، الذين يقدمون شكاوى ضد بلدانهم لما يتعرضون له من ظروف سجن غير إنسانية. ومن بين هذه القضايا، قضايا خاصة بقتلة أو إرهابيين، تمت معاملتهم معاملة لا إنسانية. كما تم رفع الكثير من الشكاوي من قبل صحفيين اضطروا إلى الصمت في الدول المختلفة، أو من قبل معارضين لأنظمتهم، من أولئك الذين يتم اعتقالهم من دون محاكمة، أو يتعرضون للتعذيب.

إنّ المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، ليست محكمة مختصة بجرائم الحرب، وبالتالي تخرج من اختصاصها القضائي، لصالح اختصاص المحكمة الجنائية الدولية، منعاً لتضارب الاختصاصات. إذ لا يندرج تحت ولاية المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، النظر بقضايا الحرب والسلام، بالرغم من العلاقة الوثيقة بين حقوق الإنسان والسلام. فالمحكمة لا يمكنها إصدار أحكام سياسية في حالات الصراعات المسلحة. ولكنها ومن خلال الأحكام الإلزامية التي تصدرها ضد الدول، خصوصاً ما يتعلق بالطبيعة الإلزامية لدفع التعويضات عن الانتهاكات الحاصلة، إنما تشكل أحكاماً تدين هذه الدول في انتهاكها لحقوق الإنسان، وبالتالي هي إدانة ورأي عام عالمي يعطي الأهمية الكبرى للكثير من القضايا السياسية.

لقد اهتم الفقه القانوني من خلال المؤتمرات التي عقدتها مجلس أوروبا، بتطوير الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، وذلك بتوسيع الاختصاص الاستشاري للمحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، من خلال إمكانية طلب السلطات القضائية العليا في الدول الأطراف في الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان لآراءً استشارية من هذه المحكمة الأوروبية، وبالرغم من أن هذه الآراء تبقى اختيارية وغير مُلزِمة لهذه السلطات القضائية في أحد مراحل الدعوى، إلا أنها ساعدت على إيجاد تنسق وتناغم بين أحكام المحاكم العليا في الدول الأطراف في الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، وأحكام المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، التي وجدت في الكثير من هذه الآراء دليلاً يحقق المساءلة الإلزامية لمنتهكي حقوق الإنسان، وتعويض المتضررين منها.

يبقى السؤال الأهم، هو مدى إمكانية الأفراد والمنظمات الأحوازية في تشكيل فرق عمل تعمل بشكل مؤسسي وعلمي، يؤهلها لرفع الدعوى أمام المحكمة الأوروبية، سواء عن طريق المحاكم الوطنية الأوروبية للحصول على رأي استشاري، أو سواء لجهة إلزامية تنفيذ الحكم الصادر، والتعويض على المتضررين الأحوازيين. وفي كلا الحالتين تبدو إيران مدانة قضائياً وسياسياً.

الهوامش:_______________

1-      https://www.echr.coe.int/Pages/home.aspx?p=court&c=

2-      انظر: د. محمد شريف بسيوني، د.محمد السعيد الدقاق، د. عبد العظيم وزير، حقوق الإنسان ، المجلد الأول، دار العلم للملايين، ط1، بيروت، 1988، ص 329 .

3- http://www.amnestymena.org/ar/Magazine/Issue14/TheEuropeanCourtforHumanRights.aspx

4-      انظر، محمد أمين الميداني، بروتوكولان جديدان مضافان إلى الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، مجلة الجنان لحقوق الإنسان، مجلة أكاديمية محكمة نصف سنوية، جامعة الجنان، طرابلس، لبنان، عدد 4-5، حزيران/يونيو-كانون الأول/ديسمبر، 2013، ص 145-161.

5-      المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان تدين روسيا. على الرابط:

https://www.aljazeera.net/news/humanrights/2013/10/3/%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AD%D9%83%D9%85%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%88%D8%B1%D9%88%D8%A8%D9%8A%D8%A9-%D9%84%D8%AD%D9%82%D9%88%D9%82-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D9%86%D8%B3%D8%A7%D9%86-%D8%AA%D8%AF%D9%8A%D9%86-%D8%B1%D9%88%D8%B3%D9%8A%D8%A7

6-      انظر: محمد أمين الميداني، “الشرط الاستعماري في الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان”، المختار من دراسات الحماية الإقليمية لحقوق الإنسان، ط1، منشورات المركز العربي للتربية على القانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان، ستراسبورغ، 2017، ص 7 وما بعدها.

 7-  انظر: د. رياض العجلاني، تطور إجراءات النظر في الطلبات الفردية أمام المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، مجلة دمشق للعلوم الاقتصادية والقانونية، المجلد 28، العدد2، 2012، ص 170 وما بعدها. 

8-      محمد يوسف علوان، و محمد خليل الموسى، القانون الدولي لحقوق الإنسان، المصادر ووسائل المراقبة، دار الثقافة، الجزء الأول، عمان، 2009، ص 296- 297.

9-      المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان ترفض شكوى بشأن تعذيب أوجلان. على الرابط: https://ahvalnews.com/ar/%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AD%D9%83%D9%85%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%88%D8%B1%D9%88%D8%A8%D9%8A%D8%A9-%D9%84%D8%AD%D9%82%D9%88%D9%82-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D9%86%D8%B3%D8%A7%D9%86-%D8%AA%D8%B1%D9%81%D8%B6-%D8%B4%D9%83%D9%88%D9%89-%D8%A8%D8%B4%D8%A3%D9%86-%D8%AA%D8%B9%D8%B0%D9%8A%D8%A8-%D8%A3%D9%88%D8%AC%D9%84%D8%A7%D9%86/%D8%B9%D8%A8%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D9%84%D9%87-%D8%A3%D9%88%D8%AC%D9%84%D8%A7%D9%86

10-    المرجع ذاته.

11-      روسيا ستدفع تعويضات لضحايا بيسلان بعد قرار المحكمة الأوروبية. على الرابط: https://ara.reuters.com/article/worldNews/idARAKCN1BV03O

  12-  المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان تدين روسيا. على الرابط: https://www.aljazeera.net/news/humanrights/2013/10/3/%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AD%D9%83%D9%85%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%88%D8%B1%D9%88%D8%A8%D9%8A%D8%A9-%D9%84%D8%AD%D9%82%D9%88%D9%82-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D9%86%D8%B3%D8%A7%D9%86-%D8%AA%D8%AF%D9%8A%D9%86-%D8%B1%D9%88%D8%B3%D9%8A%D8%A7

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق