الدراسات

إمارات الأحواز العربية

تاريخ إمارة العباسية في الأحواز من  ١٩٦٧ ـ ١٦٧٣ م

سقطت سلطنة هرمز العربية في عام ١٦٢١م (١٠٣١ ه‍) على يد الدولة الصفوية التركمانية بمساعدة الأسطول البحري الانجليزي والهولندي. حكمت هذه الدولة جنوب شرقي الأحواز زهاء ٧ قرون. ولكن لم تمضي عدة عقود على احتلال سلطنة هرمز الأحوازية وبالتزامن مع ضعف الدولة الصفوية استطاع الأحوازيون مجدداً من استعادة السيطرة وتأسيس عدة إمارات أحوازية. الجدير بالذكر أن الحكم في الأحواز كان آنذاك وسيما بعد العهود الإسلامية الأولى يشبه كثيراً الحكم في امبراطورية روم المقدسة للأمة الجرمانية (حيث كانت في بعض الفترات الإمبراطورية روم المقدسة للأمة الجرمانية في أوروبا الوسطى تتشكل من ٣٠٠ امارة – دولة في داخلها)، والتي انقرضت في عام ١٨٠٦م  و هكذا كانت الأحواز  في بعض الفترات توجد عشرات الإمارات تحكم المناطق المختلفة في آن واحد ولربما الأحواز وهي جمع الحوز أفضل تعبير لهذه الحالة.   

امارة العباسية إحدى الإمارات التي أقيمت في الأحواز واهملت كثيرا من قبل الباحثين والمؤرخين. امتد حكم امرائها وبسطت سيطرتها على كثير من المناطق في جنوب شرقي الأحواز زهاء ثلاثة قرون. من أهم أسباب إهمال هذه الإمارة الأحوازية العظيمة يرجع إلى أن الأشقاء العراقيين هم أول من كتبوا عن الأحواز وتاريخها، عندئذ تم التركيز على شمال غربي الأحواز (أي عربستان) المتاخمة للحدود العراقية فحسب وأهملت الأقاليم الأحوازية الأخرى تماما.

Picture1

من الأسباب التي جعلت العراقيين يصبوا جل اهتمامهم على شمال الأحواز: أولاً، البعد الجغرافي وثانياً، البعد التاريخي حيث تجد هناك صلات نسبية وعرقية وقبلية طوال التاريخ بين الشعب الأحوازي في شمال غربي الاحواز واقاليم جنوب العراق إلى نهاية الربع الأول من القرن العشرين. تلك الدلائل أدت الى إهمال البحث عن تاريخ الإمارات التي نشأت في جنوب شرقي الأحواز.

بعد سقوط خلافة بنوالعباس عام ٥٦٥ ه‍ / ١٢٥٨ م ، فر الأشراف من بني العباس خوفاً من المغول وساروا في أنحاء العالم الإسلامي. هاجر بعضهم إلى مصر بمساعدة المماليك وحكموا مصر باسم الخلافة العباسية. كما هاجرت ثلة منهم إلى الهند واستولت على السلطة هناك. كما تقول المصادر التاريخية كانوا بنو العباس ضمن القبائل التي هاجرت من الجزيرة العربية والعراق إلى منطقة جنوب شرقي الأحواز. وكان من بين المهاجرين من العباسيين ممن دخل الأحواز، هم أحفاد إسماعيل بن سليمان بن علي بن عبد الله (حبر الأمة) بن عباس بن عبد المطلب وكان قد حدثت تلك الهجرة في البداية إلى منطقة شيراز وفارس التي نجت من المغول بحسن تصرف سلطانها (أبو بكر بن سعد الزنكي)، ومن ثم انتقلوا إلی بلدة خنج في جنوب شرقي الأحواز واتخذوها مقرا لهم وبعد حين من الزمن انتقلوا من مدينة خنج إلى قرية انجيرة (ديدبان) ثم إلى قرية بستك حيث جعلوها عاصمة لإمارتهم.

كان الكثير من العباسيين علماء دين وقد برز منهم الشيخ عبد السلام الخنجي العباسي الذي انكب في البحث على العلوم الدينية وقد ذكر في كتب التاريخ حينئذ زاره الرحالة ابن بطوطة في زاويته في خنج وقد توفي سنة ٧٤٦ ه‍ / ١٣٤٥ م ويعتبر الأخير هو الجد الأكبر لأمراء بني العباس في منطقة بستك وجهانجيرية وجنوب شرقي الأحواز. كان آنذاك آل عباس قد تخلقوا بصفات العلم والتدين والفلسفة واهملوا السياسة كما كانوا عليها من قبل، لكنها تغيرت الأمور حين مجيء الشيخ عبد القادر بن الشيخ حسن الذي حمل السيف والمصحف. وزعم الباحثون أن هذا الرجل كان قد مزج الدين والسياسة معاً واعتبره البعض شيخاً وأميرا في آن واحد.

الشيخ حسن البستكي العباسي

الشيخ حسن بن محمد الصغير بن ناصرالدين بن محمد بن جابر بن إسماعيل الرابع بن عبد الغني بن  إسماعيل الثالث بن عبدالرحيم عفيف الدين بن عبدالسلام الخنجي بن عباس بن إسماعيل الثاني بن حمزة بن أحمد بن محمد بن هارون بن مهدي بن مرشد بن محمود بن أحمد بن علي بن مبارك بن عبدالسلام بن سعيد بن عبد الغني بن طلحة بن أحمد بن إسماعيل بن سليمان بن محمد بن علی بن عبدالله (حبرالأمة) بن سيدنا عباس بن عبدالمطلب القريشي بن هاشم بن عبد مناف، وكان هذا الرجل من كبار الزهاد والعلماء في بستك وجهانجيرية والمدن والقرى في الساحل الشرقي للخليج العربي في جنوب شرقي الأحواز ومن أبرز صفاته كان يعتكف دائما في الجامع منشغلا بالعبادة وكما كان إماما وخطيبا وقاضيا يحكم بين الناس في المسجد واهتم بأمور الناس ومشاكلهم وله مضيف يقع جنب الجامع يكرم الناس فيه  ويستقبل ضيوفه.

تتلمذ الشيخ حسن على يد الشيخ عبد الله الأنصاري في قرية عمادة وتزوج بابنته فاطمة التي كانت امراة صالحة عُرفت بعفتها وزهدها وإيمانها. وأما حول لقب “الشيخ” الذي سبق اسمه في الكتب، بعد رجوع الشيخ حسن إلى بستك كان يتردد كثيرا على الجامع ويقضي جل وقته في الدراسة والبحوث الدينية وبسبب ذلك أطلق عليه الناس لقب الشيخ وعرف أخيرا بملا شيخ حسن. توفي الشيخ في عام ١٠٨٤ للهجرة ودفن جنب أبيه في مدينة دركالة غربي مدينة بستك في جنوب شرقي الأحواز. وترك ستة أبناء وراءه وتقسموا ذريتهم إلى أربع أقسام كالتالي:

١ـ المشايخ

٢ـ الخانيين

٣ـ آغايان

٤ـ الموالي

أما أسماء أبناء الشيخ حسن البستكي العباسي فهم کالتالي:

١ـ شيخ محمد، الجد الأكبر لملا رضوان الكنجي.

٢ـ شيخ عبد القادر، المفتي الأعظم والمؤسس لسلالة حكام وشيوخ إمارة بني العباس في بستك،

٣ـ شيخ عبد الرحيم، لا يبقى من ذرية أحد.

٤ـ شيخ عبد الرحمن الكبير، جد شيوخ منطقة كوخرد وعشيرة محمد شيخ احمدي في بستك

٥ـ شيخ سعيد.

٦ـ الحاج ملا إسماعيل، جد الأكبر للموالي في هرنك وآغايان في بستك وغوده.

الشيخ عبد القادر بن حسن البستكي العباسي  (١٧٢٣ – ١٦٧٣م)

 الشيخ عبد القادر بن الشيخ حسن العباسي. للشيخ عبد القادر البستکي مقام كبير في الزهد والعرفان وتدبير أمور الناس وهو في الحقيقة المؤسس لسلالة العباسيين الذين حكموا بستك والجهانجيرية ولار والموانئ والجزر في جنوب شرقي الأحواز طيلة ثلاثة قرون حتی احتلال هذه الإمارة على يد الفرس.

Picture2

ولد الأمير شيخ عبد القادر البستكي حسب رواية في عام ١٠٥٠ ه‍ وفي رواية أخری يقال أنه ولد في عام ١٠٥٢ ه‍ في مدينة بستك. يعتبر أباه من فضلاء زمانه وأمه فاطمة بنت الشيخ عبدالله الأنصاري وكانت امراة فاضلة وعفيفة وحافظة للقرآن وكان لها خط جميل في الكتابة. أكمل الشيخ عبد القادر دراسته في مكه المكرمة والمدينة المنورة والأزهر في مصر وفي دار العلم في شيراز وبعد تخرجه وحصوله علی الشهادة  رجع إلی بستك وبنی مسجداً ومضيفاً ودعی الناس وجميع المشايخ والعلماء إليه. كانت بستك في زمانه عبارة عن ثلاث أحياء مجاورة من ثم جمعها الشيخ معاً وجعل منها مدينة واحدة.  

بنی الشيخ داراً للعلم أصبحت مقصداً للناس من کل مکان. بعد قيام الدولة الصفوية الغلاة وهجومها علی الأحواز وإجبار الناس على التشيّع، هاجر الشيخ إلی مكة والمدينة، والتقى في سفره بالشيخ حسن المدني والذي يعتبر من كبار زهاد  الحجاز وعلمائها وطلب منه أن ياتي معه إلی جنوب شرقي الأحواز. ومن ثم رجع شيخ عبد القادر مع اخوته إلی البستك ونزل في مقام سيف الله القتال في قرية عمادة واعتزل الناس واعتكف هناك فترة من الزمان. لكن وبعد اصرار مريديه وبسبب القحط الذي أصاب الناس طلبوا مساعدته وبعد الإصرار المتكرر لبی الطلب ورجع إليهم. كانت الناس قد أرجعت امرها إليه، لذلك أمرهم بحفر الآبار العميقة وهداهم بتربية المواشي وإلی نوع خاص من الزراعة و الري المشترك وبعد ذلك ازدهرت المنطقة وكثر عمرانها وزادت نفوسها. إلا إنه ما لبث أن عاد مرة أخری إلی الإعتزال والإعتكاف. وفي أواخر أيام عمره، خطب للناس خطبة غراء ورتب أمورهم وقسم إدارة شؤون الإمارة بين أولاده وأخوته من ثم خرج في عام ١١٣٥ ه‍  من بستك واعتكف في مسجد في قرية كجوية من توابع منطقة فرامرزان إلی أن توفى سنة ١١٣٦ ه‍ في تلک القرية ودفن فيها ولايزال قبره هناك. كان له ستة أولاد وهم: محمد سميع، محمد سعيد، عبد اللطيف،  محمد خان الكبير،  عبدالسلام  وعبدالله.

يقال عن الشيخ، كانت له بقرة يأكل من لبنها وسمنها. في يوم من الأيام فرت البقرة ودخلت مزارع الناس وأكلت من المحاصيل ولهذا امتنع الشيخ بعدها أكل اللبن والسمن.

 

بداية إمارة بني العباس في بستك

كانت الأحواز مقسمة إلى منطقتين، منطقة جنوب شرقي الأحواز تحت حكم سلاطين هرمز العربية التي تأسست بيد سلالة عربية في القرن الرابع الهجري وكانت عاصمتها جزيرة هرمز(جرون) وكذلك الدولة المشعشعية التي تأسست في القرن التاسع الهجري قبل الحكومة الصفوية بسبعين عاما وعاصمتها الحويزة في شمال غربي الأحواز. كانت تلك الدولتين قد تقاسمت السلطة في الأحواز بيد أنه بعد تأسيس الدولة الصفوية بمائة عام انقرضت سلطة هرمز في سنة ١٦٢١ م على يد الصفويين، كما فقدت الدولة المشعشعية تدريجيا السيطرة على الساحل الشرقي ولاسيما بعد وفاة أمرائها الأقوياء. فبعد وفاة الشيخ عبد القادر العباسي الذي صادف نهاية الحقبة الصفوية واستيلاء الأفاغنة على أصفهان في وسط بلاد فارس ومن ثم ظهور نادر شاه أفشار من جهة أخرى، بالإضافة إلى الحرمان الذي مورس ضد الأحوازيين في جنوب شرقي الأحواز من جراء ظلم واضطهاد الفرس وغلاة الشيعة الصفويين ضد أبناء السنة والجماعة، فقد قام نجلا الشيخ وهما الشيخ محمد سعيد البستكي والشيخ محمد البستكي بالدفاع عن عروبة المنطقة وعقائدها. لذلك بعد ما رأوا إقبال الناس عليهما ومطالبة الناس بتولي أمورهم وافقا على قيادة الناس ولذلك أسسوا إمارة العباسية هناك وكان هدفها الوقوف أمام الظلم والاضطهاد الفارسي الصفوي. حينئذ قسّما إدارة الإمارة بينهما.

 حكم الشيخ محمد سعيد منطقة لار وتولى الشيخ محمد الحكم في الجهانجيرية. وهكذا ترك مشايخ بني العباس زواياهم وهم الذين اصفرت وجوههم وضعفت أبدانهم من كثرة الصوم والصلاة والعبادة والانزواء والابتعاد عن الناس حيث كانوا يعتبروا إيذاء أي مخلوق جرما وذنبا ولكنهم دخلوا ميادين القتال من أوسع ابوابها لأجل الدفاع عن الوطن”. وكانوا قد ساعدوا في تأسيس الإمارات العربية الأخرى في جنوب شرقي الأحواز.

الأمير شيخ محمد سعيد البستكي العباسي (١٧٣٩ – ١٧٢٣م)

 شيخ محمد سعيد بن الشيخ عبد القادر بن شيخ حسن البستكي العباسي تولى الحكم بعد أبيه وهو في ال٢٢ من عمره. ولد الشيخ محمد سعيد في مدينة بستك سنه ١٠٩٦ ه‍ وتتلمذ على يد شيخ أحمد المدني في بستك وكجوية وتعلم اللغة العربية وسائر العلوم على يد مشايخ بستك. حكم شيخ محمد سعيد منطقتي جناح وكمشك بعد وفات أبيه. صادف حكمه انقراض الدولة الصفوية ودخول الأفغان من الشرق فضلاً عن هجوم الأتراك والفرس اللذين كانا يجاورونهما من الشمال ولا سيما ظلم وتعدي حاكم لار. في تلك الفترة، بسبب الاعتداءات التي حصلت ضد العرب في تلک المناطق، اتحد كل أبناء الأحواز في مدن الجبال المنحدرة (شيبكوه) وموانئ الخليج العربي في جنوب شرقي الأحواز وبايعوا الأميرين الشيخ محمد سعيد والشيخ محمد نجلي الشيخ عبد القادر وكان معهم الشيخ أحمد المدني. وبتبع ذلك جنّد العباسيون أكثر من ألف جندي لمواجهة حاكم لار في عام ١١٣٧ ه‍ زحف جيش إمارة العباسيين نحو مناطق بيخفال وهرم والخليلي وهزم المحتل وفتح مدينة خنج وواجه استقبالا كبيرا وحفاوة من قبل أهالي خنج وهرم وكاريان وبيدشهر والكورة. التحق بجيش إمارة العباسيين أكثر من ألفي من عرب تلك المناطق ثم تحرك نحو مدينة اوز التي فتحت أبوابها ورحبت بالعباسيين أيضا. وكان في مقدمة المرحبين كلا من ملا محمد الكرامتي وهو من كبار أهالي مدينة اوز. وبعد التنسيق مع حاكم شيراز الذي كان يعتبر عدوا لحاكم لار ثم توجه الجيش نحو مدينة لار. فعندما سمع محمد علي بيك حاكم لار بزحف العرب وهجوم شيخ محمد سعيد، خرج لمواجهته، ودارت معركة شرسة وطاحنة في منطقة “معلم كشمير” على بعد فرسخ من مدينة اوز. قتل فيها محمد علي بيك في تلك المعركة وفر جنوده إلى لار، واستولى ميرزا باقر أحد القيادات في جيش إمارة العباسيين الأحوازية على بيت محمد علي بيك وممتلكاته وذخائره، من ثم أرسل تقريرا لشيخ محمد سعيد عن الأوضاع. من ثم دخل الشيخ محمد سعيد وفتح المدينة وهزم المتحصنين من جنود محمد علي بيك في قلعته التي کانت تسمی اجدها بيكر (اژدها پيکر) ومن ثم فتح منطقة المقام. وبتبع ذلك استقبل أهالي لار شيخ محمد سعيد بحفاوة بعد ما ذاقوا الويلات من حاكم لار محمد علي بيك.

بعد أن ساد الأمن والاستقرار هناك، قام شيخ محمد سعيد العباسي بعدة خطوات حيث أمر ميرزا باقر لاري بإدارة الشؤون في لار وتوابعها، ونصير خان لاري في منطقة السبعية (سبعه جات) وتوابعها، وملا محمد كرامتي في مناطق اوز وخنج ولواء بيدشهر وهرم وكاريان. کما تولى مسيح خان لاري قيادة الجنود. وساد الأمن كل أرجاء إمارة العباسيين طيلة ١٢ عام منذ توليه الحكم. لقد توفي الشيخ محمد سعيد في يوم ١٨ من رجب عام ١١٥٢ ه‍ عن عمر يناهز ٤٨ سنة في لار ودفن في بقعه بير بداق (پير بداق) على بعد فرسخ من جنوب لار. يبدو كان التسمم سبب الوفاة حسب بعض المصادر. ولايزال أحفاده يعيشون مدينتي جناح وبستك ويلقبون بآل شيخان.

الأمير شيخ محمد البستكي العباسي (١٧٨٣ – ١٧٢٣ م)

 تولی الشيخ محمد بن شيخ عبد القادر بن شيخ حسن البستكي العباسي الحكم في منطقه بستك بعد وفاة أبيه حيث كان يعيش فيها من البداية وعرف بعدها باسم شيخ محمد خان الكبير، ولد الشيخ في قصبة بستك في عام ١١١٣ ه‍ ، ودرس في بستك ودار العلم في شيراز وكان فصيحا في اللغة العربية ويجيد الفارسية وكان كلامه نافذاً ومن هواياته الرماية وركوب الخيل. ابتعد بشكل ملحوظ عن طريقة أبيه في المضي في الزهد والتصوف، وقاوم انتشار التشيع في مدينة بستك.

     بعد وفات أخيه شيخ محمد سعيد البستكي الذي كان يحكم منطقة لار، تدهور الأمن في مناطق لارستان والبستك وجهانجيريه لذلك قام بعدة خطوات للحفاظ على الأمن ومنها بناء ثلاث مناطق تكونت منها مدينه بستك وشيد حول کل واحدة منها جدارا بارتفاع أربعة أمتار وعرض متر ونصف المتر وبني لها أبراجاً. كان قد ولى نجله شيخ محمد صادق وأبناء عمومته عام ١١٦١ ه‍ مسند الحكم وذهب مع عدد من الفرسان إلى قلعة “الناظور” (ديدبان) والتي كان لها موقعا ممتازا على جبل “أنزره” بين سفح جبلي “لشتان” و “لمزان”.

في تلك الأحوال كان يتولی نصيرخان اللاري الحكم في لار بأمر من الأمير الشيخ محمد سعيد العباسي ومع أنه أعلن في البداية تبعيته لشيخ محمد العباسي إلا أنه وبعد أن أخذ تأييد الحكم على لار من قبل والي بلاد فارس طالب بحقوق الديوان لكل من منطقتي بستك والجهانجيريه من الأمير الشيخ محمد العباسي وهاجم على الفور منطقتي غودة وصحراء الجنان (صحراي باغ). وكان النصر حليفه حيث كان يتواجد شيخ محمد البستكي العباسي في قلعه الناظور وجراء ذلك احتل هادي خان ابن عم نصير خان قلعة تدروبه وقری غوده. لكن بعد أن سمع الأمير الشيخ محمد البستكي الخبر أرسل ابن عمه بخمسمائة جنديا لمقابلة نصير خان. وهزمت قوات الشيخ حسن العباسي جنود نصير خان وحررت قواته كلاً من قلعة تدروبه ومنطقه صحراء الجنان (صحراي باغ) وفر جنود نصيرخان وتم أسر هادي خان ابن عم نصير خان وأرسل إلى الأمير الشيخ محمد الكبير في قلعة الناظور ومن ثم رجع إلى بستك بعد أن أتمّ مهمته.

 

حروب الأمير الشيخ محمد الكبير في المنطقة

ومن أهم أحداث تلك الحقبة:

  • حارب شيخ محمد الكبير الشيخ علي الخلفان حاكم شارك في عام ١١٦٥ ه‍ ورغم أنه كان يمتلك الشيخ علي الخلفان قوات كبيرة بالإضافة إلى ٥٠٠ نفراً من جنود نصير خان اللاري إلا أن شيخ محمد الكبير استطاع أن ينزل به هزيمة كبيرة وتم قتله في تلك المعركة. ومن أفضل ما يذكره التاريخ حينئذ عتق شيخ محمد الكبير رقاب الأسرى من جنود علي الخلفان.
  • في عام ١١٦٦ ه‍ هاجم الشيخ حسن العباسي بأمر من الأمير شيخ محمد الکبير قلعة غراش التابعة للار وكانت تلك القلعة محصنه تماما إلا أنه استطاع فتحها وهزم قوات نصير خان واستولى على القلعة واغتنم جميع معداتها العسكرية من أسلحة وذخيرة وعتاد.
  • في العام نفسه بدأ عدد من شيوخ القواسم الذين كانوا يسكنوا رأس الخيمة قرصنة السفن في عرض البحر واستولوا على جزيرة جسم (قشم). استطاع الأمير الشيخ محمد العباسي بمساعدة الأمير الشيخ حسن بني معين (شمر) وباستعمال أساليب وتكتيكات خاصة إخراج شيوخ القواسم من الجزيرة وضمها إلى إمارته وتمكن من توسع رقعة حكمه لتشمل بستك وجهانجيرية وأطراف لار وميناء جرون (سورو ـ بندرعباس).
  • اتحد الأمير الشيخ محمد العباسي مع كريم خان زند في عام ١١٦٨ ه‍ في مواجهة اعتداءات نصير خان واستيلاءه على منطقه لار، وبعد ذلك اعترف کريم خان زند بحكم العباسيين عليها.
  • في العام نفسه وبعد سماع خبر استيلاء القواسم على ميناء لنجه وبعد ما عجز كريم خان زند من صدهم اعترف هذا الأخير اعترفا رسميا بإمارة الشيخ محمد العباسي على كل من ميناء جرون (سورو ـ بندر عباس) و ميناء لنجه وحميع الجزر وكذلك الجهانجيريه وطلب منه مواجهة القواسم وطردهم. هاجم الشيخ محمد البستكي شيوخ القواسم فرضخوا له واستسلموا وبعد ما أخذ منهم عهد الطاعة، وأعطى إدارة شؤون ميناء لنجه لشيخ صقر وشيخ راشد القاسمي، ثم مشط سواحل وموانئ الخليج العربي من ميناء جرون إلی القابندية (گاوبندی – پارسیان) وأخذ من شيوخ العرب في جميع المناطق عهد الالتزام بالطاعة وعدم النزاع والتزامهم بدفع الضرائب وحقوق الديوان. ومن أهم ما قام به هو تعيين حدود الإمارات التابعة للشيوخ لكي لا تنشب الخلافات بينهم في المستقبل.
  • أرسل الأمير الشيخ محمد العباسي في عام ١١٧٤ ه‍ جيوشه باتجاه لار وهزم نصير خان مرة أخرى.
  • أمر الشيخ محمد العباسي ابن عمه شيخ حسن العباسي في عام ١١٧٥ه‍ لمواجهة جاني خان الذي هاجم قرية العمادة. وهذا الأخير هو يعتبر أحد رؤساء الترک الأفشار وبعد ذلك فر إلى نصير خان في لار بعد هزيمته في كرمان.
  • في عام ١١٧٦ ه‍ أرسل كريم خان زند جيشا كبيرا لإخضاع حاكم لار نصير خان وحاكم بستك الشيخ محمد العباسي حاكم بستك. عندئذ اتحد الأخيرين بينهما لمواجهة كريم خان زند حيث أرسل شيخ محمد العباسي ابن عمه الشيخ حسن وابنه الشيخ هادي على رأس جيش إلى منطقة لار لمناصرة نصير خان. وبعد معركة شديدة تمت هزيمة جيش کريم خان زند والذي كان يرأسه محمد ولي خان وخسرت القوات الزندية القسم الأكبر من جنودها في هذا الحرب. ويذكر أن بعد هذه المعركة والانتصار، أهدي نصير خان حاكم لار ألفا من الإبل محمله بالهدايا للشيخ محمد العباسي حاكم بستك لمساعدته في ردع قوات الزندية إلا أن الحلف لم يدم بينهما طويلا بعد مطالبة نصيرخان بمناطق روئيدر وفداغ وصحراء الجنان (صحراي باغ).
  • بعد هذا الخلاف وعندما أرسل كريم خان زند جيشا كبيرا بقيادة محمد خان ظهير الدولة إلی لارستان لإخضاع نصير خان، أرسل من جهته الشيخ محمد العباسي (الكبير) ابن عمه الشيخ حسن لدعم قوات كريم خان الزندي لمواجهة عدوه السابق نصير خان. بذل الشيخ حسن العباسي في تلك المعركة التي حدثت عام ١١٨٩ ه‍ جهودا كبيرة فدخل القلعة مع أحد جنوده يسمى فقيه أحمد الكمشكي واستولى على قلعة اجدها بيكر ( اژدها پيکر ) وأسر نصير خان وارسله مع أسرته إلى شيراز.
  • اتخذ الشيخ الأمير محمد العباسي منذ عام ١١٦١ ه‍ قلعه الناظور (ديدبان) مركزا لإمارة العباسيين ومكانا للإقامة ولم يترك تلك القلعة طيلة عشرين عاما وكان ينفذ كل خططه وحملاته من تلك القلعة بواسطة ابن عمه الشيخ حسن خان ونجله الشيخ هادي اللذين كانا يسكنا مدينة البستك. في إحدى حروب الشيخ محمد العباسي مع الفرس، تمت محاصرته من قبل جيش كريم خان بقيادة زكي خان زند ونصير خان لاري. لكن بات الهجوم بالفشل حيث قاوم جيش العباسيين بشراسة وخاب أمل المعتدين في كسر المقاومة واقتحام القلعة.
  • في عام ١١٨٢ ه‍ ، بعد مساعدة الأمير الشيخ محمد العباس لكريم خان زند في الوساطة في فك أسر زكي خان من سجون بني معين (شمر)، اعترف كريم خان زند بحكم العباسيين الأحوازيين على منطقه لارستان وموانئ الخليج في قسم الجنوبي الشرقي من ساحل الخليج العربي وبستك والجزر الواقعة في الخليج العربي. بقي الأمير شيخ محمد الكبير العباسي في قلعة الناظور (ديدبان) صامداً حتى استولى على جميع الأمور وضبط الحكم والأمن في إمارته طوال ٢٤ عاما من ثم ترك القلعة وسكن مدينه البستك.

حدود إمارة العباسيين في عهد الأمير شيخ محمد العباسي الكبير

١ـ ناحية الجهانجيرية: تشمل منطقه بستك وضواحيها ، قری مقاطعه كوخرد، فرامرزان، غوده، جناح، بيخه فال، اشكنان، لمزان، دجكان، ميناء خمير، روبدرات (روئيدر)، قهورستان، صحراء الجنان (صحرای باغ ) ، قرية عمادة، بيرم ، تراكم جات، وراوي، زنغه، علامرودشت، القابندية (گاوبندی – پارسیان ) و بومستان، تميمي، مالكي ، حرمي، ميناء عسلوه، بتشير وهشنيز.

٢ـ منطقة جبال المنحدرة ( شيبكوه ) وميناء لنجة: منطقه لشتان، ميناء کنج، منطقه المرزوقي، منطقه شارك وصداق، منطقه بشيري وطاحونة، منطقه عبيدلي وميناء شيرو، منطقه مدني ومرباغ، منطقه حمادي وكلات، منطقه نخيلوه ومقام.

٣ـ الجزر: شيخ شعيب (لاوان)، جزيرة هندرابي، جزيرة قيس (كيش)، جزيره فارور، جزيره صری (سيري )، جزيره طنب الکبری، جزيره ابوموسي، جزيرة طنب الصغری ( هذه الجزر الإماراتية الثلاث في فترة حکمه کانت جزء من إمارته بشکل غير مباشر عن طريق أمراء القواسم في لنجة).

٤ـ قضاء ميناء جرون (سورو ـ بندرعباس): ميناء جرون و ضواحيها، عيسين، محمدي، بيوتات إبراهيمي، ماهان، أحواش (ميناب)، جزيره جسم (الطويلة ـ قشم )، جزيره هرمز، جزيره هنجام.

٥ـ لارستان: مدينه لار وضواحيها، منطقه اوز وخنج، لواء بيدشهر، هرم وكاربان، جويم وبنارويه، لطيفي.

العمران في بستك في زمن شيخ محمد العباسي الكبير

 بعد عام  ١١٨٢ ه‍ اهتم شيخ محمد الكبير بالعمران ورمم القلاع والحصون التي هدمت خلال حروبه مع زكي خان ونصير خان لاري سيما خلال محاصرته من قبل زكي خان زند ونصير خان لاري في قلعة الناظور (ديدبان) وعمّر الجوامع  وحفر آبار المياه وطور الزراعة ودعم الصناعات اليدوية وصنع السفن ووسع التجارة. كان يأخذ الجباية من حكام لار وموانئ منطقه جنوب شرقي الأحواز منها ميناء لنجة وميناء جرون (سورو ـ بندر عباس).

جامع العباسي في مدينة بستك

 تم تدشين هذا الجامع علی يد الأمير شيخ محمد العباسي وتم اعماره عدة مرات علی يد أمراء العباسيين البستكيين. يقع هذا الجامع وسط مدينة بستك في ناحية السوق وله منارة ومحراب ومنبر جميل.  بني هذا الجامع علی الطراز المغولي والسلجوقي التركماني بالحجر والجص والساروج.

Picture3. Png

اتخذ هذا الجامع مركزاً للعلم والفقة والحديث والشريعة حتى أصبح محلاً يقصده الطلاب من قريب وبعيد. لکن للأسف الشديد، أصبح مهجوراً في عصرنا هذا. وقبل سنين قليلة، الأهالي بدأوا بإعادة بنائه مجدداً حيث فضلاً عن کونه يصنف مركزاً للعبادة، أيضا يعتبر معلماً وشاهداً كبيرا علی مدی الإعمار و الرقي في عهد الحكم العربي قبل احتلال الأحواز.

قلعة الناظور ( ديدبان )

كانت هذه القلعة مركز إمارة العباسيين في بداية الأمر ولها موقع ممتاز من الجانب العسكري حيث تقع فوق جبل انزره وتعتبر من ضمن قلاع العباسيين البستكيين  الأكثر تحصيناً وتقع علی بعد ٣٤ كيلومتراً من مقاطعة كوخرد و٧٩ كيلومتراً جنوب شرق بستك.

Picture4

كان يستخدمها الأمير الشيخ محمد العباسي في العشرين سنة الأولی من حكمه مقراً له وكذلك في فترات الحروب وعند نشوب الثورات. وکذلک توجد قلاع أخری مثل قلعة کافرغان تقع ٢٠ كيلومترا غرب لنجة علی ساحل الشرقي للخليج العربي وقلعة قلاة وسط مدينة بستک.

 

وفاته

توفي الشيخ محمد الكبير في عام ١١٩٧ ه‍ (١٧٨٣م) عن عمر يناهز ٨٤ عاما. قضى ٤٧ عاما منها بالحروب والحكم بخلاف أجداده الذين اتخذوا طريقة التصوف والانزواء. دفن رحمه الله في مقام عبد القادر العباسي البستكي في قرية كجوية. كان شيخ محمد الكبير أول من لقب بالخان من العباسيين في بستك من قبل خان الزند وكان العباسيون يستعملونها في بعض الأحيان بدل كلمة الشيخ وتارة أخری يستعملوا اللقبين معا إلا أنه لم يكن لخان زند سلطه علی الأمير الشيخ محمد وكان في كثير من الأحيان يحكم الإمارة بشكل مستقل وقد حارب الفرس عدة مرات.

الأمير الشيخ هادي البستكي العباسي ( ١٨٠٨ – ١٧٨٣ م)

 الشيخ هادي بن شيخ محمد الكبير البستكي العباسي ولد في مدينة بستك واكمل دراسته علی يد مشايخ العباسيين في بستك وفي شيراز. بعد وفاة أبيه تولی حکم جميع الموانئ في قسم الجنوبي للساحل الشرقي وكذلك حكم بستك وجهانجيرية ومنطقة جبال المنحدرة (شيبكوه). عاصر ثورة محمد خان قاجار علی حاكم الزند. غزا الشيخ هادي منطقة لار عام ١٢٠١ ه‍ وانتصر بعد أن استسلم أولاد نصير خان لاري وأعاد منطقة لار إلی الإمارة العباسية مرة أخرى.

علاقات الأمير الشيخ هادي العباسي بالعرب

 سافر شيخ هادي العباسي إلی ميناء لنجة واصلح بين شيوخ القواسم والمرازيق اللذين نشب الخلاف بينهما حول جزر فارور وصری وأبوموسى. وتزوج الشيخ هادي إحدی بنات شيخ سلمان المرزوقي. كما كان يقضي الشيخ أكثر أوقاته في الموانئ ليجبي الجمارك ومنها ميناء جرون (سورو ـ بندر عباس) الذي استأجروها لشيوخ مسقط . كما كان الشيخ يقضي كثيرا من وقته في ميناء لنجة وكانت له علاقات حسنة مع شيوخ إمارات أبوظبي والشارقة ودبي وأم القويم وقطر. وطالما كان يتردد عليه هولاء المشايخ في لنجة عندما يأتون للصيد والسياحة، فكان الشيخ يستقبلهم في قصره كافرغان الواقع بين موانئ مغوة وبستانة. لقد توفي الأمير الشيخ هادي العباسي في عام ١٢١٩ ه‍ في قصره في كافرغان ٢٠ كيلومترا غرب لنجة ودفن هناك رحمه الله.

المجاهد عبدالنور بن هادي العباس ( ١١٦١-١٢٢٧ ه‍)

ولد عبدالنور النجل الأکبر للأمير الشيخ هادي البستكي العباسي سنة ١١٦١ه‍ في بستک ودرس المقدمات هناک علی يد مشايخ بني العباس ثم ذهب إلی شيراز وتعلم فنون الحرب والقيادة العسکرية. في تلك الفترة حدثت معارك  بين روسيا وفارس لأجل الأقاليم التي تقع بين البلدين وكانت شبه مستقلة في قفقاز الجنوبية. حينئذ كانت تلك الواقعة ثقيلة على قلوب المسلمين وسيما حكام إمارة العباسيين البستكيين وبعد سماع مأساة المسلمين والظلم الذی يتلقونه من جنود روسيا القيصرية، تعالت روح الحمية العربية الإسلامية في نفوس کثير من شباب الأحواز .  کيف لا ويجري في عروق هولاء دماء المعتصم وهم يسمعون نداء وا معتصماه. على اثر ذلك في عام ١٢١٧ه‍ ، اجتمع عدد کبير من القادة في جنوب شرق الأحواز وعلى رأسهم الشيخ عبد النور العباسي وتوجهوا نحو جبهات القتال في شمال فارس في قفقاز الجنوبي بعد أن سلحهم الأمير شيخ هادي العباسي بالعتاد والسلاح. تحرک المجاهدون الأحوازيون جنباً إلی جنب الجيش القاجاري الذي کان يترأسه وليعهد والقائد العام للقوات المسلحة عباس ميرزا وشارک أبطال الأحواز ببسالة في تلك المعارك حيث انتصرت الدولة القاجارية علی روسيا بدعم الأحوازيين في تلک الجولة من المعارک واعطى فتحعلي شاه القاجار درجة لواء الركن للمجاهد عبد النور بن هادي البستكي العباسي تبجيلاً وتجليلاً لقيادته الفذة واستمرت مشارکة هؤلاء المجاهدين الأحوازيين في تلک المعارک حتی استشهد الأمير شيخ عبد النور بن الأمير الشيخ هادي العباسي رحمة الله عليه في تلك الحروب.

الأمير شيخ محمد رفيع العباسي ( ١٨٢٠ – ١٨٠٨م)

ولد الشيخ محمد رفيع بن شيخ هادي بن شيخ محمد الكبير بن شيخ عبد القادر البستکي العباسي عام ‍١١٦٣ ‍‍ ه‍ في مدينة بستک حيث ترعرع فيها وبعد أن أكمل دراسة المقدمات، درس اللغة العربية والفقه والحديث عند مشايخ بني العباس. حكم الإمارة بعد وفاة أبيه عام ١٢١٧ ه‍ . قد جعل الشيخ محمد رفيع سيرة حياة وطريقة حكم خلفاء الراشدين قدوة لسلطانه وتعامل مع الناس حسب الشريعة الإسلامية وكان يخطب بين الناس في الجامع ويأخذ الضرائب من الناس برأفة. عاشت الناس في زمانه في أمن واستقرار. كان يأمر الناس بالمعروف وينهي عن المنكر وحاول الابتعاد عن الحروب والجدال في حكمه وكان يتقي الله في حكمه. من أهم مراحل حياته أن استغل تاج الدين النامي حاکم منطقة کوهيج الوضع الحاكم وطبعه الأمير محمد رفيع المسالم وكرهه للحرب السياسة فعصا حکمه واحتل قلعة کوهيج وطرد حاميتها العباسية وامتنع عن دفع الضرائب. بعد ذلك وحكم طال ١٢ عاما اعتزل الأمير محمد الرفيع الحكم واعتكف وانشغل بالعبادة في الجامع وتوفى بعد ثلاث سنين من اعتزاله للسلطة في عمر ٧٥ عام ١٢٣٨ ه‍ و دفن في بستک.

الأمير الشيخ احمد العباسي البستکي (١٨٤٩ – ١٨٢٠م)

 ولد الأمير أحمد بن محمد رفيع بن شيخ هادي بن شيخ محمد الكبير البستکي العباسي سنة ١٢٠٨ ه‍ في مدينة بستک وتعلم خلال فترة عشر سنوات الأولى القراءة وحفظ القرآن وتعلم رکوب الخيل والرماية حيث عرف بشهامته وشجاعته وكان في شبابه يمارس الشؤون السياسية ويساعد والده في تدبير الأمور رغم صغر سنه وينفذ الأمور الخطيرة التی تناط إليه من قبل أبيه وبعد أن تسلم حکم الإمارة من قبل أبيه على بعض المناطق  ١٢٢٤ ه‍  ذهب إلی قرية کوهيج وقتل تاج الدين الذي عصا حکم أبيه (قرية کوهيج علی مسافه ١٨ کم من مدينة بستک).  ثم أخمد عصيان مرباغ في عام ١٢٢٦ ه‍ ونکل بهم وتوجه إلی کوخرد عن طريق عين مسلم وجبل كوجی وأخضع شيوخ کوخرد الذين کانوا يقطعون طرق التجارة فيسلبوا المسافرين.

بعد مرور ثلاث سنوات وفي عام ١٢٢٩ ه‍ اعترف فتحعلي شاه بحكم الأمير أحمد العباسي على إمارة العباسية وجميع المناطق التابعة لها في جنوب شرقي الأحواز، من بستک والجهانجيرية وصولا إلى جميع الموانئ والجزر في الخليج العربي بينما لم يتجاوز عمره آنذاك ٢١ عاما. هذه الكفاءة والدهاء في إدارة الأمور ساعدت في تحسين الظروف الاقتصادية للمواطنين وتطورت الزراعة والتجارة في عصره. استقر الأمن والسلم في جميع أراضي الإمارة وأضاف إلی حکمه منطقه لار ولقب عام ١٢٣١ ه‍ من قبل فتحعلی شاه بلقب أحمد خان الکبير (شيخ احمد الکبير ـ الخان بالفارسية معادلة لکلمة الشيخ او کبير القوم بالعربية). کان الأمير أحمد العباسي حاکما کبيرا وهو في السن السابع والعشرين ولم تربطه بفارس إلا صفة اسمية وتمتع باستقلالية كاملة أثناء حكمه على البلاد والعباد. توفي شيخ أحمد العباسي عام ١٢٦٥ ه‍ عن عمر ناهز ٤٧ عاما ودفن بجوار جده الکبير شيخ عبد القادر العباسي وشيخ محمد الکبير في كجوية. لديه ستة أولاد وهم: محمد، مصطفي، أحمد، عبد الله، أبوالفتح ويوسف.

الأمير الشيخ مصطفي البستكي العباسي (١٨٨٢ – ١٨٤٩م)

 ولد الشيخ مصطفى بن احمد بن محمد رفيع بن هادي العباسي البستكي (حاكم بستك والجهانجيرية ).

Picture5

ولد عام ١٢٣٥ه‍ في بستك وترعرع هناك، وتولى الحكم  بعد وفاة الأمير شيخ احمد خان الكبير. لكن حصلت قصة قبل توليه الحكم حيث تولی الحكم اخيه الأكبر شيخ محمد خان، لكن سرعان ما انصرف عن السلطة وترك الحكم خلال الشهر الأول من الحكم واعتزل للزهد والعرفان وانشغل في تعلم العلوم الدينية.  في زمن حكم الأمير الشيخ مصطفى العباسي دفع فتنة حاکم منطقة اوز وعلى إثر ذلك نزح عدد كبير من أهالي اوز واستقروا في مدن انوه، جناح وبستك. وقع في عهده زلزال كبير حيث دفن في مدينه جناح أكثر من ٨٥ نفرا وكان الشيخ يساعد المتضررين هو بنفسه. كان الشيخ ذو مواهب كثيرة وفضلاً عن حسن تدبيره في الحكم، يعتبر أديباً وفاضلاً وشاعراً وكان يتلخص في شعره باسم ” فايز” و له ديوان شعر مخطوط لم يطبع. توفي الأمير الشيخ مصطفي العباسي في عام ١٢٩٩ ه‍  عن عمر يناهز ٦٤ عاما ودفن في بستك بعد حكم طال ٤٣ عاما شمل جميع مناطق جهانجيرية والموانئ ولارستان.

الأمير محمد تقي خان العباسي ـ صولت الملك (١٩٢٧ – ١٨٨٧م)

ابن الأمير مصطفي خان العباسي وأمه بنت شيخ محمد بن شيخ اسحق بن شيخ يوسف العباسي. ولد الشيخ في البستك عام ١٢٧٢ ه‍. بعد وفاة الشيخ مصطفي العباسي فاختلفا نجليه، محمد رفيع خان وأحمد خان على خلافته وقتل أحمد خان إثر نزاع دار بينهما على الخلافة. بعد فترة قصيرة قام شيخ محمد تقي خان الابن الثالث للأمير مصطفي خان باعتقال أخيه محمد رفيع خان بتهمة قتل أخيه ونفاه إلى شيراز عام (١٨٨٧م) ١٣٠٥ ه‍. 

 

Picture6

 

ولقب بصولت الملك إثر علاقاته الجيدة مع حاكم فارس آنذاك. حكم محمد تقي خان ٤١ عاما وكان محنکاً في السياسة ومدبرا في حكمه. صادف في عصره حكومة ناصر الدين شاه ومظفر الدين شاه وثورة الدستورية (مشروطة) في بلاد فارس. لاتزال تتناقل ذكريات حكمه عبر الأجيال بين الناس ولايزال قصره الجميل مشيدا في وسط مدينة بستك يتلفظون القاف كافا، لذلك كان يطلق عليه “مَّدتَکی خان”. توفي الأمير محمد تقي خان العباسي في عام ١٣٤٦ ه‍ عن عمر يناهز ٧٤ عاما في حديقته في مخدان بستك ودفن هناك. كما تزامن وفاته السنة الثانية من حكم رضا شاه البهلوي.

الأمير محمد رضاخان العباسي (١٩٤٤ – ١٩٢٧م)

ولد محمدرضا خان في بستك عام ١٢٩٨ ه‍ عندما كان جده علی قيد الحياة ودرس في مكتب الشيخ عبداللطيف ومشايخ بني العباس في بستك وتعلم العربية والفارسية وبعضاً من العلوم الدينية العقلية والنقلية. كما كان شاعراً ومحباً للقراءة وبارعاً في السياسية ومدبراً في الإدارة وكانت تهواه الناس علی حسن خصالة. تزامنت بداية حكمه تكوين الدولة الحديثة في بلاد فارس ومساعي الدولة الفارسية في احتلال الإمارات العربية الأحوازية ومنها إمارة كعب آل كاسب. كانت العلاقات بين العباسيين وباقي الإمارات العربية الأحوازية في أفضل حالها ولاسيما مع إمارة كعب آل كاسب وأميرها الشيخ خزعل بن جابر في المحمرة وكذلك إمارة المرازيق في مغوة. بعد الاحتلال الفارسي تقلص حكم الأسرة العباسية كثيرا في بستك بعد ما حكمت باستقلالية أو تارة شبه مستقلة طيلة ٢٥٠ عاما، حيث لا تربطها بفارس أي علاقة سوی رابطة شکلية في بعض الأحيان. بعد الاحتلال الفارسي سعى أمراء بني عباس الحفاظ علی وجودهم الشكلي طيلة فترة دامت أكثر من أربعة عقود واعترفت بهم الدولة الفارسية حكاماً علی بستك وضواحيها.

Picture7

 

من أهم محطات حياة محمد رضا خان سفره إلی بمبئي في الهند للعلاج عام ١٣٢٦ ه‍ عن طريق ميناء لنجة إذ خطب بين الناس فنال إعجابهم١. استغرق السفر ٤ أشهر ثم رجع إلی البستك وحكم لار بأمر من أبيه ما بين عامي ١٣٣٦ و ١٣٣٧ ه‍ وحكم ميناء لنجة خلال اعوام ١٣٤٠ و ١٣٤١ ه‍ و بعد وفاة أبيه تولی الحكم في البستك  ولقب من قبل الحكومة القاجارية بسطوت الملك وبسبب مساعدته لحبيب الله قوام الملك الشيرازي في دفع عصيان حرس لار، استلم حكم ولاية قهورستان و روبدرات (روئيدر).

Picture8

 

من أهم أحداث زمانه، انتشر مرض الوباء في شهر صفر عام ١٣٣٧ ه‍  في جميع مدن الإمارة العباسية  وتفشي نوع خاص من الانفولانزا في كل من بستك والجهانجيريه ولار والموانئ وسائر المدن والقرى في جنوب شرقي الأحواز ومات على إثر ذلك عدد كبير من الناس. عزا المتدينون حدوث هذه الظاهرة إلی القهر والعذاب الإلهي بينما صنف المتجددون الوضع جراء القحط  واتهم الأوروبيون بنشر السموم وبث الأمراض. كان الوضع مفجعاً إلی درجة كبيرة حيث مات عددا كبيرا من الناس في القری والأرياف ومدن الإمارة. كثرة الوفيات وعدم إمکان الدفن أدى إلى تعفن الأجساد في الشوارع فضلا عن الفقر منتشر بحيث جعل الوضع أکثر مأساويا. كانت الكلاب تنهش الأجساد في الشوارع من جراء تزايد الموتى، إذ بلغ عدد الموتى في اليوم الواحد أكثر من ١٥٠ شخصاً في بستك وحدها. کما انعدمت الرعاية الصحية وقل الطعام کثيرا حيث جلست الناس في بيوتها تنتظر المنية. سميت هذه السنة عند أهل بستك سنة “دردي” وما زالوا يذكرها المعمرون.

   سافر الأمير محمد رضاخان العباسي إلی البحرين واستقبل بحفاوة من قبل حاكم بحرين الشيخ عيسی بن علي آل خليفة وسافر إلی المحمرة في شمال غربي الأحواز عام ١٣٤١ ه‍. واستقبل من قبل الأمير الشيخ خزعل، أمير إمارة عربستان حيث كانت بين العباسيين والكعبيين علاقات وطيدة. ومع توسع حكم إمارة الأمير محمد رضا العباسي  والتي شملت صحراء الجنان ( صحراي باغ ) وقهورستان و روبدربات اشتری جزيرة قيس من ميرزا إبراهيم خان قوام عام ١٣٤٢ ه‍.  للإشارة عندما تمكن المدعو علي محمد خان قوام الملك من الاستيلاء علی بعض المناطق في ساحل الخليج العربي وجزر الأحواز عسكرياً بمساعدة الإنجليز وقضی علی العديد من الإمارات العربية في الأحواز أهداه ناصرالدين شاه جزيرة قيس بالكامل في عام ١٢٩٨ ه‍.

في عام ١٩٥٧ م عندما أرادت إيران تقويم سلطتها السياسية علی جزر الأحواز في الخليج العربي، اشترت عنوة جزيرة قيس من أولاد محمد رضا خان العباسي بسعر ٣ ملايين ريال إيراني حيث مارست ضغوطاً كبيرة علی أمراء العباسين مثل محمد أعظم خان العباسي . يعتبر محمد رضا خان آخر أمير من إمارة العباسيين ممن حكم ميناء لنجة ولار وبستك والجزر قبل الاحتلال وتوفي الأمير محمد رضاخان العباسي في شيراز بعد أن ذهب للعلاج ودفن هناک.

 

الأمير الشيخ محمد أعظم خان بن محمد تقي خان البستكي (١٩٦٧ ـ ١٩٤٤ م)

 كان للأمير محمد رضاخان العباسي خمسة أولاد ولكن حكم أخوه محمد أعظم خان بعده واستمر هذا الأخير يحكم البلاد إلا أن سلطته کانت تتقلص شيئاً فشيئاً بسبب هيمنة الحكومة الإيرانية وتطبيقها سياسة التخلص من الأمراء والشيوخ العرب إلی أن أصبح الأمر في أيدي ضباط مراكز الشرطة . توفي محمد أعظم عام ١٣٨٧ ه‍ / ١٩٦٧ م وبوفاته انطوت الصفحة الأخيرة من الإمارة العباسية في هذه البقعة من الأرض. وانتقل العديد منهم إلى دولة الإمارات العربية المتحدة ودول الخليج العربية كما ذهب بعضهم إلى شيراز وعاشوا هناك.

Picture9 Png

 بدأت الإمارة سلطانها عام ٩٣٨ ه‍ بعد دخول الشيخ محمد العباسي إلی بستك وتأسيس الإمارة علی يد الشيخ محمد البستكي المعروف ب « الشيخ محمد الکبير » عام ١١٣٠ ه‍  ودامت حوالي ثلاثمائة عام .

نتيجة

تأسست الإمارة العباسية في الساحل الشرقي في الأحواز على يد العباسيين بسبب الاضطهاد القومي والمذهبي الذي تعرضوا له من قبل الدولة الصفوية آنذاك وما تلتها من حكومات أخرى. حاولت الدولة العباسية خلال ثلاثة قرون المحافظة على استقلالها الخارجي كما حافظت عليه داخلياً وساعدت في تكوين ودعم سائر الإمارات العربية في جنوب شرقي الأحواز.  رغم أنها كانت في بعض الفترات تتبع أمراء فارس شكليا لكنها حافظت على سيادتها ولم تكن تقبل التدخل في شؤونها الداخلية إلى حين تنفيذ مشروع احتلال الإمارات العربية في الأحواز في النصف الثاني من القرن التاسع عشر. وحصل ذلك بعد ما خسرت بلاد فارس مستعمراتها في الشمال لصالح الروس وفي الشرق لصالح الإنجليز. لذا سعت لبسط سيطرتها علی تلك الإمارات العربية في الساحل الشرقي للخليج العربي التي ذكرناها آنفا والمؤسف أنه عندما كانت تسعی بلاد فارس إلى احتلال الإمارات الأحوازية واحدة تلو الأخرى لم تكن تمتلك تلك الإمارات مشروعاً موحداً لمواجهة الخطر القادم من الشمال.

 إذن بقيت كل إمارة تسعى للحفاظ على سيادتها دون الاستعانة بالإمارات الأخرى. هكذا احتلت فارس تدريجيا الإمارات العربية الأحوازية وقضت علی استقلالها الخارجي ثم الداخلي من خلال الاستيلاء عليها بشكل تام. بعد ذلك هاجر عدد كبير من العرب إلی الساحل الغربي من الخليج العربي ولقبوا بالحولة (هوله) وكذلك إلی العراق. يقدر عدد الأحوازيين الذين هاجروا إلى دول الخليج العربي نحو نصف مليون نسمة والذين هاجروا إلی العراق وحده يقدرون بأكثر من مليون ونصف نسمة. على سبيل المثال يسکن في منطقة واقعة في ضواحي البصرة تسمي “خمسه ميل” حيث أكثر١٠٠ الف نسمة من أصول أحوازية هاجروا إليها بين عامي ١٩٥٠ و ١٩٥٥ ميلادي وكذلك مئات الآلاف في بغداد أغلبهم يعيشون في مناطق فقيرة من جملتها مدينة الثورة منذ الثلاثينات). وهنالك دراسة طبعت عام ٢٠٠١ م تابعة لمركز دراسات الخليج العربي الواقع في جامعة البصرة-باب الزبير حول معرفة نسيج وتركيبة السكانية في العراق تشير أن  ٢.٥ الى ٣ مليون نسمة من أصول أحوازية.

 

غازي الحيدري

 

  

المصادر

1ـ العباسي، مصطفي. (١٩٧٧).  محمد زمان، نادر البيان في ذكر انساب بني العباس، طبع في قطر.

2ـ العصيمي، محمد بن دخيل. (١٤١٨ للهجرة). عرب فارس، طبعة الأولى دمام، مملكة العربية السعودية، دار الشاطئ الحديثة للنشر.

3 ـ صديق، عبد الرزاق محمد. صهوة الفارس في تاريخ عرب فارس.

4 ـ بني عباسيان بستكي، محمد أعظم. (١٩٦٠ م).  تاريخ جهانكيرية، طبع طهران.

5 ـ کبابي سديد السلطنة، محمد علي. مغاص اللئالي ومنار الليالي، مجلدين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق